الخالة فطوم – بقلم بلعربي خالد – مونودراما

الجزاء الاول
في قلب العمارة، حيث تتقاطع الحياة اليومية مع صمت الجدران، تنشأ دراما خفية لا يراها أحد. “الخالة فطوم والدرج العظيم” ليست مجرد حكاية عن عاملة نظافة، بل مرآة ساخرة تعكس عبث النظام، غياب المسؤولية، وتراكم اللامبالاة. من خلال مكنسة مكسورة وكلمات حادة، تنكشف طبقات مجتمع يعيش في شقق مغلقة، يكتب الحب على الجدران، ويرمي ذاته في القمامة.
هذه المسرحية تسائلنا: من ينظف آثارنا حين نغيب؟ ومن يقرأ عناوين رسائلنا حين نكتبها على عجل؟ إنها دعوة للتأمل في معنى الحضور، في قيمة العمل غير المرئي، وفي صراع الإنسان مع نظام لا يراه .
الشخصية الوحيدة:
الخالة فطوم، عاملة نظافة في مؤسسة الإسكان. امرأة تجاوزت الستين، حادة اللسان، عميقة النظرة، تتحدث إلى نفسها، إلى الجمهور، إلى الأرواح التي تسكن العمارة.
المكان:
(درج إسمنتي متسخ في عمارة شاهقة، صباح باهت، رائحة رطوبة، صوت بعيد لمكنسة كهربائية والمصعد لا تعمل .)
الخالة فطوم تكنس الأرض بمكنسة مكسورة، تتوقف فجأة، تنظر إلى الجمهور، وتبدأ الحديث.
الخالة فطوم:
أهلاً بكم في درجنا الوطني… حيث تُقاس الحضارة بعدد الأكياس المرمية، وتُقاس الأخلاق بعدد الأحذية الموحلة.
(تضحك ضحكة قصيرة، ثم تتنهد).’
أنا فطوم، عاملة نظافة، لا شهادة لي إلا في الصبر، ولا راتب لي إلا في الشتائم.
كل صباح، أبدأ معركة جديدة ضد سكان لا يعرفون الفرق بين السلم وسلة المهملات.
(تتقدم خطوة، ترفع كيس قمامة.)
هذا، يا سادة، ليس فنًا معاصرًا.
هذا بقايا بيتزا، عظام دجاج، وعلبة سجائر فارغة.
كلها مرمية هنا، على الدرج، كأنهم يقولون: “نحن نعيش، وأنتم تنظفون.”
(تجلس على الدرجة، تتأمل السقف.)
الرمشي، ساعي البريد، جاء اليوم كعادته.
يحمل الرسائل، الإخطارات، الفواتير، وربما بطاقة تهنئة من وزارة لا تعرفنا.
يسألني: “هل يسكن أحد في الطابق الرابع؟”
أجيبه: “يسكنون، لكنهم لا يدفعون.”
يظنون أن تجاهل الإيجار يلغي المسؤولية.
يا لهم من فلاسفة!
(تنهض، تلوّح بالمكنسة كأنها عصا سحرية.)
أنا والرمشي، حارسان في مسرحية عبثية.
هو يوزّع الأوراق، وأنا أكنس آثارها.
نحن نعمل في نظام لا يرانا، لكنه يطلب منا أن نكون غير مرئيين، نظيفين، صامتين.
(تتوقف، تنظر إلى الجمهور.)
هل تعرفون كم راتبي؟
يكفي لشراء مكنسة كل سنتين، وعلبة شاي كل شهر.
أما السكان؟
يرمون القمامة، يشتكون من الرائحة، ويطالبون بالنظافة.
لكنهم لا يعرفون أن النظافة تبدأ من العقل، لا من المكنسة.
(تضحك، ثم تمسح الأرض بحركة بطيئة، كأنها ترسم دائرة عبثية لا نهاية لها.)
(إضاءة خافتة، صوت قطرات ماء من القبو، يسدل الستار.)
الجزء الثاني
نفس الدرج، لكن أكثر اتساخًا، أكثر صمتًا، وأكثر أسرارًا.
(الخالة فطوم تمسح الأرض، تتوقف فجأة، تنظر إلى باب مغلق، ثم إلى الجمهور.)
الخالة فطوم:
هذا الباب؟
مغلق منذ ثلاث سنوات.
المالك في الخارج، في بلاد لا تعرف الطين.
يأتي كل صيف، يفتح النافذة، يلتقط صورة، ثم يعود إلى غربته.
لكن الغبار لا يسافر، يبقى هنا، ينتظرني.
(تتقدم نحو باب آخر.)
وهذا؟
شقة مفروشة، تُكرى كل أسبوع لمراهقين يبحثون عن الحرية في درج ضيق.
يأتون، يضحكون، يصرخون، يكتبون على الجدران:
“سارة كريم”،
“اتصل بي: 07XX…”
ثم يرحلون، ويتركون لي الحب على شكل بقع حمراء على الحائط.
(تضحك، ثم تتنهد.)
الحب في زمن العمارة؟
يُكتب على الجدران، يُهمس في الزوايا، يُنسى في القمامة.
أما أنا؟
أمسح آثار العاشقين، وأقرأ رسائلهم كأنني أرشيف حيّ للقلوب الضائعة.
(تتوقف أمام درج مكسور.)
هنا، جلس الرمشي ذات يوم، ينتظر توقيعًا من ساكن لا يسكن.
قال لي: “كلهم غائبون، لكنهم يتركون مشاكلهم هنا.”
قلت له: “وأنا أكنس الغياب، وأرتّب الفوضى، وأبتسم للهواء.”
(تجلس على الدرجة، تتأمل الجدران.)
الميزين؟
أغنياء، يسكنون في الخارج، لكن يحتفظون بمفاتيح هنا.
شققهم مغلقة، لكن أرواحهم تطل من النوافذ.
أما نحن؟
نسكن في الدرج، نعيش في الانتظار، ونحلم بمصعد لا يعمل.
(تنهض، تلوّح بالمكنسة كأنها قلم.)
أنا فطوم، كاتبة غير منشورة، أكتب على الأرض، وأقرأ على الجدران.
كل بقعة، كل ورقة، كل رقم هاتف…
هو فصل من رواية لا يقرأها أحد.
(تضحك، ثم تمسح الأرض بحركة بطيئة، كأنها تمحو ذاكرة العمارة.)
(إضاءة خافتة، صوت خطوات بعيدة.)
الجزء الثالث
الدرج نفسه، لكن الإضاءة أصبحت أكثر غرابة، كأن الزمن توقف، أو تكرّر.
(الخالة فطوم تقف وسط الدرج، تنظر إلى الأعلى، ثم إلى الأسفل، ثم إلى الجمهور.)
الخالة فطوم:
هل رأيتم يومًا درجًا يصعد ولا يصل؟
ينزل ولا ينتهي؟
هذا هو درجنا.
كل طابق قصة، كل باب لغز، كل ساكن شبح.
(تتقدم نحو باب عليه ورقة مكتوب عليها “مغلق حتى إشعار آخر”.)
هنا يسكن الغياب.
المالك في الخارج، الشقة مؤجرة، السكان مؤقتون، والهوية ضائعة.
كل أسبوع وجه جديد، كل ليلة صراخ جديد، وكل صباح… أنا.
(تضحك، ثم تشير إلى الجدار.)
هنا كتب أحدهم:
“أحبك يا من لا أعرفك.”
ورقم هاتف بلا اسم.
هل هذا حب؟ أم إعلان؟ أم نداء في فراغ؟
(تتوقف، تنظر إلى الأرض.)
الدرج أصبح دفترًا مفتوحًا.
كل بقعة حبر، كل ورقة إعلان، كل علكة ملتصقة…
هي توقيع على عقد عبثي لا أحد قرأه.
(تجلس، تخرج دفترًا صغيرًا.)
أنا أكتب كل شيء.
من رمى القمامة، من صرخ، من غاب، من كتب، من نسي.
لكن لا أحد يقرأ.
كأنني أكتب لتاريخ لا يريد أن يتذكرنا.
(تنهض، تتأمل السقف.)
الرمشي لم يأتِ اليوم.
ربما تعب من توزيع الغرامات.
ربما قرر أن يصعد إلى طابق لا يسكنه أحد.
أو ربما… أصبح مثلنا، جزءًا من الديكور.
(تتقدم نحو الجمهور، تهمس.)
هل تعرفون ما هو العبث الحقيقي؟
أن تنظف درجًا لا يتسخ إلا من الداخل.
أن تكنس آثار بشر لا يتركون إلا الفراغ.
أن تعمل في نظام لا يعرفك، لكنه لا يعمل بدونك.
(ترفع المكنسة، كأنها راية بيضاء.)
أنا فطوم، عاملة نظافة، في مسرحية لا تنتهي.
لكنني اليوم…
أعلن النهاية.
(ترمي المكنسة، تمشي ببطء نحو باب الخروج، تفتح الباب، ضوء ساطع، يسدل الستار.)
نهاية



