نزيف القلب – بلعربي خالد

في بلديةٍ تنامُ على كتفِ النسيان
وتوقّعُ المعاملاتِ بالحبرِ السريّ،
وُلدَ فنانٌ…
لا يملكُ إلا فرشاةً
وبطاقةَ تعريفٍ منتهيةَ الصلاحية
وصورةً قديمةً له
يصافحُ فيها إطارًا فارغًا.
قالوا له:
«الفنّ رسالة»
فسألهم: إلى أي عنوان؟
قالوا: «إلى الجماهير»
فاكتشف أن الجماهير
مشغولةٌ بموكبِ أصحاب التيك توك المرتزقة
الذين يوزّعون الضجيجَ
بالتقسيط المريح.
في بلديةٍ
يُعلَّق فيها إعلانُ “أسبوع الثقافة”
بين إعلانِ بيعِ بطاطا
ودورةِ تكوينٍ في “فنّ التصفيق الرسمي”،
وقفَ فنانُنا
يطالبُ بحقوقٍ
وُضِعتْ على الرفّ
بجانبِ ملفّاتٍ أكلها الغبار
وأكلتْها المصالح.
قال:
أريدُ قاعةً
ولو كانت بلا كراسٍ.
أريدُ منبرًا
ولو كان من خشبِ صندوقِ طماطم.
أريدُ أن أعرضَ لوحاتي
دون أن أُثبتَ شهادةَ حسنِ سلوكٍ
من لجنةِ الذوق العام!
ضحكوا.
قال رئيسُ مصلحةِ “تشجيع المواهب المؤقتة”:
– هل لديكَ واسطة؟
– لديّ موهبة.
– آسفون، الموهبةُ لا تُعتمدُ في النظام الداخلي.
في بلدِي
صارَ الفنانُ
شهيدَ استمارةٍ ناقصة،
وشهيدَ ختمٍ مفقود،
وشهيدَ وعدٍ شفهيّ
قُتلَ في اجتماعٍ مغلق.
التيك توكُ يمرّ أمامَ دارِ الثقافة،
يحملُ مكبرَ صوتٍ
يصرخُ بأغانٍ مستعملة،
بينما لوحاتُه
تصرخُ بصمتٍ
ولا أحدَ يملكُ بطاريةً ليفهمها.
يا سادتي،
أنا لا أطلبُ تمثالًا في الساحة،
ولا شارعًا باسمي،
ولا حتى مقعدًا بلا مسامير.
أطلبُ فقط
أن لا يُعاملَ الفنُّ
كأنهُ مخالفةُ مرور.
أطالبُ بحقي
في أن أكونَ فنانًا
لا بندًا زائدًا في ميزانيةٍ
حُذِفَتْ “لأسبابٍ تقنية”.
أطالبُ بحقي
في أن أُخطئَ على المسرح
دون أن يُقال:
“هذا لا يشبهُ الصورةَ الرسمية”.
أطالبُ بحقي
في أن أحلمَ
ولو كان الحلمُ
يحتاجُ رخصةَ بناء.
أيّها المسؤولُ الذي يبتسمُ في الصور،
أيّها التيك توكُ الذي صارَ ناقدًا فنيًا،
أيّها الإغراءُ المعلّقُ على بابِ كلِّ مشروعٍ،
اتركوا للفنِّ
نافذةً واحدةً فقط،
يدخلُ منها الهواء
ولا يدخلُ منها السمسار.
فأنا الفنانُ المهمَّش،
أعيشُ على الهامشِ
لكني أكتبُ في المتن،
أضحكُ من عبثِ المشهد،
وأعلّقُ قلبي نزيف
على حبلِ غسيلِ البلدية،
منتظرًا
أن تجفَّ الوعود.
وإن لم تجفّ؟
سأرسمُها مبتلّة،
وأعرضُها في الشارع،
وأدعو التيك توكَ
ليصفّقَ لي صدفةً…
فربما
يتذكّرُ أحدهم
أن في هذا البلد
فنًّا
لم يمت،
بل ينتظرُ ختمًا
فقط ختمًا.
السلام ياصحبي.





