مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

أمستردام – بلعربي خالد

صورة لرجل يُنظر إلى الكاميرا بخفة، بشعر قصير ولحية خفيفة، مع خلفية من أوراق شجر.

أمستردام

في الشارعِ الأحمرِ

كان الليلُ يفتحُ نافذتَه

ويُنادي المدنَ البعيدة.

وكانت أمستردامُ

تقفُ عندَ زاويةِ الضوءِ

كأنها فتاةُ ليلٍ

تنثرُ فوق المارّة

عطرًا مُرًّا،

وتخفي خلفَ بريقِها

قلبًا متعبًا

لا يعرفُ النوم.

ومضيتُ…

وفي نوافذَ زجاجيّةٍ متراصّةٍ

كأنها مرايا انكسرتْ على مهل،

وقفتِ الفتياتُ

يُشعلنَ من أجسادهنَّ

قناديلَ حزنٍ

ويتمايلنَ مثل غيمٍ

ضاعَ عن مطرِهِ.

لم يقلنَ شيئًا،

لكنَّ الصمتَ كان أثقلَ من الخطى،

والزجاجُ

كان حارسًا

لعالمٍ يذوبُ من الداخل.

قلتُ لنفسي:

هل هذه مدينةٌ

أم جرحٌ يتكلّم؟

وهل تُصبحُ الحريةُ

قيدًا حين تُفْهَمُ خطأ؟

وكيفَ يُباعُ الإنسانُ

مرّةً بعد مرّة

ولا ينهارُ الحجرُ من الخجل؟

كانت أمستردامُ

تبتسمُ لي

ابتسامةَ امرأةٍ

تعرفُ ثمنَ التجمّل،

وترتجفُ في عمقها

كطفلةٍ فقدتْ دُميتها

على قارعةِ العمر.

رحلتُ عن الشارعِ الأحمر

والليلُ يسيلُ خلفي

كأنه يطلبُ تفسيرًا.

ومضيتُ نحو شارع يافا،

أحملُ في جيبي

بقايا ضوءٍ

وفي قلبي

ظلَّ سؤالٍ لا يهدأ:

هل نحنُ نرى المدنَ…

أم المدنُ ترانا؟

وهل تضيعُ القيمُ

حين نُطفئُ النورَ…

أم حين لا نبحثُ عنه؟

وفي يافا

استعاد الهواءُ صدقه،

وعادَ القلبُ يمشي بلا خوف،

كأنَّ الطريقَ تقول:

ليسَ كلُّ ما يلمعُ بريقًا،

وليسَ كلُّ ليلٍ

امرأةً ترقصُ على نافذةٍ…

فثَمّةُ ليلٌ

يُعيدُ للإنسانِ إنسانَه.

بلعربي خالد

Belarbi khaled

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading