وَرَعُ الفَقِيْهِ وسوسيولوجيا الهَزِيمَةِ وسَردياتُ البُطولةِ فِيْ نقدِ الوَرْدِيّ لثَورةِ العشرِيْن- د.كريم عبيد علوي*

قد تكونُ الحقيقةُ الصَّادمةُ على الرّغمِ من قساوتها المُرّة و إيلامِها أكثرَ نبلاً من أساطير الجماعات ولا سيما أساطير الثَّورة وبطولات الشّعوب وانتفاضاتها ضد المستعمرين والطّغاة لأنها تعرّي الأوهامَ الزائفة وتطيحُ بالعزاءات السّرديَّة الكاذبة ، فإذا كانت الأساطيرُ تجسّد طفولةَ الشّعوب وأحلامَها فاليقظةُ الفكريَّة تستلزمُ أَنْ يصحوا ويفيقوا من أحلامهم ولا سيما أساطير الثَّورة ورموزها . ففي مسرحيّة ( حياة غاليليو) للكاتب الألمانيّ (بريخت) يجري تصوير (غاليليو) بالإنسان المنهزم الذي يتخلى عن الحقيقة العلميَّة إزاء ترهيب محاكم التّفتيش الدينيَّة وتجريمها للتفكير العلميّ النقديّ وقوله بمركزيَّة الشَّمس لا الأرض ، وإن كان قد علل ذلك لتلميذه ( أندريا سارتي ) في النّهاية حينما عاتبه بشدة لتراجعه بأنه كسب وقتاً لا لإنقاذ حياته من القتل وإنَّما ليتم براهينه وكشوفه العلمية ، ومن بين ما قاله ( أندريا) لغاليليو حينما أضطر للتراجع في المحكمة ولم يكن وفياً للحقيقة:(تعيس ذلك الوطن الذي لا يمتلك أبطالاً)، فكان جواب غاليليو في نهاية المسرحية : لا بل كم هو بائس وتعيس ذلك الوطن الذي يحتاج أبطالاً ! وفي رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي تعلن بطلة الرّواية عن ضيقها بسرديات البطولة التي تُروى عن بسالة أبيها الشَّهيد الذي لم تعاصرْ حياته فشكلتْ تصوراتِها عنه قصصُ البطولة التي يرويها الآخرون عنه فانتفضتْ بسأمٍ كبيرٍ لتطالبهم أنْ يكفوا عن أساطير البطولة وأنْ يرووا لها نقاطَ ضعفه وهفواته لأنها تريد أنْ ترى أباها الإنسان الحقيقي .وعلى الرّغم من سماحة ومروءة سيد مكة عبد المطلب إلا أَنَّ التَّاريخ يُحار إزاءه ويُدهش ولا تجدي نفعاً تلك التَّأويلات المسوغة لمفاوضته مع أبرهة الحبشيّ حينما داهم مكة ، فقد اكتفى عبد المطلب بمطالبته بأبله وترك البيت الحرام والكعبة وخرج إلى الشّعاب مُردداً مقولته : (للبيت ربٌ يحميه ). فلابدَّ أن تبقى صورةُ البطل زاهيةً ومشرقةً فتُنسَج التأويلات الأسطورية المسوغة للفعل الانهزاميّ ،فالرمزياتُ وقصصُ البطولة وسرديات التأسيس هي مرآة الذاتِ التي تطل من خلالها على نفسها ، وتصورُ الإنسانِ عن نفسه وثقافته وهويته الجمعية نسجتها تلك الحكاياتُ ، فتفكيكُ تلك السَّرديات وتعليقُ الحكمِ عليها فيْ ضوء تأويلية الشَّك والارتياب لبول ريكور والحفر حول المخبوء تحتها يشكل جُرحاً نرجسياً تبقى الثَّقافات المأزومة تئن من سهام نقده وتأبى تضميدُ جراحها بقبول الحقيقة واستئناف مسار جديد للهوية . فكل محاولة نقدية تعلّق التّصوراتِ القبليّة عن الرموز وعن البطولة وتنزلها منزلتها الواقعيّة في التّحليل والمراجعة وإعادة النظر والتّقييم سوف تجابه بالرفض والاتهام في النوايا ، ومن مصاديق ذلك نقد الورديّ للخطاب التمجيديّ الحماسيّ لثورة العشرين ، فقد حاول أن يحلل الدوافع الاجتماعية للثورة والتي لا يمكن تلخيصها بالوطنية والإباء والانتفاضة لكرامة الوطن فحسب ، فالورديّ يرى أنَّ العقلَ المحرك للثورة هم الطَّبقة المتعلمة من موظفي المؤسسات المنهارة للدولة العثمانية الذين فقدوا وظائفهم وتضرروا من العهد الجديد ، ومن بعض شيوخ العشائر الذين فقدوا أراضيهم ، فهذه النخب المتعلمة والرموز العشائرية يُضاف اليهم طبقة رجال الدين هم المحرك للثورة .
وقد حاولَ الإنكليزُ اللعبَ بمهارةٍ وخبثٍ ودهاءٍ كبيرٍ على وتر الخلافات العشائرية حول زعامة القبيلة وامتلاك الأراضي ، فقد أغدقت رواتبَ ومنحاً ماليةً لبعض المشيخة وأطلقت أيديهم باستملاك بعد الأراضي فاشترتْ سكوتَهم على حساب شيوخ أخرين عمدتْ على إضعاف مكانتهم ممن أفادوا من العهد العثمانيّ القديم ووقفوا بصف الأتراك لزرع الفتنة والانقسام وتحييد المواقف ، كما أن كثيراً من ضُبَّاط الإنكليز وأداريها لم يُحسنْ التعاملَ مع زعماء القبائل فقد تعمد الإساءة إلى كرامتهم وإهانتهم ، ولم تُوقر وتُحفظ مكانتهم الاجتماعية المهيبة مما أثار حفيظتهم و إبائهم ، وكان ذلك في نظر الورديّ دافعاً نفسياً للثائر لكرامة شخصية مهدورة من دون تبلور وعي وطنيّ ناضج يدرك أبعادَ الاستقلال والأهليَّة الوطنيَّة له . كما يصرّح الورديّ بأن المواقف الوطنية التي استلهمت تجاربَ عربيةً مماثلةً كقيام ثورة الشَّريف حسين وتشكل حكومة سوريا بقيادة الملك فيصل وتبلور الوعي الوطنيّ المدنيّ في الحركات السياسيَّة التّركيَّة من شأنه أن يتمخض عنه حسُّ وطنيّ عراقيّ عند نخبة من الانتلجنسيا والأعيان من المتعلمين العراقيين ومن رجال الدين المتنورين و شيوخ العشائر الأحرار ، فحراكُ هؤلاء كلّهم لا يُقدَرُ له النجاح دون فتوى شرعيَّة مساندة تُكسبُ عملَهم رمزيةً وطنيةً يهابها المحتلُ وتحركُ الجماهيرَ، فكان نجلُ المرجعِ محمد رضا الحائريّ الشّيرازيّ هو سفير الوطنيين إلى والده المرجع الكبير ، وكان قربُه منهم وتشاوره معهم يمثل مجساتِ مرجعية والده في معرفة متغيرات السَّاحة الوطنية وتطورات السياسة الإنكليزية تجاه العراق . ولقد كانت مرجعية الإفتاء العليا في حوزة النجف تعود للسيد محمد كاظم اليزدي وكان نهجه ممالأة الإنكليز وعدم الصّدام معهم ، وكان الشيرازيّ يقيمُ في مدينة سامراء ، وبتأثير كبير من كثير من الأفراد ممن لا يكنون الود والتقدير لليزديّ من رجال الدين والوطنيين خضع الشيرازيّ لطلبات ملحة بشأن قدومه من سامراء والاستقرار في النجف لثقلها الروحيّ الدينيّ والسياسيّ والوطنيّ ولتحجيم نفوذ اليزديّ وخلق زعامة منافسة له ، وفي الوقت الذي استجاب الشيرازيّ لتلك الدَّعوات إلا أنه آثرَ الاستقرارَ في كربلاء بعيداً عن النجف تجنباً لصدام المرجعيات الدينيَّة التي تديره الحواشي والبطاناتُ الفاسدة ، فهم يستثمرون في الفتن ويقتاتون على التَّزلف والتَّملق إلى جنب أنَّ كربلاء كانت تشهد حراكاً وطنياً وسياسياً . وبعد وفاة اليزديّ حاول الإنكليزُ تحييدَ الشيرازيّ عن النبض الوطنيّ الشعبيّ فأبرقوا رسائلَ كثيرةً لكسب ودّه معلنين دعمهم له وتأييدهم لمرجعيته وتوقعهم بأنه سوف ينهجُ نهجَ سلفه اليزدي في القرب من الإنكليز ، وكان ما يبدر من الشّيرازيّ هو التّجاهل والإنكار والاعتراض على كثيرٍ من الإغراءات التي حاولت الاصطيادَ في الماء العكر وبذر فتنة الانقسام المذهبيّ ، فقد رفض اقتراح الإنكليز وعزمهم على تغيير سادن الحضرة العسكريَّة في سامراء لكونه سنّياً وليس شيعياً و أبى ذلك بشدة ، كما رفض الإفتاء والتَّدخل في الشّأن الإيرانيّ حينما طلب منه الإنكليز إقناعَ الإيرانيين بقبول المعاهدة مع بريطانيا ومؤكداً وبامتعاض شديد بأنهم أعرفُ بشؤون بلادهم مني ولا يجوز لأي فقيه من الخارج أنْ يتدخلَ سياسياً بشأنِ بلادٍ ليستْ بلادَهُ .
وفي البدء تردد الشّيرازيّ في الفتوى الجهاديَّة لأنه كان يخشى عدم تكافؤ القوى ولكن المتحمسين للثورة من رجال الدين ونجله وجملة من الأعيان الأفندية وبعض شيوخ العشائر عمدوا إلى طمأنته والتأكيدَ له على قدرة العراقيين على المواجهة .ونتيجة مراسلات كثيرة وافته من بغداد بسبب ما جُوبه به الوطنيون المطالبون بالاستقلال من عنف وتنكيل من قبل الإنكليز فقد كانت تستفتيه حول هذه الأحداث فما كان من إلا أن يبارك مطالبتهم ويؤازرها مشدداً على ضرورة الحفاظ على أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية من العراقيين في بغداد ، ولم تكن توصيته كلاماً عابراً بل هو إحساس الفقيه الورع وحرصه الذي يخبر طبيعة الناس واستخفافهم بالأقليات واستغلالهم لاضطراب الأحداث في التعدي على الآخرين ونهب أموالهم ، وكانت تلك التوجيهات رسالة اطمئنان استأنس بها أعيان تلك الطوائف فتوافدوا لشكره . فالكثير من ثوار العشائر في مناطق مختلفة كانت دوافع النهب والسّلب لثكنات الإنكليز وممتلكاتهم هي الدّافع والمحرك لانتفاضتهم كما يرى الورديّ .
