القصة القصيرة

الأموات يرفضون العودة إلى الحياة – بلعربي خالد

images 1 1 1

قوموا أيها الأموات من قبوركم.

قوموا… نعم قوموا أيها النائمون في حضن التراب.

لقد نضج الخراب فوق الأرض نضج الرمان، واختمر الجنون في رؤوس البشر كما يختمر النبيذ الرديء في قِدرٍ مهجور.

قوموا لأحدّثكم، فأنا الدرويش سليمان؛ رجلٌ نجا بجسده لا بروحه، ووجد بينكم عقلاً أكثر سلامة من عقول الأحياء.

تعالوا… اقتربوا منّي كما يقترب الغيم من قمة الجبل،

فلديّ ما يكفي من أخبار الأرض لتملأوا بها أبدية صمتكم.

رجال فقدوا ملامح الرجولة

يا جيراني تحت الثرى،

لقد ضاعت الرجولة من فوق التراب كما تضيع النقطة من آخر السطر.

رجالٌ يجرّون المرايا جرّاً، يهذّبون الحاجب كما يهذّب الشاعر قافيته العرجاء،

ويصقلون وجوههم حتى تتوهج مثل صحون الألمنيوم في الشمس.

تسأل الواحد منهم:

“من أنت؟”

فيدور حول نفسه كما تدور نحلةٌ ضلّت الخلية،

لا يعرف أهو رجلٌ يلبس جلد امرأة،

أم امرأةٌ تتدرّب على هيئة رجل،

أم جنسٌ ثالثٌ يكتب اسمه في بطاقات العالم بلا أنساب!

أجناسٌ جديدة…

ظهر في أيامنا قومٌ لا يعرفون أين يضعون أنفسهم.

يمشون بنظراتٍ مستعارة، وهوياتٍ نصف مكتوبة،

وجوههم كصفحات كتابٍ بللته الأمطار، لا يُقرأ إلا نصف الحرف ونصف الصورة.

لو رأيتموهم يا أهل التراب،

لعدتم إلى قبوركم مطمئنين:

“الحمد لله… لم نعش هذا الزمن.”

أثرياء يولدون مع الفجر

ومن العجائب…

أن الليل صار امرأةً حُبلى بالمال.

يخلد الناس إلى النوم فقراء،

ويستيقظون مع الفجر أثرياء يشترون ما حولهم كما تشتري النار الهشيم.

لا تعب، لا عرق، لا جهد…

مالٌ يُرمى عليهم كما تُرمى الحلوى في حفلات الختان.

يسمّونه ذكاءً استثمارياً،

وأسمّيه أنا:

“رزقاً ينزل على مناجم الفراغ.”

التافهون… صناع القرارات

يا سكّان الصمت،

في زمنكم كان المنصب يقف على أكتاف الرجال.

أما اليوم، فالمنصب يقف على الهواء.

يتسلّق التافهون السلالم كما يتسلّق الظلّ جداراً بلا صعوبة،

حتى صار بعضهم مسؤولاً عن مصائر مدن…

وهو لا يجيد مسؤولية تسريحته الصباحية.

 حقائب أعمال

أما بيوت الله،

فلم تعد كلها بيوت صلاة.

بعضها صار غرفاً للصفقات،

وردهاتٍ لاجتماعاتٍ تجارية بأقنعة خاشعة.

يسأل أحدهم صديقه بعد السلام:

“هل أبرمنا العقد؟”

قبل أن يسأله:

“هل استقامت صلاتك؟”

كأن الدنيا صارت سجادةً تُفرش فوق محرابٍ مائل.

الحروب الجديدة و قهرٌ في الباطن

لكن اسمعوا الأعجب…

الحرب لم تعد حرباً،

والسلام لم يعد سلاماً.

اليوم يقصفون الشعوب بالابتسامات،

ويضربون الدول بالبيانات المطيّبة بالعسل.

يقدمون القهر ملفوفاً في الحرير،

ويخنقون الإنسان الأخير… الإنسان الحقيقي…

بين أصابع منمقة، وكلماتٍ مصقولة مثل نصائح الماكرين.

الحرب صارت قصيدة غزلٍ تُقرأ نهاراً،

وحلقة خنقٍ تُطبق ليلاً.

والمقهور يُطلب منه أن يشكر قاهره لأنه “يحافظ على استقرار العالم”.

يا أهل القبور…

حتى الألم صار له موسيقى…

وملحّنون بلا رحمة.

 الواقف في العاصفة…..

رأيت الإنسان الأخير في هذا العالم،

واقفاً مثل شجرة بلا غصون،

تضربه رياح الخوف،

وتقضم ساقيه وحوش المستقبل.

إن تكلم… اتُّهم.

إن سكت… اتُّهِم.

إن قاوم… اتُّهِم.

إن استسلم… مُدِح.

يا للمسافة بين العقل والجنون حين تضيق!

و يشرق الضوء

ثم أسررت لكم، أنتم أكثر الناس صدقاً رغم موتكم:

“ورغم كل ما أقول…

رأيت أملاً صغيراً يقفز كعصفورٍ فوق أسلاك العالم المحترقة.”

رأيته في يد طفلٍ يصنع حمامةً من ورقٍ مبلل،

وفي امرأةٍ تتضرع ألا يُقتل ابنها،

وفي شيخٍ عجوزٍ يحفر دعاءً في الهواء:

“اللهم أعطِ البشر قلوباً… قبل أن تعطيهم أسلحة.”

السلام يا سادتي ليس بعيداً…

هو مثل الندى:

لا يأتي بالصراخ،

بل يأتي حين يهدأ كل شيء.

وحين يتحقق ذلك…

وربما فقط ربما…

توافقون أنتم أيضاً على العودة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading