الغداء- سومرست موم (1924)- ترجمة: د.ازهر سليمان

ترجمة : د.ازهر سليمان
لمحتُها في المسرح، وتلبيةً لإشارتها، توجهتُ إليها في الاستراحة وجلستُ إلى جوارها. كان قد مضى زمن طويل منذ آخر لقاء بيننا، ولولا أن أحدهم ذكر اسمها، لما أظن أنني كنت لأتعرف عليها. بادرتني بالحديث بابتهاج:
«حسناً، لقد مرت سنوات طويلة منذ التقائنا الأول. كيف يطير الوقت! لا أحد منا يزداد شباباً. هل تذكر أول مرة رأيتك فيها؟ لقد دعوتني حينها إلى الغداء».
وهل كنتُ لأنسى؟
كان ذلك قبل عشرين عاماً، وكنت أقيم في باريس. كنت أملك شقة صغيرة في الحي اللاتيني تطل على مقبرة، ولم أكن أكسب من المال ما يكفي بالكاد لسد الرمق وإبقاء الروح في الجسد. كانت قد قرأت كتاباً لي وراسلتني بشأنه. فأجبتها شاكراً، وسرعان ما تلقيت منها رسالة أخرى تخبرني فيها أنها ستمر بباريس وتود أن تتبادل معي أطراف الحديث؛ لكن وقتها كان ضيقاً، واللحظة الحرة الوحيدة لديها كانت يوم الخميس التالي؛ إذ كانت ستقضي الصباح في متحف لوكسمبورغ، فهل لي أن أدعوها إلى غداء خفيف في مطعم “فويو” بعد ذلك؟ ومطعم “فويو” هذا هو المطعم الذي يرتاده أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي، وكان يتجاوز إمكانياتي المادية بكثير لدرجة أنني لم أفكر يوماً في دخوله. لكن الإطراء أثملني، وكنت أصغر سناً من أن أتعلم كيف أقول “لا” لامرأة. (وأود أن أضيف أن قلة من الرجال يتعلمون ذلك قبل أن يتقدم بهم العمر لدرجة لا يعود معها لقولهم أي أهمية عند المرأة). كان معي ثمانون فرنكاً (فرنكات ذهبية) لتكفيني حتى نهاية الشهر، وغداء متواضع لا ينبغي أن يكلف أكثر من خمسة عشر فرنكاً. وإذا ما انقطعت عن شرب القهوة في الأسبوعين القادمين، فسأدبر أمري جيداً.
أجبتها بأنني سألتقي بصديقتي —عبر المراسلة— في مطعم “فويو” يوم الخميس في تمام الثانية عشرة والنصف. لم تكن صغيرة في السن كما توقعت، وكان مظهرها مهيباً أكثر مما هو جذاب. كانت في الواقع امرأة في الأربعين من عمرها (وهو سن ساحر، لكنه لا يثير شغفاً مفاجئاً وعاصفاً من النظرة الأولى)، وأعطتني انطباعاً بأن لديها من الأسنان —البيضاء والكبيرة والمنتظمة— أكثر مما تتطلبه أي أغراض عملية. كانت ثرثارة، ولكن بما أنها أبدت ميلاً للحديث عني، فقد كنت مستعداً لأكون مستمعاً مصغياً.
أصابتني قشعريرة عندما أُحضرت قائمة الطعام، فقد كانت الأسعار أعلى بكثير مما توقعت. لكنها طمأنتني قائلة:
«أنا لا آكل شيئاً أبداً في الغداء».
فأجبتها بأريحية: «أوه، لا تقولي هذا!».
تابعت: «أنا لا آكل أكثر من صنف واحد أبداً. أظن أن الناس يأكلون أكثر من اللازم هذه الأيام. ربما القليل من السمك. أتمنى لو كان لديهم بعض السلمون».
حسنًا، كان الوقت مبكراً من العام على السلمون ولم يكن مدرجاً في قائمة الطعام، لكني سألت النادل إن كان لديهم منه شيء. فأجاب بنعم، لقد وصلت للتو سمكة سلمون رائعة، وهي أول ما وصلهم هذا الموسم. فطلبتها لضيفتي. سألها النادل إن كانت ترغب في تناول شيء ما حتى ينضج السلمون.
فأجبت: «لا، أنا لا آكل أكثر من صنف واحد أبداً. إلا إذا كان لديكم القليل من الكافيار. فأنا لا أمانع الكافيار أبداً».
غار قلبي قليلاً. كنت أعلم أنني لا أتحمل كلفة الكافيار، ولكن لم يكن بوسعي أن أخبرها بذلك. طلبت من النادل بكل تأكيد أن يحضر الكافيار. أما لنفسي، فقد اخترت أرخص صنف في القائمة، وكان شريحة من لحم الضأن (ريش).
قالت: «أعتقد أنك غير حكيم في أكل اللحم. لا أدري كيف تتوقع أن تعمل بعد تناول أشياء ثقيلة مثل الشرايح. أنا لا أؤمن بإثقال معدتي».
ثم جاء دور الشراب.
قالت: «أنا لا أشرب شيئاً أبداً في الغداء».
فأجبتها على الفور: «ولا أنا أيضاً».
فتابعت وكأنني لم أتكلم: «باستثناء النبيذ الأبيض. هذا النبيذ الأبيض الفرنسي خفيف جداً، وهو رائع للهضم».
سألتها، وما زلت مضيفاً كريماً ولكن دون حماس يذكر: «ماذا تفضلين إذاً؟».
فمنحتني ومضة مشرقة وودودة من أسنانها البيضاء وقالت:
«طبيبي لا يسمح لي بشرب أي شيء سوى الشمبانيا».
أكاد أجزم أن وجهي قد شحب قليلاً. طلبت نصف زجاجة. وذكرتُ عرضاً أن طبيبي قد منعني تماماً من شرب الشمبانيا.
«وماذا ستشرب أنت إذاً؟».
«الماء».
أكلت الكافيار وأكلت السلمون. وتحدثت بمرح عن الفن والأدب والموسيقى. بينما كنت أتساءل كم ستبلغ الفاتورة. وعندما وصلت شريحة لحم الضأن الخاصة بي، وبختني بجدية قائلة:
«أرى أنك معتاد على تناول غداء ثقيل. أنا واثقة من أن هذا خطأ. لماذا لا تتبع مثالي وتأكل صنفاً واحداً فقط؟ أنا متأكدة من أنك ستشعر براحة أكبر».
قلت لها بينما كان النادل يقترب مجدداً بقائمة الطعام: «أنا لن آكل سوى صنف واحد فقط».
فنحّت النادل جانباً بإيماءة خفيفة من يدها وقالت:
«لا، لا، أنا لا آكل شيئاً أبداً في الغداء. مجرد لقمة صغيرة، لا أريد أكثر من ذلك أبداً، وأنا آكلها كذريعة للحديث أكثر من أي شيء آخر. مستحيل أن آكل أي شيء آخر— إلا إذا كان لديهم بعض من ذلك الهليون (الأسبرجس) العملاق. سأحزن إن غادرت باريس دون تذوق شيء منه».
انفطر قلبي. لقد رأيته في المحلات وكنت أعلم أنه باهظ الثمن بشكل فظيع. ولطالما سال لعابي لمجرد رؤيته.
سألتُ النادل: «سيدتي تود أن تعرف إن كان لديكم شيء من ذلك الهليون العملاق».
وحاولت بكل ما أوتيت من قوة روحي أن أجعله يتمنى قول “لا”. لكن ابتسامة سعيدة ارتسمت على وجهه العريض الشبيه بوجوه القساوسة، وأكد لي أن لديهم منه ما هو كبير، ورائع، وطري، لدرجة تبهر الأنفاس.
تنهدت ضيفتي قائلة: «لست جائعة على الإطلاق، ولكن إذا كنت مصراً، فلا أمانع في تناول بعض الهليون».
فطلبته.
«ألن تتناول منه شيئاً؟».
«لا، أنا لا آكل الهليون أبداً».
«أعلم أن هناك أناساً لا يحبونه. الحقيقة هي أنك تفسد حاسة التذوق لديك بكل هذا اللحم الذي تأكله».
انتظرنا حتى ينضج الهليون. وتملكني الذعر. لم يعد السؤال الآن كم من المال سيتبقى معي لما تبقى من الشهر، بل ما إذا كان ما معي يكفي لدفع الفاتورة أصلاً. سيكون أمراً مخزياً للغاية أن أجد نفسي ناقصاً عشرة فرنكات وأضطر لاستعارتها من ضيفتي. لم أكن لأتحمل فعل ذلك. كنت أعرف بالضبط كم أملك، وإذا جاءت الفاتورة بأكثر مما لدي، فقد وطّنت نفسي على أن أضع يدي في جيبي، وأهبّ صارخاً بصرخة درامية مدعياً أنني تعرضت للنشل. بالطبع، سيكون الموقف محرجاً إن لم تكن هي الأخرى تملك ما يكفي لدفع الفاتورة. وحينها لن يكون هناك حل سوى ترك ساعتي وقول إنني سأعود للدفع لاحقاً.
ظهر الهليون. كان ضخماً، غضاً، ويفتح الشهية. دغدغت رائحة الزبدة المذابة خياشيمي كما دغدغت قرابين الساميين الأبرار خياشيم يهوه (رب الجنود). وراقبت تلك المرأة المستهترة وهي تزدرده في حلقها بلقمات شهوانية كبيرة، بينما رحت —بأدبي المعهود— أفيض في الحديث عن حالة الدراما والمسرح في منطقة البلقان. وأخيراً انتهت.
قلت: «قهوة؟».
فأجابت: «نعم، مجرد مثلجات (آيس كريم) وقهوة».
لم يعد يهمني أمر أي شيء الآن، فطلبت قهوة لنفسي، ومثلجات وقهوة لها.
وقالت وهي تتناول المثلجات: «تدري، هناك شيء أؤمن به تماماً؛ ينبغي للمرء دائماً أن يقوم عن مائدة الطعام وهو يشعر بأنه قادر على أكل المزيد بقليل».
سألتها بصوت خافت: «هل ما زلتِ جائعة؟».
«أوه، لا، لست جائعة؛ كما ترى، أنا لا أتغدى. أتناول فنجاناً من القهوة في الصباح ثم العشاء، لكني لا آكل أبداً أكثر من صنف واحد في الغداء. كنت أتحدث عنك أنت».
«آه، فهمت!».
ثم حدث أمر فظيع. بينما كنا ننتظر القهوة، أقبل علينا رئيس النادلين —وعلى وجهه الزائف ابتسامة استعطافية متملقة— حاملاً سلة كبيرة مليئة بالدراق (الخوخ) الضخم. كان لها حمرة وجنتي فتاة بريئة؛ ولها النبرة الغنية للطبيعة الإيطالية الساحرة. ولكن، من المؤكد أن الدراق لم يكن في موسمه آنذاك! الله وحده يعلم كم كان ثمنه. وعلمت أنا أيضاً— بعد قليل، لأن ضيفتي، ومتابعةً لحديثها، تناولت واحدة منه بغير انتباه.
«كما ترى، لقد ملأت معدتك بالكثير من اللحم» —تقصد شريحتي الصغيرة البائسة— «ولم تعد قادراً على أكل المزيد. أما أنا فقد تناولت مجرد وجبة خفيفة (تصبيرة)، وسأستمتع ب حبة الدراق هذه».
جاءت الفاتورة، وعندما دفعتها وجدت أنه لم يتبقَ معي سوى ما يكفي لبقشيش غير لائق على الإطلاق. استقرت عيناها للحظة على الفرنكات الثلاثة التي تركتها للنادل، وعلمتُ أنها ظنتني بخيلاً. ولكن عندما خرجت من المطعم، كان أمامي الشهر بأكمله، ولم يكن في جيبي قرش واحد.
قالت وهي تصافحني: «اتبع مثالي، ولا تأكل أكثر من صنف واحد أبداً في الغداء».
فرددت عليها قائلاً: «سأفعل ما هو أفضل من ذلك؛ لن آكل شيئاً على العشاء الليلة».
فصاحت بمرح وهي تقفز إلى عربة الأجرة: «يا لك من رجل فكاهي! أنت فكاهي حقاً!».
لكنني انتقمتُ أخيرًا. لا أعتقد أنني رجلٌ حاقد، ولكن عندما تتدخل الآلهة الخالدة في الأمر، يُعذر المرء حين يرى النتيجة بارتياح. يبلغ وزنها اليوم 135 كيلوغرامًا.





