صوتٌ من داخِلِ الصندوق – ندى سلطان

لي أربعةُ إخوة وأخوات
أكبرُنا سِنّاً ملامِحُها جَنوبية
سمراءُ رقيقة
حينَ تلتقيها لأوَّلِ مرة
تشعُرُ أنّ حقولَ الشاي تتحدّثُ إليك
صوتُها حاد..
ونكهةُ حروفِها حاذقة
تماماً كالشاي الأسود
طيبةٌ جداً كنخيلِ البصرة
لذيذةٌ كخُبزِ تنورِ الطين..
تغضبُ بسرعة
وتنسى غضبها بسُرعةٍ أكبر
لكنّها تُحِبُّني……..
يليها أخي الذي يكبُرُني غضباً بعامين.. ويمتازُ ببُعدِ النظر
كُلّما اختلفنا.. بادَرتُ إليهِ بالصُلح
لأنّني لا أعرِفُ بوصلةً غيرَه
هو مُبدعٌ بطريقةٍ غريبةٍ في قلقِهِ علينا
وولعِهِ بالأوامر.. والتوجيهات
لكنّهُ يُحِبُّني……
أمّا عن تسلسُلي
فأنا الوُسطى التي حلّت كقُنبُلةٍ نووية على تاريخ العائلة
وحرّفَت مسارَ الضحِك..
ومنحَتهُم تذاكر مجانيةً نحوَ البُكاء
وقرَّرت أن تكونَ زائرة الشتاءِ الوحيدة
ما يُفسِّرُ على الأقل كُرهي الشديدَ للصيف
ليسَ هذا فحسب
فقد انزلقتُ نحو هذا العالم بحفنةِ أمراضٍ
أظُنُّ أنني تغلَّبتُ عليها بالعِناد
وكُنتُ أكثرَ أطفالِ العائلة حظاً بالأدوية
والحِرمانِ من اللعِب..
لم أرِث من أُمّي سوى لونَ الشعر
وشكلَ الحواجِب
لكنّني استنزفتُ أبي
مِن مطلعِ إسمهِ
حتى آخرِ أفكارِه
لبِستُ صبرَهُ، حِكمته، واستعرتُ شيئاً من صوتِه وغضبِه
أنا المُدلّلةُ التي لا تكبَر
وابنة العائلة التي لا تعرِفُ لأحلامِها حداً
أو لجروحِها نهاية
أكثرَ من يضحَك..
وآخر من يتوقفُ عن الدموع
أخي الذي يصغُرُني بعامين
والذي يرفُضُ أن تتدّخل العائلة في شؤونه
يهتمُّ بشؤوننا كما لو كُنا أولادَه
يرتعِدُ خوفاً من مرضِ أحدِنا
يَبكينا بأربعةِ طُرُق
بحسبِ درجةِ قُربِهِ منّا
ولكنَّهُ يُحِبُّني….
آخرُ العنقود..
نهايةُ الحِكاية
الذكيةُ جداً في الرياضيات
اللمّاحةُ حدّ اللاّ حد
لا تُجيدُ الطبخ، ولا اللعِب..
آخر مرةٍ طبخت فيها لنا طعاماً
كانَ منذُ عام..
استخدمت السُكرّ بدلاً من الملح
ما دفعنا لإنهاءِ عقدِها في المطبخ
ودفعِها نحوَ فرصةِ عملٍ ضمنَ اختصاصها
ما أُحِبُّهُ فيها هو أنها تضحكُ بطريقةٍ كارتونية
لتُدخِلَنا تِباعاً في نوبةَ ضحكٍ هستيرية
دونَ سبب..
وأنّها… تُحِبُّني…
………………………..
لي أربعةُ إخوة
وأُمّاً قاسية تُحِبُّنا حُباً مُرعِباً
فتضعُنا داخِل صندوق
كي لا تكتشِفَ مخالِبُ الحياة
آثارَ أقدامِنا
وتأخُذَنا بعيداً عن نداءاتِها





