مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

البعد الاسطوري في الهايكو شفيق درويش مثلاً- تغريد نديم عمران

تجسيد فني لامرأة بشعر بني بني والمظهر الجاد، ترتدي سترة وتظهر بوضوح في الصورة.

عندما في الأعالي
تهوي اعشاش النسور –
ليل كانون

هذا النص للشاعر شفيق درويش ببنية توريواسه
الصورة الاولى فيه هي سقوط أعشاش النسور
الثانية هي ليل كانون
و يجمع بينهما البرد الشديد
وفي التفاصيل :

هذا الهايكو لا يكتفي ببناء مشهد طبيعي عن أعشاش نسور تتهاوى في ليلة شتوية، بل يفتح باباً أسطورياً كثيفاً، كأنّ الطبيعة نفسها صارت لغة لانهيار كونيّ قديم.
فالجملة الأولى:
«عندما في الأعالي»
ما هي إلا استدعاء مباشر لافتتاحية أسطورة الخلق البابلية «إينوما إيليش»، حيث تبدأ الحكاية من العلوّ الأول، من زمن الآلهة قبل انتظام العالم. هنا يتحوّل المطلع إلى عتبة ميثولوجية، تجعل القارئ يدخل النص بوصفه أثرًا من آثار الوجود الكوني.
وحين يقول:
«تهوي أعشاش النسور»
فإن النسور كائنات مرتبطة بالسيادة والعلوّ والقوة السماوية. و أعشاشها ترمز لمقام مرتفع، لسلطة مستقرة في الأعلى. لذلك ان تهوي هذا يستدعي سقوطًا للمراتب العليا نفسها، كأنّ السماء فقدت توازنها.
البرد القارس يبدو كأنه الأثر الفيزيائي لانطفاء الآلهة أو غياب دفئها الكوني.

بهذا المعنى( البرد القارس ) تشترك الصورة الاولى مع ليل كانون .
الجميل في النص أنّه لا يصرّح بأي شيء من ذلك مباشرة.
فالأسطورة لا تظهر كاقتباس ثقافي ثقيل،و إنما كرجعٍ خافت داخل اللغة. حتى «الأعالي» و«أعشاش النسور» تبدوان في القراءة الأولى مجرد عناصر طبيعية، ثم ما يلبث النص أن يفتح طبقاته الأعمق، فنكتشف أنّ الطبيعة نفسها ليست سوى واجهة رمزية لحدث ميتافيزيقي أوسع.
إنه هايكو مختلف مجدد يقول أن الهايكو المكتوب عربياً يستطيع ان يلبس ما يليق بثقافته.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading