مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

التَّجْرِبَةُ – عصمت شاهين الدوسكي

صورة تمثل شاعرًا معروفًا يُمكن رؤيته وهو يكتب على ورقة، مع خلفية بحر وغروب الشمس ورموز أدبية تتطاير في الهواء.


“تَجْرِبَةُ الشَّاعِرِ هِيَ نُقْطَةُ النُّورِ الأُولَى الَّتِي يَبْدَأُ مِنْهَا الشَّاعِرُ فِي كِتَابَةِ القَصِيدَةِ.”
“كُلُّ قَصِيدَةٍ هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ رُوحِهِ، جَسَدِهِ، فِكْرِهِ.”

تَجْرِبَةُ الشَّاعِرِ هِيَ نُقْطَةُ النُّورِ الأُولَى الَّتِي يَبْدَأُ مِنْهَا الشَّاعِرُ فِي كِتَابَةِ القَصِيدَةِ، وَمَهْمَا كَانَتِ التَّجْرِبَةُ مُؤْلِمَةً أَوْ مُفْرِحَةً؛ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِقَدْرِ تَأْثِيرٍ وَامْتِزَاجِ التَّجْرِبَةِ، كُلَّمَا كَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا وَاضِحًا؛ كَانَتْ طَرِيقُهَا إِلَى الأَفْئِدَةِ سَهْلًا، وَإِلَى الرُّوحِ أَكْثَرَ يُسْرًا… فَلِمَ نَضَعُ الحَوَاجِزَ فِي دُرُوبِ الأَفْئِدَةِ…؟ وَنَضَعُ السَّتَائِرَ المُدْهِمَةَ أَمَامَ الأَرْوَاحِ…؟
أَلَا تَشْعُرُ بِالفَرَحِ وَالزَّهْوِ عِنْدَمَا يَكُونُ مَثْوَى الشِّعْرِ عَلَى عَرْشِ الأَرْوَاحِ وَأَفْئِدَةِ النَّاسِ، بِيُسْرٍ وَصِدْقِ التَّعْبِيرِ عَنِ التَّجْرِبَةِ وَوَاقِعِيَّةِ الصُّوَرِ الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ جُزْءًا مِنْ وَاقِعِ المُجْتَمَعِ…؟
الشَّاعِرُ الَّذِي يَدْنُو إِلَى عَوَالِمِ الإِنْسَانِ: الصِّدْقِ، الحَقِيقَةِ، النُّورِ… حَتَّى لَوْ أَعْطَى صُورَةً وَاضِحَةً لِحَيَاتِهِ لِتَجْرِبَتِهِ؛ فَهِيَ صُورَةٌ تَزِيدُنَا إِدْرَاكًا، إِحْسَاسًا، وُضُوحًا، لِمَا تَحْدُثُ مِنْ خُطُوبٍ حَوْلَنَا، لَيْسَ هُنَاكَ قَصِيدَةٌ نَائِيَةٌ عَنْ حَيَاةِ الشَّاعِرِ؛ فَكُلُّ قَصِيدَةٍ هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ رُوحِهِ، جَسَدِهِ، فِكْرِهِ، تَنَهُّدَاتِهِ، نَبَضَاتِهِ، انْفِعَالَاتِهِ، كُلُّ مُفْرَدَةٍ هِيَ آهَهْ، يَقَظَةٌ، وَهْجَةٌ مِنْ يَمِّ أَعْمَاقِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ القَصِيدَةُ رِثَاءً، وَطَنِيَّةً، مَدْحًا، وَصْفًا… وَأَيَّ بَابٍ آخَرَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الشَّاعِرُ؛ لَابُدَّ مِنْ نَافِذَةٍ مَا: تَتَجَلَّى فِيهَا حَيَاةُ الشَّاعِرِ، وَتَجْرِبَتُهُ، وَلَوْ قَرَأْنَا قَصَائِدَ البُحْتُرِيِّ، المُتَنَبِّي، مُحَمَّدْ مَهْدِي الجَوَاهِرِيِّ، أَحْمَدْ شَوْقِي، إِبْرَاهِيمْ نَاجِي، بَدْرْ شَاكِر السَّيَّاب، أَحْمَدْ خَانِي، وَعَبْدِ اللهِ كُورَان وَغَيْرِهِمْ.. لَوَجَدْنَا الكَثِيرَ مِنَ الصُّوَرِ الإِنْسَانِيَّةِ، الحَيَاتِيَّةِ الَّتِي مَرُّوا بِهَا، مُعْلِنِينَ لِلْوَرَى أَسْرَارَهُمْ الدَّفِينَةَ، غَيْرَ المُعْلَنَةِ فِي حَيَاتِهِمُ العَامَّةِ، حَتَّى نِقَاطُ ضَعْفِهِمْ لَا يَنْأَوْنَ عَنْهُمَا، بَلْ يَكْشِفُونَهَا بِوَعْيٍ مِنْهُمْ أَوْ دُونَ وَعْيٍ، بِصُوَرٍ شِعْرِيَّةٍ مُرْهَفَةٍ، وَبِإِحْسَاسٍ صَادِقٍ يَدْخُلُ إِلَى الرُّوحِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، إِنَّ إِحْسَاسَ الشَّاعِرِ وَوَعْيَهُ يَخْتَلِفَانِ عَنْ بَاقِي النَّاسِ، فَنَظَرَتُهُ مَثَلًا إِلَى المَرْأَةِ، الشَّجَرَةِ، البَحْرِ، الجَبَلِ، الطَّيْرِ… تَخْتَلِفُ عَنْ نَظْرَةِ التَّاجِرِ وَالمِيكَانِيكِيِّ بِأَبْسَطِ صُورَةٍ، الآخَرُونَ صُورَةُ المَادَّةِ… وَصُورَةُ المَادَّةِ لَا تَسْتَوْعِبُ إِلَّا المَادَّةَ، رُبَّمَا تَكُونُ نَظْرَةً شُمُولِيَّةً إِلَّا مَا نَدَرَ.

