الكلاب الشاردة – أمين الساطي

في البداية ظنَّ أهل القرية أن الأمر مجرد حادث عابر. كلبٌ هائمٌ على وجهه هاجم نعجةً عند أطراف الحقول في قرية زيدة، الواقعة على سفوح جبال الباروك في لبنان، والمطلة على أحراج السنديان والصنوبر الخضراء الممتدة على مدّ البصر حتى سهل البقاع. لكن لم يهتم أحد كثيراً، فالكلاب الشاردة كانت تمرّ أحياناً من هناك.
في الليلة التالية سُمعت عواءات طويلة قادمة من جهة المقبرة القديمة؛ عواءات كثيرة متداخلة، كأنها أصوات قطيع كامل يقوده كلب أسود شرس مسيطر. تُظهر الكلاب عدوانيتها بالنباح والزمجرة حين تشعر بالتهديد، خاصة عندما يقترب أحدهم من المقبرة التي اعتبرتها منطقة تواجدها.
في الصباح وجد جمال، ابن مدير المخفر، عنزته ممزقة قرب السياج الخارجي لبستان التفاح. قال وهو يحدق في السماء:
“يا إلهي، هذه ليست كلاباً عادية، لقد أصبحت متوحشة”.
بعد أيام بدأت الكلاب تظهر في مجموعات منظمة هرمياً عند أطراف القرية. أجساد نحيلة قوية العضلات يغطيها فراء خشن متسخ وباهت نتيجة العيش الطويل في العراء. تتحرك بصمت خلف لقمة العيش، تقودها غريزة البقاء في هذه الأيام القاسية التي قلّ فيها الطعام.
كان رد فعل الأهالي في البداية بسيطاً؛ مُنع الأطفال من الخروج باكراً، وصار الرجال يسهرون عند أطراف القرية حاملين العصي والفؤوس، وملامح القلق تملأ وجوههم.
في إحدى الليالي، بينما كان جمال ابن مدير المخفر عائداً من سهرة عند أصدقائه، خرجت ثلاثة كلاب من الظلام وانقضت عليه. سقط وهو يصرخ من الخوف والألم. ركض بعض الرجال نحوه بالمصابيح والعصي، فتراجعت الكلاب يسبقها هسيس زمجرتها المحتقنة، كاشفةً عن أنيابها الحادة في عتمة الليل، بينما استعرت عيونها ببريق وحشي أحمر، ثم اختفت بين الأشجار.
كانت عائلة أبو محمود النغمة الوحيدة الشاذة في القرية، فقد رأى ربُّ العائلة، العريف في المخفر، في الأمر فرصة ليشفي حقده وغيرته من رئيسه مدير المخفر أبو جمال، متمنياً في أعماقه أن تحدث كارثة لمدير المخفر ليخلفه في منصبه.
قصد أبو محمود دار جمال وقت الظهيرة متفقداً أحواله الصحية في غياب والده، حيث نبش جرح الواقعة الأليمة حين هاجمته الكلاب، محولاً إياه أضحية لتهكم شباب الضيعة، ولا سيما نوال التي يهواها قلبه ويحلم بالزواج منها. كان غرضه من ذلك استثارة كرامة الشباب في عروقه وتوريطه في معركة دامية للثأر من عصابة الكلاب. وفي الوقت نفسه طمأنه أنه في حال استخدامه البندقية الفرنسية الآلية “فاناس” الموجودة في البيت عند والده فسيتمكن بسهولة من القضاء على قطيع الكلاب المتواجد في المقبرة.
بعد يومين، في الصباح الباكر، خرج جمال مع بندقيته الآلية، ومعه أخوه الصغير وابن الجيران ببنادقهما القديمة، متوجهين نحو المقبرة حيث تختبئ الكلاب. كان ضياء الشمس ما يزال خافتاً لا يكاد يبدد بقايا الظلام، مما جعل الرؤية ضبابية وغير واضحة وسط تلك الأجواء المشحونة بالغموض.
ما إن اقتربوا حتى ارتفع العواء.
في تلك اللحظة توحدت غريزة القطيع؛ فالأرض ليست مجرد تراب، بل هي البقاء أو الفناء. أعلنت النباحات المتصاعدة بداية صراع لا ينتهي إلا بمنتصر واحد.
بدأت الظلال تتحرك. خرجت الكلاب من كل مكان: من بين القبور، ومن الحشائش، ومن خلف الشواهد والأشجار. أطلق الشبان النار، لكن الظلام ما زال كثيفاً وخبرتهم في التصويب محدودة. كانت الكلاب أسرع. انقضت عليهم في فوضى من الصراخ والعواء. سقط الأول ثم الثاني ثم الثالث.
قررت الكلاب هذه المرة ألا تتوقف.
اتجهت نحو القرية. داهمت الفلاحين وهم يتوجهون إلى حقولهم دون سلاح، فطاردتهم وركضت خلفهم. وعندما انتهت منهم استدارت نحو بيوتهم. تحطمت الأبواب، وبكى الأطفال، ووقفت النساء وكبار السن عاجزين أمام زحف القطيع الجائع.
عندما مرَّ مسافر في اليوم التالي بسيارته في القرية لاحظ شيئاً غريباً: الأبواب مفتوحة، والشوارع خالية تماماً. لم يرَ إنساناً واحداً، ما عدا بعض الجثث المشوهة التي نهشتها الكلاب والمبعثرة على الطرقات.
كانت هناك مجموعة من الكلاب الشاردة تتجول بهدوء بين البيوت الفارغة.
لقد أصبحت أخيراً سادة القرية.





