كوميديا سوداء: حرب القدور- بلعربي خالد

Guerre des casseroles
في المدينة التي يبدو فيها الزمن متوقفًا، تعيش ريشة وزوجها المخفي عبد القوي، حكاية زواج غريبة من نوعها. ريشة، السيدة ذات الوزن الثقيل والقامة العالية التي تهتز الأرض تحت خطواتها كما لو كانت زلزالًا صغيرًا، تملك شخصية تشبه البركان فهي غاضبة، صاخبة، ومهووسة بالسيطرة والهيمنة. أما عبد القوي، فهو نقيضها تمامًا: طويل ونحيف لدرجة أنه يكاد يصبح شبحًا أو ظلًا هاربًا من الأنظار، يتسلل بين الجدران وكأنه لا يريد أن يُرى.
يجمعهما شيء واحد فقط: الاستمرار في الحياة معًا رغم كل الخلافات، في صراع يومي تحوّل إلى حرب باردة ساخرة تحت عنوان “حرب القدور”. كل صباح تبدأ معركة جديدة: من سيغسل الصحون؟ من يأخذ الكلبة المدللة “فينات” للنزهة؟ من يذهب بالأولاد إلى المدرسة؟ ومن يدفع الفواتير المتراكمة التي تزداد كأنها وحش جائع لا يشبع؟
مشهد يتكرر يوميًا كما في مسرحية كوميدية بل تراجيدية، حيث تتقاذف ريشة وزوجها المسؤوليات مثل كرة نار مشتعلة. ريشة تستخدم صوتها كمدفع مدوٍ، بينما يحاول عبد القوي أن يختفي خلف الستائر أو يتظاهر بالمرض ليهرب من المواجهة. أحيانًا يختبئ في خزانة المطبخ، فيكتشفه الأبناء وهو يتظاهر بأنه “يمزح”، فينفجرون ضحكًا بينما تصرخ ريشة: “حتى معالق والصحون صارت تتآمر عليّ!”
لكن الغموض يظل حاضرًا: لماذا لا ينفصلان؟ لا أحد يعرف، لا هم ولا الجيران ولا الأصدقاء. ربما هي جهالة ريشة في فهم الحياة، أو ضعف عبد القوي في اتخاذ القرار، أو ربما لأن كلاً منهما يخشى الوحدة بقدر ما يخاف من الآخر.
لكن مع كل صراخ وضجيج، تبدأ القطط بالتجمع أمام البيت، وكأنها جمهور متعطش لمتابعة عرض مسرحي لا ينتهي. تجلس على الأسوار، ترفع آذانها، وتصدر أصواتًا متناغمة مع نباح “فينات” وصوت ريشة المدوي، لتتشكل سيمفونية عبثية تشبه كورال بيتهوفن التاسع، قصيدة الفرح، لكن بنكهة ساخرة من الفوضى اليومية.
وفي ذروة المشهد، تنتهي الليلة دائمًا بنفس النهاية: تكسير الصحون وضرب على القدور، كأنها ختام أوركسترا مجنونة، حيث الضحك والجنون يتداخلان في لحن واحد.
وهكذا تستمر حرب القدور، ليست حربًا لأجل الانتصار، بل من أجل البقاء. صراع يومي ساخر بين من يريد الهروب ومن يريد الاستقرار، بين جسد يهتز بثقله وظل يكاد لا يُرى، بين الضجيج والصمت، بين البركان والهدوء. ومع ذلك، يظلان معًا في ملحمة بلا نهاية، حيث الضحك هو السلاح الوحيد في مواجهة الحياة، والقدور هي الجنود التي لا تعرف الهدنة، والقطط هي الجمهور الذي لا يمل من انتظار النهاية التي لا تأتي.
النهاية