إِنَّ الشَّاعِرَ يُعْطِي صُورَةً حَضَارِيَّةً لِلشُّعُوبِ، تَبْقَى لِأَجْيَالٍ وَتُؤَثِّرُ فِي مَسِيرَتِهَا القَصِيدَةُ، وَلَيْسَ نِهَايَةَ اعْتِرَافَاتِ الشَّاعِرِ؛ مَادَامَتْ تَجَارِبُهُ مَا زَالَتْ قَائِمَةً عَلَى المَدَى القَرِيبِ أَوِ البَعِيدِ.
((سَأَلْبِسُكَ يَوْمًا بَدَلَتِي الجَدِيدَةَ
يَا هَذَا الكَلْبُ القَذِرُ
وَأَتَرَقَّبُكَ عَنْ قُرْبٍ
أُرَاهِنُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي))
لَوْ تَأَمَّلْنَا الشَّطْرَ الثَّانِي سَيُوَلِّدُ سُؤَالًا، يَبْحَثُ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ، مَنْ هُوَ الكَلْبُ الَّذِي يَصِفُهُ بِالقَذِرِ؟ لِمَ لَمْ يُلْبِسْهُ بَدَلَتَهُ الجَدِيدَةَ؟ لِمَ لَمْ يَتَرَقَّبْهُ عَنْ قُرْبٍ؟ لِمَ لَمْ يُرَاهِنْ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ؟ حِدَّةُ الأَسْئِلَةِ مِنْ حِدَّةِ المَقْطَعِ الشِّعْرِيِّ، وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَا، رُبَّمَا يَظْهَرُ فِي مُخَيِّلَتِنَا حَسَبَ تَأْوِيلِنَا، وَالمُشَارُ إِلَيْهِ رُبَّمَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الشَّاعِرِ، أَوْ فِي دَاخِلِهِ، الِاحْتِمَالَانِ لَهُمَا نَفْسُ القُوَّةِ، وَعِنْدَمَا نَصِلُ إِلَى صُورَةٍ مَا؛ نَقْتَنِعُ بِهِمَا، نَقْتَرِبُ مِنْ ضَوْءٍ يُسَلَّطُ عَلَى إِحْسَاسِهِ وَتَجْرِبَتِهِ، إِذَا الصُّورَةُ الشِّعْرِيَّةُ لَيْسَتْ قَاتِمَةً، مَادَامَتْ مُخَيِّلَتُنَا نَشِطَةً غَيْرَ عَاجِزَةٍ عَنِ التَّأْوِيلِ.
بِإِمْكَانِ الشَّاعِرِ أَنْ يُوَضِّحَ الصُّورَةَ الشِّعْرِيَّةَ، وَيُقَرِّبَهَا لِذِهْنِ القَارِئِ بِإِحْسَاسِهِ، بِفِكْرِهِ، بِمُفْرَدَاتٍ يَنْتَقِيهَا… تَكُونُ اليَدَ الَّتِي تُمْسِكُ بِيَدِ القَارِئِ، وَتَأْخُذُهُ إِلَى بَرِّ التَّجْرِبَةِ، الحَقِيقَةِ، النُّورِ، تَمُدُّ بِإِحْسَاسٍ نَبِيلٍ، وَالرُّومَانْسِيَّةُ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهَا الشَّاعِرُ- هِيَ جُزْءٌ مِنْ رُومَانْسِيَّةِ القَارِئِ.
((لَيْسَ غَيْمًا مَا يُكَدِّرُ السَّمَاءَ
هُوَ حُزْنٌ تَجَاوَزَ قَلْبِي
لَيْسَ مَطَرٌ مَا يُنْدِي
الأَعْشَابَ وَيَغْسِلُ
الطُّرُقَاتِ
هِيَ دُمُوعٌ تَمَرَّدَتْ عَلَى عَيْنِي))

لَا تَتَجَلَّى أَسْئِلَةٌ فِي المُخَيِّلَةِ كُلَّمَا كَانَتِ الصُّورَةُ الشِّعْرِيَّةُ وَاضِحَةً، نَدَرَتِ الأَسْئِلَةُ، لَا تُوَلِّدُ عَلَامَاتِ اسْتِفْهَامٍ مُزْعِجَةً؛ بَلْ يَكُونُ الِاقْتِرَابُ مِنْ ذَاتِ الشَّاعِرِ وَانْفِعَالَاتِهِ وَإِحْسَاسِهِ أَكْبَرَ خَاصَّةً عِنْدَمَا تَكُونُ سِلْسِلَةُ اعْتِرَافَاتٍ مُتَوَاصِلَةٍ، دُونَ قَيْدٍ أَوْ دُجْنَةٍ فِي مَقْطَعٍ يُعْطِي صُورَةً عَنْ قَلَقِهِ وَشِدَّةِ تَوَتُّرِهِ، فِي الآخِرِ يَمٌّ، يَمُدُّ حِبْرَهُ فِي يَمِّ الرُّومَانْسِيَّةِ، وَعَوَاطِفِهِ، وَفِي الآخِرِ يَفُضُّ أَكْدَاسَ الحُزْنِ وَيُبْعِدُهَا عَنِ الغُبَارِ، بَلْ يَتَجَرَّأُ وَيُنَبِّهُ وَيَهَبُ دَرْبًا سَلَكَهُ، وَاحْتَرَقَ بِهِ، وَلَا نَسْتَغْرِبُ إِنْ كَانَ هَذَا الِاحْتِرَاقُ سَبَبُهُ «النِّسَاءُ»، وَالَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِدَيْمُومَةِ القَلْبِ… لِدَيْمُومَةِ الحَيَاةِ….
((مِنْ أَجْلِ أَنْ يَنْبِضَ القَلْبُ
عَلَيْكَ أَنْ تَقِفَ فِي دُرُوبِ النِّسَاءِ
وَتَحْتَرِقَ بِهُدُوءٍ))
مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَرِقَ بِهُدُوءٍ، وَمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَحْتَرِقَ بِهُدُوءٍ، وَمَنْ لَمْ يَحْتَرِقْ أَبَدًا… ؟؟؟
هُنَاكَ الكَثِيرُ عَلَى الأَرْصِفَةِ… لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَرِقُوا أَبَدًا، إِنَّ القَصِيدَةَ: هِيَ النَّافِذَةُ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى تَجْرِبَةِ الشَّاعِرِ الحَيَاتِيَّةِ وَالذِّهْنِيَّةِ… وَالحِسِّيَّةِ…
هَذَا بَعْضُ مِمَّا تَجَلَّى فِي صُورَةِ الشَّاعِرِ «مُحَمَّد دَرْوِيش عَلِي» فِي قَصِيدَتِهِ «تَنْوِيعَاتٌ جَدِيدَةٌ»، لِتَأْوِيلِ القَارِئِ أَتْرُكُ هَذِهِ التَّنْوِيعَاتِ الجَدِيدَةَ.
6/8/1993
بَلْ يَتَجَرَّأُ وَيُنَبِّهُ وَيَهَبُ دَرْبًا سَلَكَهُ، وَاحْتَرَقَ بِهِ، وَلَا نَسْتَغْرِبُ إِنْ كَانَ هَذَا الِاحْتِرَاقُ سَبَبُهُ «النِّسَاءُ»، وَالَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِدَيْمُومَةِ القَلْبِ… لِدَيْمُومَةِ الحَيَاةِ….
((مِنْ أَجْلِ أَنْ يَنْبِضَ القَلْبُ
عَلَيْكَ أَنْ تَقِفَ فِي دُرُوبِ النِّسَاءِ
وَتَحْتَرِقَ بِهُدُوءٍ))
مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَرِقَ بِهُدُوءٍ، وَمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَحْتَرِقَ بِهُدُوءٍ، وَمَنْ لَمْ يَحْتَرِقْ أَبَدًا… ؟؟؟
هُنَاكَ الكَثِيرُ عَلَى الأَرْصِفَةِ… لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَرِقُوا أَبَدًا، إِنَّ القَصِيدَةَ: هِيَ النَّافِذَةُ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى تَجْرِبَةِ الشَّاعِرِ الحَيَاتِيَّةِ وَالذِّهْنِيَّةِ… وَالحِسِّيَّةِ…
هَذَا بَعْضُ مِمَّا تَجَلَّى فِي صُورَةِ الشَّاعِرِ «مُحَمَّد دَرْوِيش عَلِي» فِي قَصِيدَتِهِ «تَنْوِيعَاتٌ جَدِيدَةٌ»، لِتَأْوِيلِ القَارِئِ أَتْرُكُ هَذِهِ التَّنْوِيعَاتِ الجَدِيدَةَ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading