مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة في هايكو أسامة أسعد (هكذا …و ثمّ) – تغريد نديم عمران

في هذا الهايكو ذي البنية الأحادية (إيتشيبوتسو) للشاعر أسامة أسعد:
يا أوراق الخريف
مهما طيّرتك الرياح
سيطمرك الثلج قريباً

يبني الشاعر نصه من عناصر قليلة جداً: أوراق الخريف، الرياح، والثلج. ومن هذا الاقتصاد اللغوي تتشكل صورة طبيعية مألوفة، لكنها مشبعة بالإيحاء.
يفتتح النص بنداء مباشر: «يا أوراق الخريف»، وهو نداء يضفي على المشهد شيئاً من الألفة والحميمية، ويجعل القارئ يتابع حركة الأوراق كما لو كانت مخاطَباً حاضراً أمامه.
في السطر الثاني تتحرك الأوراق مع الرياح، فتبدو خفيفة ومتبعثرة في الفضاء. غير أن السطر الأخير ينقلنا إلى المشهد التالي زمنياً: «سيطمرك الثلج قريباً». هنا يأتي الثلج بوصفه جزءاً من تعاقب الفصول؛ فبعد الخريف يقترب الشتاء، ومعه تختفي الأوراق المتناثرة تحت الغطاء الثلجي.
تكمن جمالية النص في المقابلة بين حالتين متجاورتين: حركة تصنعها الرياح الآن، وسكون يلوح في الأفق مع اقتراب الثلج. فالهايكو يلتقط لحظة عابرة من دورة الطبيعة، ويضعها ضمن سياق زمني أوسع يربط بين فصلين متعاقبين.
كما أن اختيار الثلج يمنح الخاتمة قوة بصرية واضحة؛ فالقارئ يتخيّل انتهاء حركة الأوراق، ويرى أيضا البياض الذي سيغطيها. وهكذا ينتقل المشهد من التبعثر في الهواء إلى الاستقرار على الأرض في صورة هادئة ومكثفة.

إنه هايكو بسيط في لغته ومشهديته، يستمد أثره من ملاحظة دقيقة لتحولات الطبيعة، ومن التوتر الخفيف بين ما يتحرك الآن وما ينتظره من تحول قريب.
و لعل أجمل ما فيه أنه يحقق ما يدعو إليه الشاعر في مقولته الشهيرة: «فلسِف الهايكو ولا تتفلسف فيه». فالنص لا يغادر بساطة المشهد الطبيعي، لكنه يترك للقارئ أن يرى فيه ما يتجاوز الأوراق والثلج إلى الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي تمضي به رياح الحياة في اتجاهات شتى، بينما يظل التحول الأخير جزءاًمن دورة الوجود التي لا يستثنى منها أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading