مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

محمود درويش والوطن الشعري: بين التوحد والحرية في النص✍️عماد خالد رحمة – برلين

صورة لرجل في بدلة رسمية، يظهر بشكل احترافي مع تعبير وجه ودود، خلفية غامضة.

يقول غوته في الديوان الشرقي: «من يود فهم شاعر، فليذهب إلى بلاد الشاعر». هذه العبارة ترسم مدخلاً أساسياً لفهم العلاقة بين الشاعر وبيئته، بين النص وذاكرة المكان، بين الإبداع والواقع. لكن ماذا إذا كان الشاعر متوحداً مع بلاده لدرجة يصعب معها الفصل بين الذات والوطن؟ وهل يمكن أن نفهم شاعرًا مثل محمود درويش دون أن نرى فلسطين كاملة في وجهه، وكأن كل كلماتها متجلية في نبرة صوته، وفي كل حرف من نصوصه؟

_ الشاعر والوطن: وحدة لا تُفصل.

في حالة درويش، لا نجد انفصالاً بين الشاعر والبيئة، بين الكاتب والوطن، بل وحدة عضوية تجعل من فلسطين، كأرض وشعب وذاكرة، عنصراً فعالاً في الشعر ذاته. قصيدته الشهيرة على هذه الأرض ما يستحق الحياة ليست مجرد نص شعري، بل إعلان وجودي، تأكيد على أن الشعر، عنده، هو تأسيس للوجود، وفعل إنشائي للعالم بالكلمات. الشاعر في هذا السياق ليس مجرد راوٍ، بل صانع ومؤلف وراصد وفاعل، يكتب الوطن شعراً ويعيد بناءه بالكلمة.

هذه الوحدة العميقة تجعلنا أمام سؤال مركزي: هل يمكن فصل الشاعر عن بلاده، أم أن فهمه يتطلب التوحد معه ومع تربة وطنه، مع تاريخه ومصيره ومقاومته؟ في درويش، تكون الإجابة واضحة: أي محاولة للفصل تفقد النص روحه وتنهش في جذر معناه.

_ الشعر بين الإيحاء والدهشة:

الشعر عند درويش ليس مجرد ترتيب للكلمات، بل هو فعل تفاعل مع الواقع والطبيعة والوجود. ينشأ من الإيحاء الشعري، ومن أصوات الأرض، وربما من “غواية الشعر وسحره”، التي توقظ الحنين إلى البدايات الأولى للإبداع والتأسيس. الشعر إذن هو لحظة لقاء بين الدهشة والوجود، بين التجلي والوعي، بين الفلسفة واللغة. وهنا يتقاطع الشعر والفلسفة، حيث يدرك كل منهما أن المعرفة والإبداع لا يولدان من الرؤية المحسوسة وحدها، بل من الإشراق اللحظي، ومن القدرة على اقتحام المجهول.

إن هذا الفعل الإبداعي يذكرنا بموقف أفلاطون، الذي طرد الشعراء من جمهوريته خشية تأثير الدهشة الشعرية على النظام العقلي والسياسي، لأنه يرى أن الشعر يفتح فضاءات لا تخضع للمنطق وحده، ويزرع في النفس حنيناً للحرية وللتأمل.

_ التحرر من القيود: القراءة الشاملة:

لقد حاول النقد، عبر التاريخ، أن يقيد الشعر بعصيّ الأيديولوجيا والسياسة، وأن يضع الشعراء في صناديق مقارنة محدودة، يربطهم بموروث قديم أو بمواقف معينة، بغض النظر عن عمق تجربتهم الإنسانية. درويش كان ضحية هذا الحصار، ليس بسبب واقعه الفلسطيني أو ألم النكبة، بل بسبب محاولة المجتمع الأدبي والنقدي وضعه في قالب ضيق، وتحديد قراءة نصه في أفق أحادي البعد.

هو رفض المقارنة بمعايير مسبقة، سواء مع شعراء سابقين مثل أبي العلاء المعري، أو مع شعراء عالميين آخرين، لأنه يرى أن الشعر تجربة فريدة، اقتحام للمجهول، وأن كل نص شعري يولد من لحظة إشراق لحظية لا يمكن قياسها بمعايير خارجية. الشعر عنده فعل تأسيس، مواجهة للوجود بالكلمة، وممارسة حرية فردية وجماعية في الوقت ذاته.

_الشعر كفعل إنشائي:

الشاعر ليس مجرد مراقب، بل منشئ للوجود. الكلمات عنده ليست وصفاً أو تسجيلًا للأحداث، بل وسيلة لإعادة بناء العالم، صياغة الواقع، واستدعاء الأحاسيس والذكريات الجمعية. الشعر لحظة كشف وانكشاف، لقاء بين الحواس والروح، حيث يتحول كل صوت وكل صورة إلى كائن حي يشارك في بناء النص وفضاءه.

إن هذا التأسيس الشعري يجعل من قراءة درويش فعلًا رحباً، يتجاوز أي قيد أيديولوجي أو سياسي أو نقدي، ويدعونا إلى استكشاف النصوص في سياقها الوجودي والثقافي، بعقل متحرر من القيود، وبعين تدرك أن الشعر لا يختزل في الكلمات وحدها، بل في اللحظة التي تتجلى فيها الحياة.

_خاتمة:

محمود درويش يجسد تجربة الشاعر المتوحد مع وطنه، لكنه أيضاً يفتح المجال للإبداع الحر، الذي يتجاوز حدود المكان والزمان والسياسة. شعره دعوة لفهم العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الذات والجماعة، بين اللغة والوجود، وبين الدهشة والتأسيس. القراءة الشاملة لدرويش، إذن، ليست مجرد قراءة نصوص، بل رحلة إلى قلب الوطن، إلى نبع الشعر، وإلى لحظة إشراق تتجدد في كل مرة نقرأ فيها كلماته.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading