أنيسة عبود – فصل من سيرة الحزن

أنا التي
هجرتني القرى
ولم تقبلني في صحائفها
طاردتني المدن
حتى أطراف غوايتها
وهناك
على المفارق
ضيعت وجهي
فتساقط الحزن كبرد الشتاء
وأنا التي
أحببت زمنا
من بقايا الزمان
وأحببت بيتا
لا أحبة لي فيه
ولا علاٌقةعلى جدرانه
اعلق ثياب قهري
وبعض المحال
وليس لي
كرسي في زواياه
ترتاح خيباتي عليها
وليس لي على نوافذه
حبق السؤال
…
وأنا
أحببت شجرا
حفرت على جذعه قلبي
وغيما”
ومطرا”
يهطل من سحاب المحال
وصنعت سياجا من عقيق الدهشة
أحتمي به من القحط
وأهديه للذي أهوى
فهل ينوب عن الذي لا يقال؟
…
أنا التي
اتكأ وجعي ذات شتاء
على صدر رجل من بهاء التلال
مسٌد حزني
وزرع فيه منتور الصباح
ثم اوصلني
من باب التوجس
الى قاع الخيال
لوحت له بقلبي
فمدٌ لي بحار المنال
صرت التي أركض في براريه
وأسرق له المواعيد
من سترة الوقت
إذ يعلقها على باب الفراق
وصار الذي يجوب قلبي
يجده في الزوايا
ويرى نبضي معلقا”
على همس يديه
….
وأنا التي
كان لي اصدقاء كثر
وأحلام نتسلى بها مع القهوة
وشواطئ نفرش عليها أسرارنا
وندُعي بأننا نفلش الرياح
وكان لي مبغضون يقتلون
يمام روحي
ويطلقون على ضحكتي الرصاص
….
وأنا
التي تقمصت امرأة اخرى
تسرج الجهات
وتبيع العطر مقابل النعاس
وإذ تسير في القرى
تقف لأجلها البحار
تركض خابيات العسل
وتشير بوردة
فيركع الجدار
تظهر مرة
ومرة تغيب
كأنها الفصول
كأنها التي لم تكن او التي تكون
من هدأة الورد
وعشب السحاب
…
آه
هزمتني السماء
ولم تمدد لي دربا لأنزل بسلام
هزمتني دقات قلبي
فانطفأت في يدي
مشاعل الهيام
…
أنا التي
كان لي أمْ
تمشطني بمشط الليل
كي يسود شعري أكثر
وتغسل وجهي بماء الفجر
كي يصير عمري بلون الأقاح
وتصرٌ لي الحكايات صررا” صغيرة
تضعها في جيوبي
كلما
وددت
الذهاب
وإذ تودعني
تحمٌلني أحزانها
كي لا تغرّني الخضرة
او يبهرني صهيل الهضاب
او يثني قلبي
حديث النهر
إذ ينساب على جسد الرغاب
ثم تتبعني بفؤادها
إذا قلت آخ
قالت تبا” للعذاب
وإذ أنحني
تنكسر هي
ويصرخ الضباب
وظلت تذوب
تذوب
حتى جفٌ من عينبها
ماء الصباح
فصارت الفصول
تدوس عكازها
وتقرع باب الأسى
ويفتح لها الغياب
…
وكان لي أب
صار شجرة غار على تخوم عمري
وصار حمام روحي
يغطُ على أغصانه
كلما
تنهد الوقت
وبعثرتني
الصعاب





