غرق في وضح النهار/عبد القادر بوطالب

إلى الطفلة غزلان.
كان الماء صافيا بلون السماء، يتلألأ تحت أشعة شمس الظهيرة، والناس كانوا كالنمل تماما، يتحركون في كل الاتجاهات، ويرسمون على رمال الشاطئ الممتد من مصب النهر وعلى امتداد البحر أشكال أقدامهم. وأطفال وشباب يركضون وسط الماء وخارج الماء، ويقفزون في الماء، وضحكاتهم تعلو ولا تتوقف، يتمايلون على إيقاعات الموسيقى القادمة من مكبرات الصوت التي نصبت على امتداد الشاطئ، ضجيجها يعلو كل الأصوات، ويفرض سلطته على الجميع، وكأن في الامر تخطيطا مسبقا، وأمرا كان مقضيا.
وسط هذا الضجيج، غرق شاب، صارعت يداه الموج، فتح عينيه على اتساعهما، وفتح فمه وأغلقه بكل ما أوتي من قوة، كان يبحث عن أحد ما، لكن الضجيج كان أقوى والموج أسرع، والناس كانوا هنا وفي كل مكان، ولم يكونوا. كانوا منشغلين بالفرح والركض والقفز، لم يسمع أحد صرخته، أو ربما سمعوها، وحسبوها جزء من الفرح الذي يعاش في مثل هذه اللحظات، الناس يفرحون لحظات كهذه، هي العطلة كما يشاء منطق العمل بالأجر.
كانت غزلان تقف على بعد أمتار قليلة من نهاية المشهد الأخير من انتشال جثة الشاب الغريق، كانت واقفة وقدماها في الماء البارد، حين اقترب منها رجل في الأربعين من العمر، كان يريد أن يقاسم أحد ما – أي أحد كان- خبر غرق الشاب، وكأنه يريد أن يزيح ثقلا يجثم على صدره، لم يجد أحدا بين هذا الحشد الكبير سوى غزلان، لم تسأله، ولم تنظر حتى إلى ناحيته، هي الأخرى كالجموع، ” لقد وجدوا الجثة…”.
نظرت حولها. كل الأوجه باسمة وضاحكة، وكل الأجساد لاهية ومبتهجة، ورجال الإنقاذ يقتربون من الشاطئ، ويضعون الجثة على الرمل، ويضعونها في كيس أسود. همّت بالصراخ، لكن الصوت توقف في حلقها، وتجمدت في مكانها، كانت تراقب سيارة الإسعاف وهي تقترب من الشاطئ ثم وهي تبتعد حتى اختفت عن أنظارها. لم تعرف اسم الشاب الغريق. ولم تعرف شيئاً عنه. لكنها رأته بعينيها واقفا بين الجموع، رأته وسألته بصمت: “لماذا لم تصرخ بصوت أعلى؟ كنت هنا قريبة منك، أجيد السباحة”.
تمنت لو أنها كبقية الجموع، لم تعلم بشيء، ولم ترَ شيئاً، كانت ستنام مرتاحة هذه الليلة، فكرت أنها لن تنام، وإن نامت فسيكون ذلك موجعا ومفزعا، وحدها عاشت موته، ولم تكن تفكر أن الموت يمكن أن يحدث في وضح النهار ووسط هذا الحشد، غرق الشاب في صمت تام وبلا ضجيج أو بكاء أو عويل وبلا أثر يذكر، غرق مرة واحدة؛ غير أنه كان يغرق في كل ليلة؛ حين تنام غزلان؛ بينما يغرق العالم في نوم عميق، وكانت في كل مرة تسمع سؤالاً يتكرر في أحلامها: “أليس هناك أحد في هذا الحشد رآه يغرق؟”.