وتبلغ المواجهة ذروتها بنفي نجل الشيرازيّ الأكبر محمد رضا وكوكبة من العلماء والزعماء الوطنيين من قبل بريطانيا ، وعلى الرغم من ذلك بقي المرجع الشيرازيّ متمسكاً بعدم الصدام المسلح مع الإنكليز وانتهاج مسار الانتفاضة السلمية فقد أخبر المُصرّين على المواجهة بأنه لا يجيز ذلك شرعاً حتى لو وجدتموني قتيلاً أو قُتل ابني ، فنفيه من قبل بريطانيا ـ كما يؤكد الشيرازيّ ـ لا يجيز لكم الاصطدام المسلح لان ذلك سوف يريق الدماء ، والمسألة لا تتعلق بشخصه بقدر تعلقها بعصمة دماء الناس وسفكها في معركة غير متكافئة سوف توقع ضحايا كثيرة جداً . إنَّ حمل العشائر للسلاح ينذر بخطر كبير جدأ إذ قد يتم توجيه السلاح إلى بعضهم البعض نتيجة النزاعات العشائرية المستشرية في جسد المجتمع فعدم إصدار الفتوى بحمل السّلاح والصّدام كانت تستشرف بنظرة ثاقبة وحكيمة عواقب حمل السّلاح مستقبلاً على أبناء المجتمع نفسه . ونتيجة التَّنكيل الذي وُجه للشّيخ (شعلان أبو الجون) والاعتقال انفلتَ عقالُ ضبطِ النّفس فانتفضتْ عشائر الرميثة في الثلاثين من حزيران 1920 وعلى الرّغم مما أحرزته تلك العشائر من تكبيد القوات البريطانية من خسائر واستبسالها الشجاع إلا أنها مُنيت بخسائر كبيرة مما وضعها في موقف محرج جداً في وقت اكتفت العشائر الأخرى بمراقبة المشهد ولم تحرك ساكناً طوال أسبوعين من حصار منطقة الرميثة مما آلم الشيرازيّ كثيراً واضطره إلى الإفتاء بنحو صريح لقتال الإنكليز، ولكن مما يُدهش له أنَّ كثيراً قد تثاقل وتباطأ من شيوخ العشائر في الاستجابة لفتوى القتال والجهاد متذرعاً بعدم جهوزية قبيلته للقتال مما أضطر كثيراً من رموز الثوار وأعيانهم إلى تقديم منح مالية لبعض شيوخ العشائر لكسب موقفهم إلى صف الثورة وإبعادهم عن ممالأة الإنكليز ، فانخرط بعد حين من أحجم عن الانخراط لهذا السبب ، وربما الاكتفاء بمراقبة المشهد لما تبديه جملة من العشائر من الشجاعة والاستبسال قد أحرج شيوخاً آخرين فانخرطوا في الثورة لا عن قناعة حقيقية . ويعضد الورديّ زعمه الأخير بأن بعض رجال الدين ممن التقاهم حكى له أنه كان يعمد إلى إحراج شيوخ العشائر وينتقد سكوتهم و تقاعس غيرتهم إلى حد التعيير وهذا ما تأباه النظم القيمية والاجتماعية للرجل البدوي ومثيراً فيهم حمية حماية العرض والدّين إلى جنب أن كثيراً من زعماء القبائل راق له ركوبُ موجة الجهاد والقتال بعد أن شاهد كثيراً من القبائل تحوز على الغنائم من الأموال والأسلحة والأمتعة من ثكنات الإنكليز ومباني السَّرايات الحكوميَّة ، فكان ذلك يشبع غريزة النّهب والسلب القابعة في لاشعور الروح البدوية . وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها الإنكليز ودهشتهم بالمواجهة العراقية الشَّرسة وطلبهم للصلح والتفاوض إلا أن الثورة لم تنتهِ النهاية المرجوة لها لأسباب كثيرة . وواحدٌ من تلك الأسباب هو موت رمزها الفقيه الزعيم الدينيّ محمد تقي الحائريّ الشّيرازيّ ، ولعلَّ هذا السبب هومن يفسر سردية أنه سُقي السم غيلة من قبل عملاء الإنكليز وأذنابهم ، فأغلب الظن أنَّ من أشاع هذا التَّصور أراد أن يعطي لحركة الثوار زخماً في النّضال ومقارعة المستعمر بعد أن تكبّد الثّوار خسائر فادحة بسبب بساطة قوتهم ، فالنّهاية التّراجيديّة للرمز والبطولة المقهورة في نظرية المؤامرة لا شك سوف يذكي الإحساسَ بالقهر لدى المنتفضين ممن هم وقود الثورة مما يضمن ديمومتها لا أن تنتهي بنهاية قادتها . ولكنَّ الراجحَ أن الفقيه الشّيرازيّ بسبب تقدمه في العمر فقد ناهز الثمانين عاماً وما كان يتسم به من تقوى وورع وتوجس من مسؤولية الفتوى وتبعاتها وما أُرِيْقَ من دماء الشهداء والضحايا كان ذلك كله له وقع شديد لم يتحمله إذ يروي المؤرخون أن بعد انتهائه من إمامة الناس في صلاة الجماعة وخروجه من الصَّحن الحُسينيّ شاهد الكثير من جنائز الشّهداء وهي تُحمَلُ فتغير لونُه وصُدِم َوانتكست صحته فقد مات كمداً بعد أيام يسيرة وهذه الرّواية يذكرها الورديّ في لمحاته الاجتماعية في الجزء المختص بثورة العشرين ، والرّاجح فيما أظن أن هذا هو التفسير المقبول الذي يجسّد نبلاً ومسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تمثل ورعاً حقيقياً ومسؤولية دينية ، فالعقل الفقهي الورع يتواتر في أدبياته التوصيةُ بالاحتياط فيما يتعلق بفتاوى القتال والجهاد والدم ، فإشاعة الحقيقة سوف يهز عزيمة الثوار ، فمعنويات الجماهير سوف تُكسَر وتُهزَم إذا أحسَّت بانهيار وانكسار معنويات رموزها . ويقتربُ الورديّ من فكرة الدّفاع عن الوطن بوازع التّدين بنحو غير مباشر ،فالمجتمع المستنير بأعرافه وغير المنقسم والمتوازن بإيمانه بمنظومة قيمه سوف تكون إرادته الجمعية وثبات رؤيته هي الضمان لمجابهة التحديات الداخلية والخارجية فيستغني عن بوصلة الرّمز .فهل تحتاج البديهيات في الدفاع عن الوطن ونيل الاستقلال إلى فتوى دينية ؟ يعلل الورديّ مصرحاً أن الفتوى مثّلت مُحركاً اجتماعياً لا دينياً بسبب ضعف الوازع الدينيّ عند العشائر آنذاك ، ففرضية التَّناشز القيميّ تستبعد من الشخصية العراقية سمة التَّدين الخالص فيْ منظور الورديّ ولكن الفتوى كانتْ عاملاً مهماً لإحراج الكثير بضرورة القتال فالقعود يعرّضهم للتعيير والانتقاد الاجتماعيّ .
ويجمل الورديّ أسباباً كثيرةً وراء عدم نجاح الثّورة وجلاء الإنكليز ، منها عدم توازن القوى ، فالعشائر بأسلحتها البدائيّة وذخيرتها المحدودة من العتاد كيف يمكنها أن تهزم جيشاً مثل جيش بريطانيا يمتلك الأهليّة في التّنظيم والتّدريب والتّسليح بما يفوقُ قدراتِهم ، ولم يتبلورْ وعي لدى العشائر بانتهاج حرب العصابات القائم على المباغتة السَّريعة وايقاع الخسائر والحفاظ على المقاتلين بسبب عدم توافر بيئة جغرافيَّة كالجبال كي تسعفهم بالاختباء ، ومن بين الأسباب افتقادها لقيادة تنظيمية في إدارة القتال والتَّخطيط له ، فالعشائرُ وشيوخها تأنف كما يؤكد الورديّ من أن تعقد راية القيادة بيد زعامة عشائرية معينة وتنضوي تحت أمرته مما شتت تضحياتهم ، إلى جنب تراجع بعض العشائر التي انخرطتْ في الثورة مدفوعة بروح الغنيمة ، فبعد تكبد الثائرين بالخسائر آثرت الانسحابَ والسلامة ، ومما يُدهش له أنَّ بعضاً من هذه العشائر التي كانت تقاتل من أجل الغنيمة لم تتورعْ عن نهب المدن بأكملها لا الثّكنات الإنكليزية فحسب ، مما أثار حفيظة زعامات عشائرية وطنية وغيورة فوجه اللوم لزعاماتها . لقد مثلت بعض الزعامات العشارية كالسيد نور الياسريّ مثالاً للتضحية والإخلاص والإيثار والوطنية في تمويل الثّورة إلى جنب التّمويل من الحقوق الشّرعيّة الدينيّة من مراجع الإفتاء الدينيّة في النجف وكربلاء إلا أن ذلك لم يكن كافياً ، ومما يُعجب له أن تمويلاً كبيراً مُرسلاً من الملك فيصل بن الحسين من سوريا أُرسل للثوار بيد إحدى الزعمات الوطنية المهمة ولكنه احتفظ به لنفسه ولم يوصله إلى الثوار، وكان الشَّيخ عبد الواحد يعرفه ولكنه يتحفّظ على ذكره ، وهذا وغيره من وقائع يفسّرُ لنا السّرَ عن عدم الإفراج عن الكثير من الوثائق البريطانية المتعلقة بالعراق على خلاف بروتوكولاتها الرّسميَّة في الإفراج عن الوثائق بعد مضي أربعة عقود من الزمن كما أن الأرشيف العراقيّ بعد احتلال أمريكا للعراق لم يُظهر وثائق تسلط الضوء على علاقات ومواقف لزعامات دينية واجتماعية وأدباء ومثقفين بأطراف أجنبية وبالحكومات الاستبدادية المتعاقبة بسبب طبيعة المجتمع العراقيّ وحفاظاً علي رمزيتهم ، فلا شك أن نشرها سيحدث هزة ودوياً اجتماعياً كبيراً.
ومن أهم أسباب الهزيمة أن المحيطين بالمرجع محمد تقي الشيرازيّ وبمن أخلفه بعد وفاته المرجع شيخ الشريعة الاصفهاني من الحواشي من رجال الدين لم ينضج لديهم وعي ثاقب في إدارة المعارك والثّورة ، فلم يحسنوا إدارتها ، فكل تجربتهم عن الحرب تنحصر فيما يذكر الوردي متهكماً بما قَرَؤُوْهُ عن معارك بدر وأحد وصدر الإسلام فكانت نصائح الملائية ـ والتسمية للورديّ ـ من وحي التَّاريخ الإسلاميّ القديم وكانت سبباً من أسباب الهزيمة. ومن الجدير بالذكر أن تسميتهم بـ (الملائية ) من قبل الورديّ يتواتر كثيراً في كتابته بنحو ملحوظ فلم يستعمل تسمية رجال الدين ، ولاشك أن هذه التسمية تثير نقمة وحفيظة المؤسسة الدينية ورجال الدين فهي تسمية ساخرة ومتهكمة وناقدة بنحو لاذع و تستبطن في اقتضائها المعجمي دلالة البدائية في التعليم والتدني العلمي في تحصيل المعرفة بما فيها المعرفة الدينية . ولم يكن قلمُ الورديّ قلمَ مُؤرخٍ كما يؤكد هو نفسه ، فمن وراء سرده لتلك الوقائع التاريخية ونقدها وتحليل لم يكن يهدف بالدرجة الأساس إلى الركون للوقائع الحقيقية بقدر النفاذ إلى المحركات الاجتماعية والأعراف المتحكمة بمواقف الأفراد والشّخوص ، فهو لم يكيلْ المديح لأحدٍ كما لم يكيلْ التشهير والذم بأي أحدٍ ، فهو يؤمن بنسبية وجهات النظر المتحكمة في التفكير والحراك الاجتماعيّ والمتحكمة في الوقت نفسه بروايات الأشخاص للوقائع التاريخيّة ، فهو يستشهد بمقولة ( الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب) فكل يدعيه لنفسه ويستكثره على الأخر؛ بينما يتناسى الجميع أسباب الهزيمة ومحركاتها الاجتماعية واضطلاعهم المؤثر فيها . ومهما يكن من أمر فان ( الثورة العراقية الكبرى) هي صفحة مشرقة جداً و أيقظت الحسَّ الوطنيّ ووحدت أطياف العراقيين وشكّلت مخاض الهُوية الوطنيّة العراقيّة ، ومهدتْ لنيل الاستقلال بإحراج بريطانيا مما أثمر بتشكيل الدولة العراقية الحديثة ، وينبغي أنْ يستذكرها العراقيون دائماً في اندلاع شرارتها في يوم الثلاثين من حزيران من كل عام بوصفها مفخرة وطنية، ولكن التعاطي التاريخي معها ينبغي أن يخضع للموضوعية بعيداً عن الحماس والفخر المفرط وينتهجُ سبيلَ البحث العلميّ في الوقوف على المحركات والبواعث الاجتماعيَّة . لإن الشّعوبَ المنكسرة والفاقدة لهيبتها الوطنية والفاقدة لزمام المبادرة والتأثير الحضاريّ التاريخيّ تمتاح من الذّاكرة ألقها ومجدها وعزّها الوطنيّ ولا تشرع نوافذَها لنقد تجارب الماضي والحاضر. إنَّ خطاب الهُوية الوطنية العراقية دأب على أن يستحضر ثورة العشرين فهي لحظة مفصلية وانعطافة تأسيسية مهمة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة ورسم كيانها السياسي ودأب على استلهامها رمزاً وطنياً للإرادة الشّعبيّة الحرة ؛ فقد انصهرتْ في بودقة الثّورة مكونات الشعب وأطيافه ونخبه ، وقد مهَّدتِ الطريق لنيل العراق لاستقلاله ودخوله كياناً معترفاً به ضمن عصبة الأمم إلا أن ثمة أنساقاً مضمرة مسكوت عنها يمكن الايغال في طبقاتها ورواسبها الخفية من خلال إعمال إزميل النّقد والمراجعة في الحفريات الاجتماعيّة والتاريخيّة والأدبيات الشّعبيّة العشائرية وخطاب الدولة بمختلف حقبها التّاريخيّة ، ويلوحُ من بين تلك الرواسب العميقة الصراعُ حول امتلاك رأس المال الرّمزيّ في محورية الزّعامة والمشاركة وامتلاك الرّوح الوطنيّة وأحقيّة التّصدر وندب التّهميش وبخس التّضحيات الوطنيّة التّاريخيّة ، وتُسْتَحْضَرُ المشاركة الثّورية أداةً حجاجية للمطالبة بحقوق المواطنة في المشاركة في الحكم وتستخدم شعبياً في أهازيج في مبالغة مفرطة ونسبة وقائع غير تاريخية لزعامات عشائرية لم تنخرط بالثورة أو تلكأت بالانخراط واثاقلت إلى أن قبضت مبالغ ثمناً لحملها السّلاح تبرعت بها زعامات عشائريّة وطنيّة ثوريّة . فالتباهي بالثورية في الأهازيج العشارية يتواتر لا لأجل استذكار الروح الوطنية بالدرجة الأساس بل للتباهي بالشجاعة القبلية والفخر بالأصول وعراقة المشيخة لأسر وبيوت قبلية دون غيرها مما يدلل بوضوح على تآكل الروح المدنية وانتكاسة المجتمع نحو الانقسام المذهبيّ والعشائريّ . إنّ السَّردية الانتقائية لأحداث الثَّورة بإعلاء الدينيّ على العشائريّ الشّعبيّ في إدارة الثّورة وزعامتها أو بإعلاء أسبقية المشاركة المذهبيّة في أوّل أحداث الثّورة على مشاركات لاحقة أو تقليل من نسبة المُشاركة هو تنكّر لقيم الثّورة ورمزيتها الوطنية وهُويتها المدنية في رؤيتها لشكل الدولة .
إنَّ خطاب التخوين في الأنظمة الحاكمة السابقة للفئات التي لا تُدين للحاكم بالولاء واتهامها بالتبعية كان واحداً من أهم الأسباب في تلك السّرديات الانتقائية لإثبات الرّوح الوطنية لجهة ما ، وبسبب صراع تلك الأنظمة مع المؤسسات الدينيَّة عمدتْ في مشاريع سينمائية وأفلام وثائقية حول تاريخ الثورة إلى تجاهل الدور المحوري لرجال الدين وتجاهل جغرافية الثورة في الفرات الأوسط ، والأمر هو هو في الحقبة الرّاهنة إذ نجد أن كثيراً من الأفلام الوثائقية حول ثورة العشرين قد أعملت إزميلها في استبعاد الانتلجنسيا المدنية المثقفة وارتباطاتها العربية مع ثورة الشَّريف بن الحسين والتنسيق مع أنجاله لا سيما الملك فيصل واكتفتْ تلك الوثائقيات الجديدة بالاهتمام بإبراز دور رجال الدين وبعض الزَّعامات العشائرية في جغرافية انتقائية أيضاً لا تستوعب جميع أحداث الثورة. وثورة العشرين كانت تسمى في الأصل ب(الثورة العراقية الكبرى) في الأدبيات المحايثة لزمن الثورة وتحولها إلى التسمية ب (ثورة العشرين) يكشف في ضوء المنهج النقدي لتحليل الخطاب (لنورمان فيروكلف) عن واحدة من أهم أدوات التضليل وسوء استعمال السلطة من قبل القوى السياسية الحاكمة ، فالأنظمة غير الديمقراطية الناشئة من الانقلابات العسكرية التي تستمد شرعيتها من فكرة الثورة تسمي الانقلاب ثورة ، ولا تكتفي بذلك ، فثورتها وحدها( ثورة تموزالمجيدة) دون كل الثورات الوطنية ورسمت عهداً زاهياً بإنجازاتها غير المسبوقة فكيف تسبقها ثورة تُسمى بـ (الثورة الكبرى) ! وأغلب الظن أن الإخراج في فلم ( المسألة الكبرى) قد اضطر إلى تغيير مفردة الثورة واستبدالها بمفردة ( المسألة) لهذا السبب. وإذا وُظّفت مقتربات بول ريكور في (السَّرد والهُوية) وجرى تناول ذكرى ثورة العشرين في سردياتها المختلفة بتلك المقتربات التأويلية فإن الناظر ينتهي لنتيجة مؤسفة جداً تتجلى بأن الهُوية التي يشكلها السّرد وارتكازها على ثنائية الأنا والآخر إذ لا يمكن للأنا أن تتشكل من غير آخر مختلف أقول تتجلى تلك الهُوية بآخر غير الإنكليزي المستعمر المحتل ،فالآخر يتشكل في سرديات انقسامية مختلفة ، فالمفارقة أن الآخر هو عراقيّ وطنيّ ولكنه آخر عراقيّ عشائريّ ، أو آخر عراقيّ مذهبيّ أو آخر مدنيّ غير دينيّ، أو آخر عراقيّ مناطقيّ في النزاع على مجد وطنيّ وليس آخر مستعمراً تشكله إرادة التحرر والاستقلال بل آخر وطنيّ تشكله نزعه التّغالب التي هي سمة من سمات الشخصية العراقية من رواسب البداوة في تحليل الورديّ لها. إنَّ كثيراً من الأسباب بل الأمراض الاجتماعية للهزيمة في ثورة العشرين تتناسل وتعيد إنتاج نفسها على طوال حقب وعقود زمنية بعد الثورة ، ويمكن التدليل عليها من خلال تحليل الخطاب الوطنيّ المستعيد لذكرى هذه الثّورة مما يؤكد فاعلية منهج الورديّ في تحليل الشَّخصيّة العراقيّة وتناشزها القيميّ ولاسيما اعتماده الشّك بالمرويات التّاريخيّة وركونه إلى النّظر النّسبيّ وتعدد التّفسيرات ، وكان من قبلُ قد أفصح عن الأطر المعرفيّة لمنهجه في كتابه (مهزلة العقل البشريّ) في الشّك والنّسبيّة ونقده لمركزيّة الجدل والتّفكير الأرسطيّ وهو منهج يتلاءم مع مقتربات(ما بعد الحداثة ) وإن لم يذكرْ الورديّ مرجعياتِه الغربيّةّ في الحفر الاجتماعيّ والتاريخيّ لكن ممارسته الإجرائيّة النّقديّة الاجتماعيّة تبرهنُ على ذلكَ .
*باحث وتدريسي بجامعة بغداد .





