النثر الفني

العودة إلى ما كنت – د.رافد حميد فرج القاضي

رسم توضيحي لرجل ذو لحية رمادية، يرتدي بدلة أنيقة ورابطة عنق، مع خلفية معمارية قديمة.

خُذِينِي

بعيدًا عن المكان

إلى اللحظة 

التي لم تكن 

تعرف اسمها بعد

حين كان الزَّمَن

يجلس معنا 

على الأرض

ويتعلَّم العدَّ

بأصابعنا المرتبكة

وحين كانت 

كلُّ دقيقةٍ تمرُّ

مثل قطرة ماءٍ 

تتسرب من ينبوع

لكننا لم نكن 

نشعر بمرورها

لأننا كنا نختبئ 

بين الضحكات

بين الكتب

بين جدران الصف 

التي كانت تستمع لنا 

أكثر من أيِّ شخص…

                                                    خُذِينِي 

حين لم يكن 

للمطر وظيفةٍ

سوى أن يربك ضحكاتنا

حين كانت السماء

دفترًا مفتوحًا

نخطُّ عليه أمنياتنا

بأصواتٍ خافتةٍ

كي لا يسمعها الكبار

وحين كانت الرِّيح تأتي

لتعبث بأوراقنا

كأنها تعيد ترتيبَ قصصنا

وتجعلها أقرب 

إلى سرّنا الداخلي

إلى أشياء لم نجرؤ 

على قولها…

خُذِينِي تلميذًا

لا يعرف من العالم

إلا النافذة والطريق

وصوت الطباشير

حين ينهار على السبورة

كعمرٍ قصيرٍ لا يُستعاد

وحين كانت الأحلام

تتسلّل بين الأصابع

نحاول الإمساك بها

مثل رمل البحر

لكنها تفلت دائمًا

فتعلّمنا كيف نترك شيئًا

بدون أن نموت 

من فرط الاشتياق…

في الصف

كانت المقاعد

تحفظ أسرارنا

أكثر مما تفعل صدورنا

وكان الخشب

يشيخ قبلنا

من كثرة ما حمل

من أسماءٍ محفورة

ومن قلوبٍ

لم تجد مكانًا آخر

لتختبئ فيه

وكان الصمت 

أحيانًا أكثر صخبًا

من ضحكاتنا

لأن الصمت يعرف 

أن يسمع كل شيء

لكن لا يفضحه لأحد…

خُذِينِي

حين كان التاريخ

وعدًا مؤجّلًا

لا درسًا قاسيًا

وحين كانت الحروب

كلماتٍ بعيدة

لا تصل إلى دفاترنا

ولا تلوّن أحلامنا

بلون الغياب

وحين كانت القصص 

التي يرويها الكبار

عن الأبطال والفقد

تشبه الظلال 

التي لا تعرف اسمها

على حيطان الصف…

كنتُ أرى المستقبل

كرغيفٍ ساخن

نقسمه بعد الدرس

ونضحك

كأن الجوع

لن يكبر معنا

وكأن الخسارات

تتعب من ملاحقتنا

فتتراجع

وكأن كل ما يأتي 

بعد هذا الصباح

لن يكون إلا حلوًا

رغم أن أحدًا 

لم يعرف طعم 

الحلو بعد…

الأعياد كانت تمرّ

بلا شموع

لكن بعيونٍ متلألئة

وكان الفرح

يحتاج سببًا صغيرًا

بحجم جرس 

المدرسة لا أكثر

وكانت الابتسامات تُوزَّع

كأوراق الخريف 

على الأرض

وكل ورقة تحمل 

أملًا جديدًا

وأحيانًا كانت 

السماء تمطر

فنقف مبتلين

ونضحك مع المطر

كأننا نكتب 

حياةً جديدة

على رذاذه…

خُذِينِي

إلى القصيدة الأولى

التي كتبتها وعشتها

حين كانت اللغة

تأتي وحدها

دون استعارة

وحين كانت 

الأرواح تتفاهم

دون أبجدية

ودون إذنٍ من القواعد

وحين كانت الكلمات

تصنع جسرًا بين القلوب

دون أن يسأل 

أحدنا عن السبب…

هناك

حيث لم يكن للقانون

سلطة على الحنين

ولا للعقاب

شكلٌ واضح

كان الخطأ

مجرد تجربة

وكان الانكسار

جزءًا من التعلّم

لا وصمةً أبدية

وكانت العودة

حكاية تتعلّمها 

الأرواح قبل العقول

وكان الحلم

حقًا مسموحًا به

لا يُمنع ولا يُرغم…

خُذِينِي

قبل أن أفهم

أن العودة

قرار شجاع

وأن الحنين موقف 

وأن الهروب

ليس دائمًا جبنًا

بل أحيانًا

حكمةً متأخرةً

نصل إليها

بعد أن نتعب

وحين تكون النجاة

أن نترك 

كل ما ثقل علينا

ونقف صامتين

نراقب أنفسنا 

كما يراقب النهر 

صخور الشاطئ…

تعلّمتُ

أن الاختباء 

عند الغروب

لا يعني الخوف

بل احترام 

هشاشة الضوء

حين يتعب

ولا يريد أن يُرى

وحين تكون الشمس 

قد أنهكت نفسها

في رحلة السماء الطويلة

وتترك للغروب

فرصة ليكتب 

سطور الليل

على أجسادنا

حينها نعرف 

معنى الانتظار

وكيف يكون 

الصمت حلوًا…

الآن

لا أملك أعذارًا

ولا أحتاج تبريرات

فكل ما ضاع

كان يعرف الطريق

وكل ما بقي

يعرف لماذا بقي

وكل لحظةٍ عشتها

كانت تُعدّ استعدادًا

للحظة الحقيقة

التي سأقف فيها

وأستقبل نفسي

كما تُستقبل زهرة 

صغيرة بعد المطر…

خُذِينِي فقط

حيث تركتُ 

قلبي معلّقًا

على حافة السؤال

لا يسقط ولا ينجو

ينتظر أن أناديه 

باسمه القديم

الذي لم تفسده الأيام

وحين أجد نفسي

أستعيد كل ما كنت أجهله

أعرف أن العودة

ليست مجرد مكان

بل كل لحظة صغيرة

علّمتني كيف أحب الحياة…

خُذِينِي تلميذًا

لا يطلب من الحياة

إلا أن تكون صادقة

ولا يعرف من النجاة

إلا أن يظل قادرًا

على الحلم

وحين تأتي 

اللحظة الأخيرة

لن يندم على أي ضحكة

ولا على أي دمعة

لأنه عرف كيف يعيش

قبل أن يموت

وكيف يحب

قبل أن يترك المكان

وينسحب من الزمن…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading