مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ودارت الأيّام / من واقع الحياة – جميلة مزرعاني – لبنان

امرأة ترتدي حجابًا أسود وتضع نظارات، تظهر جانب وجهها وسط أوراق أشجار خضراء.

تحت أنامل المزيّن الرّشيقة مكثت تصفّف شعرها الفحمي المسترسل على كتفيها كسحابات أيلول استعدادًا للحظات الوداع المنتظر. كان القلق يدمّر هالات الفرح التي طالما خيّمت على تقاسيم وجهها الباهي بعينين مكحّلتين برّاقتين.شجن يغلي في العروق يسبيها التفكير تنظر إلى نفسها في المرآة على وقع صوت السّشوار تتساءل في سرّها _عشرة أعوام_يا إلهي أنزلْ عليّ صبرًا جميلًا فتُمنّي النّفس: الأيّام تمرّ كالسّحاب لا بدّ أن أنتظر حبّ العمر همست بها نورا بقلب يختلج يراودها قول مأثور: “الحبّ يصنع المعجزات” ما هدّأ من روعها ذكريات القرية حيث تعارفا أثناء العطلة الصّيفية كان يسكن منير بجوار منزلها فوقعت عينه عليها وبدا الإعجاب من الطّرفين حتى أصبحا قريبين كالجلد من العظم ونما الحبّ على سماع أغنية العندليب الأسمر “فكّرني يا حبيبي بالموعد الجميل بليالي اسهرناها وسهروا القناديل” فتلوح ابتسامة فاترة على ثغرها الكرزي ودمعة تجمّدت في مقلتيها يعيدها إلى صوابها صوت المزيّن ينثر السّبراي على خصلات شعرها معلنًا الإنتهاء.فتبدو أميرة فاتنة كحسناوات ألف ليلة وليلة انتصبت شاكرة تمتثل لأوامر قدميها حيث منير يتهيّأ للسفر إلى أميركا لدراسة الطّبّ البشري، حلم راوده منذ نعومة الظفر وقد تعاهدا على تمتين أواصر العلاقة ريثما يتخرّج من الجامعة وتكون قد أنهت دراسة الطبّ المخبري في إحدى الجامعات اللبنانية المشهود لها بالمستوى المرموق أقلعت الطائرة بعد وداع حميم بينهما تاركا عبارات الحبّ تجثم على قلبها كأطواق ياسمين فائحة ووعدًا بالزّواج وحدها الدّموع أخذت طريقها بلا انقطاع. عاشت نورا على أمل يزهر في عينيها كلما لمعت ذكريات الماضي وعهدًا قطعته على نفسها ستنتظره على حرّ الجمر لن تأبه لغضب والدتها الرّافض لما آلت إليه الأمور بودّها أن تفرح بوحيدتها تراها عروسا تخيط لها ثوب العرس بحرير قلبها.وقد تقدّم لنورا الكثير من الشّبان فكيف لا ونورا فتاة جميلة خلوقة أنيقة ومثقفة حلم كلّ من يراها، لكنّه القلب وما يهوى فهي عازمة ماضية في قرارها حتى يفرغ منها الصبر. ومرّت السّنون كالحلم قطعتها نورا بين الجامعة والبيت ومكالمات يوميّة مع حبيب العمر.أشهر قليلة وتتخرّج نورا من الجامعة أغبطها فرحة حلقّت بها في أفق الحلم الواعد بعد خبر بعودة منير من السفر لإجازة قصيرة بعدها يغيب عاما ويعود حاملا شهادة الدكتوراه في الطبّ البشريّ هكذا أنبأها في آخر مكالمة بينهما. وعاد منير من السفر يمضي إجازته مع عائلته في القرية لمرض عضال ألمّ بوالدته،فلم تكن تره نورا إلّا لِمامًا مقدّرة ظروفه. وقبل موعد السفر إلتقيا لساعات تحادثا في شأن علاقتهما على أن ترتّب نورا منزلهما الزّوجي كما ترغب. وجاء اليوم الموعود عاد منير طبيبا بشهادة مرفقة من إحدى الجامعات الكبرى في أمريكا.شعرت نورا أن اللقاء بينهما كان باردا علّلت ذلك بمشقات السفر فكانت تتوقّع أن يهطل على قلبها مكنونات حبّه المختزنة في جيوب .الأعوام.إنتظرت وقتًا حتى يرتاح ويطمئنّ على عائلته. بعدها هاتفته لأصطحابه إلى منزلهما فلم تلق منه حماسا لكنّه أذعن لرغبتها دون أن يكترث لوضع المنزل كثيرا. أثناء ذلك تلقّى اتّصالا وهي تصنع له القهوة التي يتذوّقها مُرّة بالهيل فإذا به ينأى بنفسه بعيدا.يردّ همسًا ويعلو حينا ليصلها الصدى واضحًا بلا لُبس : سأعود قريبا يا حبيبتي. إنتظريني… لعب الفأر في عبّ نورا كادت تسقط أرضا لكنها تمالكت نفسها يغلي الدّم في أحشائها لم تصدّق ما سمعته أذناها.تماسكت كثيرا متذرّعة إنّ الغد لناظره قريب.وفي اليوم التالي رفض تلبية دعوتها على العشاء لحجّة في نفسه قضاها.اغتاظت نورا ولم تنبس ببنت شفة.وجدت نفسها أمام جدر عالية عند بوابة القلب المغلق.تدقّ بيد مرتعشة على أبواب الماضي ولا حياة لمن تنادي.يؤنّبها دويّ صوت أمّها يصفعها كفّ الوفاء .مشت بخطى وئيدة تترنّح مردّدة : ضيّ القناديل والشارع الطويل….. تتهالك على الطريق المقفلة بسواتر الخذلان تختار الصمت الأبديّ بجرعة سمّ قاتلة لتريح القلب المطعون بخنجر الغدر .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading