البهناسي ✍️ بلعربي خالد

مونودراما
(إضاءة خافتة، البهناسي يقف وسط المسرح، حقيبة رسائل مهترئة، يتحدث للجمهور مباشرة)
أنا البهناسي… موزع البريد الذي لا ينام.
في النهار أوزّع الرسائل كما يريدون: أختام حمراء، توقيعات زرقاء، طوابع لا تنتهي… بيروقراطية تبتلع الناس كما تبتلع الرسائل.
لكن في الليل… الليل لي وحدي. أفتح الرسائل كلها. أقرأ أسراركم، فضائحكم، طلباتكم المذلّة، رسائل التوظيف بالمحسوبية، والوساطات التي تُكتب بمداد الخوف.
اضحك حين أجد أن الوظائف تُمنح للجنس اللطيف أولًا، ثم لأبناء المسؤولين، ثم لأبناء أبناء المسؤولين… أما ابناء لا شيء اي البقية؟ فيُرمى بهم في سلة المهملات، مثل الرسائل التي لا عنوان لها.
(يتوقف فجأة، يضع يده على جبينه)
أحيانًا أسأل نفسي: لماذا فلان لم يُرقَّ بعد عشرين سنة خدمة؟ أفتح ظرفًا… فأجد الإجابة: زميله كتب تقريرًا سريًا يتهمه بالكسل. أسأل: لماذا فلانة حصلت على المنصب؟ أفتح ظرفًا آخر… فأجد رسالة توصية من مسؤول كبير، ممهورة بختم أحمر.
(يضحك بسخرية)
كأن الرسائل تتجسس على أصحابها، تكشفهم لي واحدًا واحدًا. أنتم لا تعرفون أنكم تكتبون حياتكم بأيديكم، وأنا أقرأها كأنني أقرأ كتابًا مفتوحًا.
(يتقدم خطوة للأمام، صوته يعلو)
أحيانًا أجد رسائل غريبة… رسائل ليست من البشر أصلًا. كلاب الحي تراسل بعضها البعض! نعم، الكلاب. رسالة من كلبٍ إلى آخر: “لماذا سرقت عظمتي؟ كنتَ صديقي، والآن أنت خائن.” وأخرى من كلبة حزينة: “أنت لم تعد تنبح لي كما في الماضي.”
أما القطط… آه القطط! رسائلها مكتوبة بلغة لا يعرفها البشر، ربما لغة التخاطر. حروف متشابكة، رموز غامضة، لكنها كلها تدور حول قطة مدللة في حينا. كل القطط تبوح لها بالحب، تتوسل نظرة، أو لعقة حليب من صحنها الذهبي.
(يتوقف فجأة، يضحك بسخرية)
لكن أغرب الرسائل ليست منكم أنتم البشر… بل من الحيوانات. نعم، الحيوانات.
الكلاب تعقد اجتماعات سرية في الحي، ترسل محاضر جلساتها بالبريد:
“اجتماع رقم 12: مناقشة خطة السيطرة على صناديق القمامة.
اقتراح: ترقية الكلب ذو النباح الأعلى إلى منصب الحارس العام.
قرار: معاقبة الكلب الذي خان الجماعة وأعطى العظم للقطط.”
أما القطط… فهي أكثر دهاءً.
رسالة من قطة إلى أخرى: “اجتماع المجلس الأعلى للقطط المدللة.
موضوع النقاش: من يحق له الجلوس على السيارة السوداء في الحي؟
اقتراح: ترقية القطة البيضاء لأنها الأكثر أناقة.
قرار: إقصاء القط الرمادي لأنه لا يملك جاذبية كافية.”
(يتقدم خطوة للأمام، يرفع ظرفًا)
حتى العصافير ترسل رسائلها: “اجتماع طارئ فوق شجرة التوت.
موضوع: تنظيم الغناء الصباحي.
اقتراح: أن يبدأ العصفور الأكبر سنًا، ثم البقية حسب الأقدمية.
قرار: معاقبة العصفور الذي غنّى خارج عن السرب بدون اللحن.”
(يضحك ضحكة طويلة)
أترون؟ حتى الحيوانات عندها بيروقراطية، اجتماعات، ترقيات، مؤامرات، خطط سرية…
لكن الفرق أن رسائلها صادقة، واضحة، بلا تزوير ولا ختم أحمر.
أما أنتم؟ رسائلكم كلها شكاوى، تقارير، تجسس على بعضكم البعض… كأنكم …….او…..، لكن بلا صدق ولا حب.
(يصمت لحظة، يرفع ظرفًا فارغًا أمام الجمهور)
أنا البهناسي، لست مجرد موزع بريد… أنا شاهد على عبثكم، وعلى إدارتكم التي لا تعرف إلا الختم الأحمر والابتسامة الباردة.
وهذا… آخر رسالة. فارغة تمامًا. مثل حياتهم.
(إظلام تدريجي، صمت طويل)
نهاية





