واحة السّكينة /جميلة مزرعاني- لبنان

مُذْ فَرَغَ القلبُ من قصصِ الحبِّ الخاوية،تلك التي خَبَتْ على خطِّ خيباتٍ مستدامة،وهو ينعمُ بسُباتٍ عميقٍ،متقاعدًا عن الهوى،يفترشُ الرّاحةَ جنّةَ تعافيهِ،يستريحُ من المواعيدِ الكاذبةوالمزاعمِ الباطلة، فلا عُسْر لقاء،ولا استحالةِ بوحٍ يكاد يبدو كالمعجزاتِ. هوذا ينأى بوحدانيّته مستسلمًا لبرِّ السّكينة يُديرُ للدّنيا الأُذُنَ الطّرشاء.منذُ ذاكُ الحين وتتهاوى أسرابُ أطيارٍ هائمة فوق مهدِ استجمامهِ،تتغلغلُ خافضةً أجنحتها تناغيهِ التّغريدَ بهمسِها البليلِ وبوحِها الفصيحِ وهو غارقٌ كمن ينامُ على ريشِ نعامٍ.حتّى الحساسين دأبتْ تُنْقِذُ آخرَ جمرةٍ قاربتْ على الإنطفاء تتلاشى في حقلِ رمادٍ كثيفٍ،لكن دون جدوى،وحالتْ تراتيلُ الشّمسِ تنفخُ تناسيمَ الغرامِ، توقِدُ شمعةَ وتينَهُ أملًا أن يستعيدَ ريعانَ هواهُ، فلم تُفلحْ.القلبُ يا عشّاق تاِئبٌ عن الحبِّ من لحظةِ آخرِ خذلان ترجمَهُ زعيقُ القطارِ ينذِرُ بالوداعِ.كانَ إثرها قدِ امتصَّ صواعقَ التّجربة بعزمٍ لا يلين.وهاهو اليوم هانئٌ في بحبوحةِ سلامهِ،لا يعكّرُ نبضهُ تسرّعٌ مخيفٌ،ولا يُحبِطُ صِدْقَهُ خيبةٌ مريرة،مهما تذلّلتْ أطيارُ الزّمنِ الغادرِ. قد تعلّمَ كيفَ يُسْقِطُ عن كاهلهِ ما كِلْفتُهُ باهظة،فَلِلْهَوى في مفهومِ ذكائهِ الفطريِّ قُدسيّة ثابتة لا يفقهُ كُنْهها إلّا الرّاسخون في الحبِّ أولئكَ يدركون أسمى درجاتِ العشقِ النّقيّ ويقينهُ(الوفاء الأبديّ) الذي يُحْيِي القلبَ ولا يقتلهُ.





