تجربة أدب السجون في نص الهايكو:الشاعر علي القيسي أنموذجاً- تغريد نديم عمران

بين القضبان، حيث يختصر السجان حياة السجين إلى جدران صماء ومواعيد تعذيب، يبحث الأخير عن أدوات تساعده على البقاء .
هنا يجد الشاعر أداته بالكلمة القصيرة ،فيحوٌل عبرها اللغة التي سببت سجنه إلى سبب يسنده ريثما ينال حريته.. فينسجها جلداً إضافياً يحمي روحه من التفسخ. في مجموعة نصوص الشاعر علي محمد القيسي حول السجن نجد تكثيفاً لغوياً يعيد تشكيل الألم بأدق مفرداته، ويدوّن اليومي المنسي بلغة رمزية موحية.
الهايكو عنده ضرورة، والشعر ضرب من المقاومة.
في نصوصه يحضر جدار السجن كرفيق وسجل ورقيب . إنه ليس مجرد حائط ، بل هو كائن ذو ذاكرة، وربما شاهد على ما لا يُقال:
بمنتهى العدالة
كنت أُكلم الجدار
تلو الجدار
قبل الخروج
أحصيت خدوش الأيام
على الجدار
في هذين النصين، يغدو الجدار مَن يُنصت في غياب المستمع، ويصير عدّاداً صامتاً للزمن المهدور .
وفي مشهد آخر، يتقاطع الجدار مع رغبة الأب في توثيق وجود ابنه قبل أن تطمسه السلطة:
قبل أن يقيده
السجل المدني كتبت اسم ابني
على الجدار
وكأن الكتابة هنا فعل تمرّد على النسيان أو المحو ، واستباق لوثيقة رسمية لا تعترف بالمشاعر.
الجدار، إذن، هو أول من يشهد الولادة في قلب المعتقل، لا القيد الرسمي.
السجن، في نصوص أخرى للشاعر يصير أفقاً شعرياً .و بعكس كثير من النصوص الطويلة التي تغرق في وصف المعاناة، يلجأ القيسي إلى التكثيف، فتولد القصيدة من رحم القيود:
مساحة الزنزانة
متر ونصف في متر ونصف شاسعة مساحة الذاكرة!
الزنزانة تتقلص، لكن الذات تتسع داخليّاً، والذاكرة تصير فضاءً رحباً تتقاطع فيه الحواس مع الاسترجاع.
حتى التفاصيل الصغيرة تحمل حمولات شعورية هائلة:
سجن منفرد
أفتقد الجرذ الذي يقضم
أصابعي
لست وحيداً
دبيب الجرب
يؤنسني
الافتقاد هنا صار يتوجّه لما هو أدنى من إنساني، في تظهير ساخر للوحشة وعمقها. كل ما كان مزعجاً يصبح لاحقاً دلالة على حياة ما، على صوت ما.
هذه النصوص المبنية على مفردات بسيطة، تتسامق مفخّخة بدلالات، تُحوّل الحياة اليومية في المعتقل إلى مشهد شعري نابض:
مقبض باب الزنزانة
أُهيئ أسماعي
للشتائم
بخرطوم الحريق
حمام
جماعي
بعد التعذيب
دبق دبق ظهري
كبطن السمكة
من “الشتائم” و”الخرطوم” إلى صورة الظهر الذي “يدبق” مثل بطن السمكة، تتشكل مشاهد تنقل الألم عبر الحواس مباشرة، دون وسيط تعبيري. كما يحضر الرسم كأداة مقاومة بدائية:
لا أجيد الرسم
أستحضر رجل الكهف
كي أرسم وجه زوجتي
تلك الاستعارة تستدعي مشهداً إنسانياً عميقاً، حيث الحنين يجعل السجين يرسم وجه زوجته على جدار زنزانة.
تتخفى المأساة أحياناً تحت قناع ساخر، يفتح منفذاً جديداً للقراءة:
بلا سجادة حمراء
تأكلنا عيون المارة
على سلم المحكمة
على غير العادة
طويلة جداً بدلة
السجن
فالعدالة تبدو هنا احتفالية ساخرة، حيث يُعامل المتهم كنجمة سينمائية يُعرض على أعين الناس. كذلك في مشهد القاضي:
يرش المعطر
القاضي
حين يكلمني
في هذه المفارقة، يخشى القاضي رائحة المتهم أكثر مما يخشى خطورة الظلم، في اختزال نقدي حاد لصورة العدالة الرسمية.
هذه هي نصوص علي القيسي الهايكوية تُقدّم تجربة شعرية مغايرة في سياق أدب السجون العربي. نصوص تُقارب الألم بأدوات بلاغية دقيقة، فتُعيد اكتشاف طاقات اللغة حين تُوضع في المحك الوجودي الأقصى. هي شهادة على قدرة الشعر على الصمود، وعلى أن الهايكو، رغم صمته الظاهري، يمكنه أن يصرخ… بصوت هادئ، لكن لا يُنسى.





