شبكة الأوهام -بلعربي خالد

مونودراما
مشهد واحد
(إضاءة خافتة. كرسي وحيد. هاتف على الطاولة. رجل في منتصف الثلاثينيات يجلس، ينظر إلى الشاشة، ثم إلى الفراغ. صوته مزيج من السخرية والتعب.)
كنت أظن أنني أعيش.
كل صباح أستيقظ، أفتح هاتفي، أرى وجوهًا تبتسم، أصدقاء يحتفلون، رحلات، ضوء، نجاحات…
أقول لنفسي: انظر يا شهاب ، العالم سعيد، فلماذا لا تشعر بذلك؟
(يضحك بخفةٍ جافة)
أحيانًا أكلّم الهاتف كما لو كان صديقًا حقيقيًا.
أقول له: “هل رأيت يا صديقي كيف يعيش الناس؟”
فيصمت… لكنه يلمع في وجهي كأنه يسخر مني.
أجلس في المقهى، محاطا بالجميع… لكن لا أحد يراني.
كل واحد في جزيرته الصغيرة، يلمس شاشة أكثر مما يلمس الحياة.
حتى جعفر ، صديقي القديم، صار يتحدث معي بالرسائل، ونحن نجلس على الطاولة ذاتها!
أنظر إليه فأرى أصابعه تتحرك بسرعة، لكن وجهه جامد كتمثال.
أحيانًا أسمعه يضحك على شيءٍ لم أقله… فأدرك أنه يضحك مع شخصٍ آخر في مكانٍ آخر.
(يصمت، ينظر نحو الجمهور، كأنه يسمع صوتًا داخليًا)
تقول لي نفسي: لماذا لا تغلق الهاتف يا شهاب ؟
لكن…
كيف أغلق نافذتي الوحيدة إلى الناس؟
بدونه، أشعر أنني لا أُرى.
كأنني أختفي، أذوب في العدم.
من سيعرف أنني هنا إن لم أُخبرهم بصورة؟
(ينهض، يتقدّم خطوة، ثم يخاطب الفراغ وكأنه صديقه الغائب)
تتذكر سارة؟
كانت تكتب دومًا: “أنا بخير”.
لكن صوتها في الهاتف كان يرتجف، مثل لهبٍ يخاف من الريح.
وفي يومٍ ما… لم تكتب شيئًا.
اختفت من الشاشات، مثل ضوءٍ انطفأ دون سبب.
قالوا إنها سافرت.
لكنني كنت أعلم…
هي لم تسافر إلى مكانٍ يمكن العودة منه.
(يتنفس بعمق، يحاول الابتسام)
أحيانًا أفكر أننا جميعًا مثلها، فقط لم نختفِ بعد.
نعيش في قفصٍ من الضوء…
نضحك أمام العدسة، ونبكي حين تنطفئ الشاشة.
(يتجه إلى الهاتف، يضع يده فوقه، يتحدث كأنه يهمس لصديق قديم)
يا صديقي الصامت، هل يمكننا أن نعيش دونك؟
أن نعود إلى أنفسنا؟
أن نضحك لأنفسنا لا أمام أحد؟
(صمت طويل)
ربما… لكنني لا أجرؤ.
الحياة الحقيقية صارت غريبة، خشنة، باردة.
أما هنا، في هذا الضوء الأزرق، كل شيء ناعم… حتى الأكاذيب تبدو جميلة.
(يبتسم بمرارة)
لكن تعرف؟
اليوم سأجرب.
لن أفتحك غدًا.
سأخرج، أتنفس هواءً بلا إشعارات، وأمشي دون أن أكون بثًا مباشرًا.
وإن لم أجد نفسي هناك… فسأعود إليك، يا مرآتي الكاذبة.
(ينطفئ الضوء تدريجيًا.
يبقى الهاتف يضيء للحظة، ثم يخبو ببطء.
صوت يأتي من الظلام.)
يا شهاب
ربما الوهم أرحم من الحقيقة…
لكن على الأقل، الحقيقة لا تحتاج إلى بطارية.
نهاية





