ما الكافّة والمكفوفة: أثر الحرف في تغيير الوظيفة النحوية بين آراء البصريين والكوفيين:عماد خالد رحمة – برلين

تُعَدُّ ظاهرة الكافّة والمكفوفة من أدقّ الظواهر النحوية في العربية، وأجلاها دلالةً على مرونة هذه اللغة العجيبة وقدرتها على تحويل الوظائف الإعرابية للأدوات والحروف دون أن تفقد انسجامها التركيبي أو جمالها البياني. وقد شغلت هذه الظاهرة أذهان النحاة واللغويين منذ نشأة الدرس النحوي، لما يترتب عليها من تغيّر في العمل والإعراب والاختصاص، حتى أصبحت باباً مستقلاً في كتب النحو واللغة.
والمقصود بـ ما الكافّة تلك “الما” التي تدخل على بعض الحروف أو الأفعال فتمنعها من أداء عملها الأصلي، أما الحرف أو الفعل الذي مُنع من العمل بسبب دخولها عليه فيسمى المكفوف.
الكافّة مع إنّ وأخواتها
من أشهر مواضع الكفّ دخول “ما” على الحروف المشبهة بالفعل، وهي: إنّ، وأنّ، وكأنّ، ولكنّ، وليت، ولعلّ.
فالأصل أن تعمل هذه الحروف النصب في الاسم والرفع في الخبر، فنقول:
إنَّ زيداً قائمٌ.
فـ”إنَّ” حرف مشبّه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر:
زيداً: اسم إنّ منصوب.
قائمٌ: خبر إنّ مرفوع.
وقد استدل النحاة على اختصاص “إنّ” بالجملة الاسمية بأنها لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر.
لكن إذا دخلت عليها “ما” الكافّة بطل عملها واختصاصها، فأصبحت صالحة للدخول على الجمل الاسمية والفعلية معاً.
فنقول:
إنما زيدٌ قائمٌ.
فـ”إنما” كافة ومكفوفة، و”زيدٌ” مبتدأ مرفوع، و”قائمٌ” خبر مرفوع.
وكذلك قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
ففي قوله: إنما يوحى إليّ دخلت “إنما” على جملة فعلية، ولو بقيت “إنّ” عاملة لما جاز ذلك؛ لأن عملها يقتضي الدخول على الجملة الاسمية.
وفي قوله:
إنما إلهكم إلهٌ واحدٌ
فـ”إلهُكم” مبتدأ مرفوع، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و”إلهٌ” خبر المبتدأ، لأن “إنّ” كُفَّت عن العمل بـ”ما”.
الكافّة مع حروف الجر
ولا يقتصر أثر “ما” على الحروف المشبهة بالفعل، بل يتعداه إلى بعض حروف الجر، فتمنعها من الاختصاص بالأسماء.
ومن أشهر ذلك:
ربما
الأصل أن “ربَّ” حرف جر يفيد التقليل أو التكثير، نحو:
ربَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ.
فلما دخلت عليها “ما” الكافّة قيل:
ربما ينجح المجتهد.
فكُفَّت “ربَّ” عن الجر، وأصبحت تدخل على الجملة الفعلية.
ومن الشواهد القرآنية:
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
كما
الأصل أن الكاف حرف جر، نحو:
أنتَ كالبدرِ.
فلما اتصلت بها “ما” الكافّة في بعض المواضع اتسع استعمالها، وصارت تؤدي وظائف تركيبية أرحب من مجرد الجر.
وقد أشار النحاة إلى أن “ما” هنا أزالت عن الحرف شيئاً من اختصاصه بالأسماء، فأتاحت له الاتصال بتراكيب أوسع.
الكافّة مع الأفعال
ومن لطائف العربية أن “ما” لا تكف الحروف وحدها، بل قد تلحق بعض الأفعال فتغيّر مجال استعمالها.
فنقول:
قلَّما ينجح الكسول.
طالما انتظرنا الفرج.
كثرما نصح الحكماء أقوامهم.
فالفعل “قلَّ” في الأصل فعل ماضٍ يعمل الرفع في الفاعل، فنقول:
قلَّ المطرُ.
فـ”المطرُ” فاعل مرفوع.
لكن حين اتصلت به “ما” في قولنا:
قلَّما ينجح الكسول.
تحول التركيب إلى أداة تفيد الندرة والقلة، وصار الفعل مكفوفاً عن دلالته الأصلية المباشرة، واتجه التركيب كله إلى معنى جديد.
وكذلك:
طالما انتظرنا النصر.
فالأصل:
طال الانتظارُ.
لكن “ما” أكسبت التركيب معنى الاستمرار والتكرار.
موقف النحاة البصريين
ذهب نحاة البصرة، وفي مقدمتهم سيبويه والمبرّد وابن السراج، إلى أن “ما” في هذه المواضع حرف كفّ وزيادة، وأن وظيفتها الأساسية هي تعطيل العامل عن عمله.
فهم يرون أن:
إنما = إنّ مكفوفة بما.
ربما = ربّ مكفوفة بما.
قلما = فعل مكفوف بما.
ويؤكد البصريون أن أثر “ما” لا يقتصر على إبطال العمل، بل يتعداه إلى رفع الاختصاص، ولذلك جاز بعد “إنما” وقوع الجملة الفعلية والجملة الاسمية.
موقف النحاة الكوفيين
أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد كانوا أكثر توسعاً في تفسير الظاهرة.
فقد رأى بعضهم أن “ما” ليست دائماً زائدة محضة، بل قد تحمل دلالة معنوية تؤثر في التركيب، وأن الحكم بالكف ليس مطرداً في جميع المواضع.
ولذلك أجازوا في بعض التراكيب أوجهاً إعرابية لا يجيزها البصريون، ورأوا أن الاستعمال العربي المسموع هو الحاكم الأول في هذه القضايا.
رأي فقهاء اللغة
أما فقهاء اللغة وأهل البيان فقد نظروا إلى “ما” الكافّة من زاوية دلالية وأسلوبية، فرأوا أنها ليست مجرد أداة نحوية جامدة، بل وسيلة لتوسيع آفاق التعبير.
فـ”إنما” مثلاً تؤدي وظيفة القصر والحصر:
إنما العلمُ نورٌ.
أي: ما العلم إلا نور.
و”ربما” تضفي على الكلام معنى الاحتمال أو التقليل أو التكثير بحسب السياق.
أما “قلما” و”طالما” و”كثرما” فتمنح العبارة قوةً دلالية واختصاراً بيانياً لا يتحققان بالصياغات المطولة.
خاتمة
إن ظاهرة الكافّة والمكفوفة تمثل نموذجاً بديعاً لعبقرية العربية؛ إذ يتحول حرف صغير هو “ما” إلى قوة نحوية قادرة على تعطيل العمل، وإزالة الاختصاص، وتوسيع دوائر الاستعمال، وإغناء المعنى البلاغي. وقد اختلف البصريون والكوفيون في تفسير دقائقها، غير أنهم أجمعوا على أنها شاهد ناصع على مرونة العربية وثرائها، وأنها تكشف عن التفاعل الخلاق بين البنية النحوية والدلالة البيانية، حيث لا يكون الحرف مجرد صوت عابر، بل أداة فاعلة في تشكيل المعنى وصناعة الجمال اللغوي.





