مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

صلبان الوجع: من انكسار الذات إلى انعتاق المعنى: قراءة لقصيدة “صلبان الهموم لروضة بوسليمي- النّاقدة د. آمال بوحرب

صورة لامرأة مبتسمة ترتدي حجابًا وتجلس على أريكة، تحمل إكسسوارات بسيطة.

——————-

غالبًا ما ينتقل الوجع في الشّعر العربي الحديث من مجرّد إحساس عابر إلى تجربة وجودية مركزية تعيد تشكيل العلاقة بين الذّات والعالم والرّوح والزّمان. وقد أخرج الشّعراء الوجع من دائرة الشّكوى الشّخصية وجعلوه مادّة للتّأمل في أصل الوجود وقانونًا للوعي وفضاءً خصبًا للخلق الشّعري. في قصيدة «صلبان الهموم» لروضة بوسليمي تُحوّل الشاعرة الوجع إلى سياق أنطولوجي فيصبح الاغتراب والهشاشة والغياب أبعادًا تُبنى عليها رؤية روحية وفلسفية للعالم تعتمد على الشّعر كطريق انعتاق وطقوسًا لوجع يتوزّع في فضاءات اللّغة والصّورة والرّمز.

البعد الوجودي للوجع في القصيدة يظهر في قدرة الشاعرة على مواجهة الفراغ والغيب وتحويلهما إلى مادّة وعي. تقول الشاعرة «ساعي بريد الرّوح أدمن صهوة الغياب» وهذه الصّورة تجمع بين الرّسالة والفراغ حيث يحمل السّاعي حملًا من الوجع ويركب صهوة غياب أي فراغًا وجوديًا يُملأ بالتّأمل. في هذا البعد يصبح الاغتراب مدخلًا للإدراك إذ يواجه الضّائع صمت الوجود ويتحوّل الوجع من عبء يُستهلك إلى قانون للوجود يُقرأ من خلاله حضور الذّات في مساحة غامضة من القدر والزّمن.

البعد الوجودي الرّوحي يظهر في قرار الشاعرة تحويل الوجع إلى طريق كشف وانعتاق. تقول «إلى ضفة الانعتاق أمدّ جسرا» فتقترب القصيدة من التّجربة الصّوفية حيث يتحوّل الوجع إلى طريق للتّجاوز أو رمزًا لذات تتأرجح بين الجرح وضفّة الخلاص. تعيد الشّاعرة النّظر في معنى المعاناة والعبور وتستدعي صورًا وطقوسًا تجعل من القصيدة فضاءً يُصلّى فيه الوجع ويُقدّم في قلب اللغة كأنّها مُصلّى للرّوح التي تعيد ترتيب أنفاسها بعد الانكسار.

البعد الجمالي يظهر في قدرة الشاعرة على ترتيب الوجع في بناء شعري متّزن يستعمل اللّغة كمادّة بناء لا مجرّد تعبير. تقول «أشهر في وجهها فتنة القصيد» فيصير الشعر وسيلة مقاومة وتحويل للوجع إلى حكاية ورواية وخاتمة قصيدة تحاول التعافي. تتراصف الصور بهدوء «وفجعتني رماح في أحلامي وإلى ظهري سدّدت خناجر» فتتحول الخيانة إلى رمز بصري ويتحول الوجع إلى بناء شعري يعيد ترتيب الأحداث في سياق أعمق. هنا يصبح الفنّ إطارًا يعاد فيه تشكيل الأشياء وتغدو اللغة كيانًا قائمًا في قلب العاطفة.

البعد الوجودي الإنساني يربط القصيدة بتجربة أوسع للإنسان العربي عبر تاريخه الشعري والسردي. يمكن اعتبار «صلبان الهموم» مثالًا على مقاربة تقارب تجربة عروة بن الورد الذي يحول الهزيمة إلى مجد ويجعل من الجرح علامة للوجود وبين روايات نجيب محفوظ التي تحول الوجع الاجتماعي والنفسي إلى قانون للوعي الفلسفي والإنساني. في شعر عروة تعاد صياغة الهزيمة داخل الكلمة ليصير السقوط انتصارًا معنويًا بينما في روايات محفوظ يُعاد الوجع إلى مستوى التأمل العميق حيث يصبح وسيلة لفهم الإنسان وعلاقته بالزمن والمجتمع.

من خلال هذه النماذج نصل إلى حقيقة أن القصيدة تجربة وجدانية وفلسفية عميقة تحول هزائم الواقع أو التجربة الشخصية إلى مادة للوجود وتعيد تشكيلها في بناء شعري يحمل قلق الكائن المعاصر وبحثه عن الضفة الأخرى. وقد أبدعت الشاعرة في إعادة ترتيب العالم داخل البيت الشعري وجعلت فعل البحث أكثر عمقًا لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا في قلب القارئ هو

هل يمكن أن تصبح كل قصيدة عن الوجع محاولة لبناء جسر إلى ضفة الانعتاق أم أن بعض الأوجاع تظل معلقة في الهواء تذكر الإنسان بأن الوجع في قلب الوجود لا يُحل في قافية ولا يُنجز في بيت بل يُستكمل في صمت واعٍ ما بعده؟

النص

* صلبان الهموم

ساعي بريد الرّوح ،

أدمن صهوة الغياب

ركْبُ العيد ، يقترب من نجع الدّيار

وذا الهلال مازال يلملم إطلالته

مزاج يسكره الذّهول ، من ثوب

البهجة ينسلخ

فيغرق نصف قلبي في دمه

حين أثقلتني صلبان الهموم

فزعت إلى سفح الوجود

أشهر  في وجهها فتنة القصيد

انعتاق من صهيل الآه، يتنزّل عليّ

أجعل من وجعٍ مدسوس حكايةً

ومن سحائب الحسرةٍ روايةً

مرسول ما عاد يغويه شيء

طويت صمتي، وما طويته

ذات الوجع  يلحّ – على قلبي —

يتعتّق  …

وذي هموم مازالت ترهقني

تتمدّد …

وقد خانتني أنفاسي

وفجعتني رماح في أحلامي

وإلى ظهري سُدّدت خناجر

وخناجر …

وذي وعود باهتة مازالت تزهقني

اِستعنت بنداء ناجز بحدّ الودّ

أستدرج هموما غرّها حِلمي

أحوّلها إلى خاتمة قصيدة

تحاول التّعافى

على عتبات محاريب الشّتات السّبعة

تخطّفني غبار تلبّد في الصّحاري

ولا قبس من ظلّ  أغاثني

أفتتح  حصون العزم

أقيم مواسم لمعازف الرّيح 

وإلى ضفّة الانعتاق، أمدّ جسرا

أواصل البحث عن موطئ قدم مريح

أستغيث  بغيث الهوى

أخوض في سيرة فؤاد نازف

يحترق

يحلّق عاليا

يتوه بعيدا

ينكسر …

أصحو من كوابيس التّجنّي

أستلّ من حرير كبدي أشواكا

أزرع الملكوت صبرا

وأنتظر فجر التّجلّي

تراودني نشوة الدّهشة

أدندن ؛ وحرف وما يصنع بي

والمعنى وما في الصّدر يحدث … !!

أجمع العالم في قبضة بيت شعر

أعلّقه في معبدي

أحلم بالخلود في ذاكرة بالحنين ضجّت

تسعفها دموع بها المآقي عجّت…

تدسّ شغفَ نبضي في صدر الماء

بالرّقص ، أدجّج رسائلي

أفخخ بها زحمة  المأسي

أحاجج الظّنون بسبائك الشّمس

أعاود عجن الدّهشة

أخبزها …

أسدّ بها رمق أرواح مازالت جائعة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة