مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

أبو فهمي – أمين الساطي

رجل مسن مبتسم يرتدي قميص أزرق، في بيئة داخلية مجهزة بإضاءة دافئة.

هذه قصة حقيقية حدثت مع أخي زوجتي، بلا زيادة ولا نقصان .
لم يؤهله مجموع علاماته في البكالوريا لدخول كلية الطب، في الجامعة السورية، فسقط حلم حياته باكرًا. لم يجد أمامه سوى وظيفة متواضعة في مديرية البريد والهاتف، حيث بدأت حياته تسير على إيقاع رتيب، لولا نافذة صغيرة فتحها على العالم ، بواسطة هاتفه المحمول.

هناك، أخذ يتابع النصائح الطبية على الفيسبوك، ثم لم يلبث أن توسّع إلى التيك توك، فصار يقضي ساعات طويلة يتنقل بين المقاطع والصور والمقالات، حتى بدأ يشعر بأنه يمتلك معرفة لا تقل عن معرفة الأطباء. شيئًا فشيئًا زادت ثقته بنفسه ، وتحول في نظر نفسه إلى موسوعة طبية متنقلة، وتوقع ان يصبح له عدداً كبيراً من المعجبات على صفحته بالفيسبوك .

مع الأيام تحسنت ثقته بنفسه، فصار يحفظ أسماء الأدوية الشائعة، ويربط في ذهنه بين بعض العناصر وفوائدها: المغنيسيوم للعضلات، الحديد لمن تبدو على عيونهم صفرة، وفيتامين “سي” علاج سحري لكل شيء. ثم تجاوز ذلك، فادعى أنه معالج طبيعي، يؤمن بأن الطبيعة وحدها كفيلة بشفاء الإنسان، وأن الأدوية الكيميائية ليست سوى مؤامرة تديرها “حكومة خفية” للحد من أعداد البشر.

ولم يتوقف عند هذا الحد، بل انزلق إلى ما هو أبعد، فراح يخلط بين “العلاج الروحاني” و”الطاقة الكونية”، مدعيًا أنه قادر على شحن الجسد بطاقة إيجابية تعيد له عافيته.

بدأ بمعالجة بعض زملائه في العمل. وتحت تأثير الإيحاء، اقتنع كثيرون بأنهم تحسنوا فعلًا بعد نصائحه. وهكذا، ذاع صيته في محيطه الصغير، وراحوا ينادونه “الدكتور أبو فهمي”، المتخصص في الطب الشعبي والروحاني.

في إحدى المرات، قرأ مقالًا عن الوخز بالإبر في الطب الصيني. فاندفع لشراء مجموعة من الإبر، مع مخطط ملوّن يحدد نقاط الأعصاب في الجسم. ومنذ ذلك اليوم، صار يلوّح بالإبر بثقة، وكأنه يمسك مفاتيح الشفاء.

كبرت شهرته على الفيسبوك، وامتلأت منشوراته بعبارات واثقة تعد بالشفاء التام. ومع أن نصف الشفاء يأتي من ثقة المريض في طبيه الخاص، فقد صدّقه كثيرون وربما شُفي بعضهم فعلًا.

لكن الحياة لا تمضي دائمًا كما يشتهي الإنسان.

في يومٍ ثقيل، استدعاه مديره في العمل إلى منزله، طالبًا مساعدته لعلاج والدته، التي كانت تعاني تضخمًا في عضلة القلب، مما تسبب في احتباس السوائل وانتفاخ ساقيها بشكل مؤلم.

ذهب أبو فهمي، وهو يشعر بنشوة غريبة. هذه فرصة لإثبات نفسه أمام شخصية مهمة.

عاين الحالة سريعًا، ثم تذكر منشورًا قرأه عن البوتاسيوم في الموز ودوره في طرح السوائل. فالتفت إلى المدير، وقال بثقة:
“الحل بسيط… دعها تأكل ثلاثة كيلو من الموز يوميًا.”

تجمّد المدير في مكانه، ثم انفجر غاضبًا:
“أمي لا تستطيع أكل موزة واحدة! هل أنت معالج أم دجّال؟!”

ارتبك أبو فهمي لحظة، لكنه سرعان ما استعاد ثقته، وأخرج حقيبته، ثم نشر مخطط الجسم على الطاولة. بدأ يغرز الإبر في جسد المرأة، نقطة تلو أخرى، بلا تردد، وكأنه يبحث عن الشفاء في كل مكان دفعة واحدة.

كانت المرأة تئن، والابن يراقب بقلق وغضب يتصاعدان.

وفجأة… خفّ الأنين.

اقترب المدير بخطوات متسارعة، وقلبه يرتجف، ظنًّا أن والدته قد فارقت الحياة…
لكن أنينها الخافت كان لا يزال يُسمع.

التفت نحو أبو فهمي، فوجده واقفًا، يتصبب عرقًا، وعيناه مضطربتان، كأن شيئًا ما بدأ يتسلل إلى داخله… لأول مرة.

“هل… هل هي بخير؟” تمتم بصوتٍ متردد، لم يشبه ثقته المعتادة.

لم يُجبه المدير. كان منشغلًا بأمه… التي بدأت حركتها تخف شيئًا فشيئًا.
تجمّد المدير، قبل أن يندفع نحوها، يهزّها بعنف، يناديها، يرجوها أن تستجيب…
لكن جسدها كان قد استسلم بصمت.

رفع رأسه ببطء، وعيناه امتلأتا بالدموع
“ماتت…”

تراجع أبو فهمي خطوة إلى الخلف، ثم أخرى.
راح ينظر إلى يديه… إلى الإبر المغروسة… إلى المخطط الملوّن…
كل شيء بدا فجأة بلا معنى.

“أنا… أنا حاولت…” تمتم بصوت مكسور.

اقترب المدير منه بهدوء مخيف، وقال:

“لا… أنت لم تحاول.”
“أنت جرّبت.”

في تلك اللحظة، دوّى صوت سيارات الإسعاف في الخارج..

أما أبو فهمي،
فلم يعد يكتب شيئًا، على الفيسبوك بعد هذه الحادثة .

وأصبح يجلس في غرفته، يحدّق في هاتفه لساعات طويلة، دون أن يفتح أي تطبيق.

ولأول مرة منذ سنوات…
لم يجد نصيحة واحدة
تنقذه
من نفسه

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading