خُلوةٌ مع ابن عربي – ثامر سعيد

ثم يتظاهرُ بالثبات،
وأنا أكتبُ بدموعِ الليل.
كلماتي تتساقطُ فراشاتٍ خضرٍ
على أجنحتِها أسئلةٌ لا تهجع.
أسمعُ الهواءَ من حولي
يتنفسُ مثلَ وحشٍ خرجَ من أساطير الجرمانيين،
يطاردُ ظِلالَهُ عبرَ حقولٍ من الساعاتِ المكسورةِ
الوقتُ يتقافزُ كطفلٍ مشاكسٍ بين أوراقي،
بلعبةٍ لا يمكنُ لها أن تفوز
أو هكذا يُخيَّلُ لي.
قلبي يَلتَفُّ بسكينةٍ ثقيلة
بين عتمةٍ ترتكبُ حيلةَ الضوءِ، وضوءٍ يحاولُ أن لا يذبل.
هذا ما يحدثُ لي دائماً،
وأنا أضعُ قدمي على عتباتِ القصائدِ،
حتى دخلَ عليَّ فجأةً، بهالتهِ المُجَلجِلة
قطبُ العارفينَ الآتي من إمارتِهِ المرابطية،
خفيفاً كعطرٍ هطلَ من شجرةٍ مباركة،
كان متعباً من المسافةِ، ومضمخاً بالحكمة والأسرار
ثم طفقَ ينقرُ بعصاهُ على ارتباكي
وأنا أعدُّ أنفاسي لأطمئنَ بأن قلقي
ما زال في عافيتِهِ الكاملة.
حتى هدأ كلُّ ما حولي، لمستُ على صدري
زهرةً تتفتحُ بلا جذور
تنزفُ ألواناً لا يراها سوى المهاجرينَ
إلى جمرِ الوقتِ،
بجلاليبَ من الكلماتِ القَلِقة.
همسَ لي: تعالَ اجلس هنا يا أخي في التجلّي،
اطفئ صوتَكَ وافتح عينيكَ من الداخل
فدخلتُ حافياً معه إلى النور
وجلستُ…
قدمايَ تغرقانِ في بلاطٍ لا يلتئم
ظلّي يمزّقُ جسدي كما تمزّقُ النجومُ ليلَ الغرق.
حاولتُ الخروجَ برهةً لأُرتبَ اضطرابي،
لكن ليس من بابٍ مواربٍ.
سألته: من أينَ دخلتَ أيّها المُلَغَزُ بالعقيدةِ،
وأينَ البابَ، هل هو وهمٌ أم حقيقة ملتبسة؟
لقد اختلطت في رأسي الاشياء.
قال: البابُ عتمةٌ، لا يُفتحُ سوى على وجهِكَ الذي لا تعرفهُ
وعن الحقيقةِ؟
قال: هي قنبلةٌ مطفأة في حقلٍ من الكلماتِ المُلغمة،
وعن الحبِّ في هذا العَماءِ الكثيف؟
قال: الحبُّ، أن تضعَ نظرتَكَ في النارِ، ولا تطلبُ منها ضوءاً،
أن لا تفتش في المعنى، المعنى كائنٌ ضوئي، إذا نظرتَ مباشرةً إليه، مات في عينكَ.
وعن الشعرِ، هل هو مقصلةٌ أم طريق؟
قال: الشعرُ عثرةٌ يتقنُها السائرون بلا دليل، جرحٌ لا يدلُّكَ على الألمِ، وحديقةٌ لا توزعُكَ على الغبطةِ، يُربكُكَ فحسب، ثم يفتحُ باباً وينسحب.
قلتُ له: نعم، يا بحرَ المعارفِ، لقد أربكني كثيراً، وسقطتُ مراتٍ ومرات، فمن يلتقطني؟
قال: وليكن… دع نفسَكَ للسقوط مثلما تدعها للأعالي، الأرضُ تعرفُ أسماءَنا أكثر.
قلتُ: أريدُ معنىً لا يخذلني،
قال: الذي تُريدهُ حَذِرٌ ومراوغٌ، فإن ربطته تحوّلَ إلى فكرةٍ ميتة، وإن أطلقته في قلبكَ، أخذكَ إلى النجوم.
ثم سألته: وأينَ أضعُ هذا الفائضَ في صدري؟
قال: سَمِّهِ شعراً كي لا يحترق.
قلتُ: ولِمَ كلّ هذه المفارقات التي تحاصرني؟
قال: لأن الحقيقة تمشي على ساقين غير متشابهتين.
قلتُ: أشعرُ بأنني أتلاشى في أحيانٍ بين السطور،
قال: كي لا تتلاشى، خفف وزنَكَ لتعبر.
قلتُ: يا شيخي، لقد أتعبني السؤال،
قال: السؤالُ طفولةُ الحكمةِ الذي لا يكبر،
قلتُ: هل سأصل؟
قال: من يسأل عن الوصول لم يبرح مكانه قط.
قلتُ: ومتى أعرفُ أن القصيدة اكتملت؟
قال: حين لا تكون قادراً على الدفاعِ عنها.
بقيتُ أفاوضُ نفسي على أن تتركني نصاً مفتوحاً يمشي على الماءِ ولا يغرق كي أتمكن من اللحاقِ به. لقد حدّثني هذا القادمُ من ممالكِ الطوائف، عن تجلّياته وفتوحاتهِ حتى انغمرتُ به عميقاً، وقرأتُ له قصائدَ نثرٍ كثيرةٍ فقدت سَكينتها، حتى همس لي أيضاً: قولي لا يشبه قولَكَ يا ولدي،
أنا أكتبُ (لمن ذاقَ، لا لمن سألَ)
وأنت تمشي على سجادةٍ من الأسئلة،
تحملُ قنديلاً
كلّما انطفأَ، اشعلته بدمعةِ قلبك،
أنت تكتبُ لأنك تحترق،
وأنا أكتبُ،
كي أبردَ دون أن أنطفئ.
علمني أن لا أثقَ بالظاهرِ
ولا أُطيلَ الجلوسَ عند ضفَّةِ العرفان.
قلتُ له: دُلَّني على معرفةٍ كي أطمئن،
قال: الإطمئنانُ حجابٌ ناعمٌ، والمعرفةُ أن تبقى قَلِقاً وأنت ترى.
ثم مدَّ لي كأساً لا يتنفسُ إلا الفراغَ وقالَ: املأهُ بجراحِكَ التي لم تُعلن عنها،
ثم استدارَ، وكان ظهرهُ كتاباً مفتوحاً، تحلّقُ منه الحروفُ،
واختفى.





