مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

الخادمة المخلصة – أمين الساطي

صورة لرجل مسن ذو لحية وشعر رمادي، يرتدي قميصاً مخططاً باللونين الأزرق والأبيض، يقف أمام بركة سباحة تطل على منظر بحري.

بعد إجراء عملية جراحية لاستبدال مفصل ركبتها، أصبحت حركة الست ناديا محدودة نسبياً، فما كان من زوجها المهندس المتقاعد، إلا الاتصال بمكتب لاستقدام العمالة المنزلية من إثيوبيا، وما هي إلا ثلاثة أسابيع، حتى وصلت إلى المنزل خادمة إثيوبية اسمها شيكا في العشرينيات، طويلة ذات جسم متناسق، ولها شفتان صغيرتان وعينان سوداوان كبيرتان، وشعر أسود طويل، يضفي عليها مسحة من الجمال الإفريقي.

في الأيام الأولى بدت شيكا أنها خادمة مثالية، على الرغم من لغتها الإنكليزية المكسرة، فهي هادئة، ولا تتعب من العمل، ولا تتململ أبداً، وكل همها الاحتفاظ بعملها الجديد بأي ثمن، فهي بحاجة لترسل راتبها في آخر كل شهر إلى أسرتها الفقيرة في إثيوبيا، وكانت الست ناديا تقول عنها، إنها مثل السحر، ولم تكن لديها فكرة كم كانت محقة في قولها.

في كل ليلة عندما ينام الزوجان، كانت شيكا تمشي حافية في أرجاء البيت، وهي تهمس بكلمات غريبة، حاملة بيدها صحناً صغيراً فيه نبتة تحترق، تشبه البخور ليكون قرباناً تتقرب به من الجن، وكانت قد جلبت هذه النبتة معها من قريتها مرددة بعض التعاويذ بالسومرية لساعات طويلة طالبة من الجن بأن يأتوا لمساعدتها، ما يجعل الهواء يتحرك منحنياً حولها، ومع مرور الليالي، أخذت تلاحظ وميض نور خافت أصفر، وكأنه شيء غير مرئي، بدأ يدخل جدران المنزل.

لاحظت الست ناديا أن هناك رائحة غريبة، تشبه رائحة الصمغ والخشب المحروق، تشمّها عندما تستيقظ في الصباح، لكنها فسّرتها بأنها قد تكون منبعثة من كولونيا رخيصة، تستعملها الخادمة الجديدة، أو أن لجسدها رائحة ذاتية، تعود للون بشرتها السوداء، لم تفاتحها بالموضوع حتى لا تكسر بخاطرها. وفي إحدى المرات وهي جالسة تشاهد التلفزيون، لمحت طيفاً أصفر على يسارها، فالتفتت لتتحقق منه، فلم تجد له أثراً.

أخذت الست ناديا وزوجها يشعران ببعض التغييرات الداخلية، ولسبب غير معروف، أخذت صحة الست ناديا بالتدهور، أما زوجها فبدأت تنتابه رغبة جنسية قوية تجاه شيكا، فالفتاة في العشرينيات، تملك نضارة وجاذبية خاصة، تجعلها مرغوبة في عيني العجوز، لاحظت شيكا نظرات العجوز الشهوانية المباشرة تطاردها طوال اليوم، فأدركت أن الأمور تسير وفق خطتها، وأن كل ما عليها أن تشجعه ليقيم علاقة معها.

استبدت بها الأحلام بأنها ستعيش في مدينة بيروت الرائعة ببحرها وأجوائها، وتتزوج العجوز بعد أن تموت الست ناديا، وتصبح سيدة لهذا البيت، إن كل ما تحتاجه قليل من الجرأة لإغواء العجوز، وأن تستمر في تقديم القرابين إلى الجن، لكيلا يتخلوا عنها في هذه اللحظات المصيرية.

مع الأيام سيطر الحزن والاكتئاب على المنزل، وأصبح أكثر خضوعاً لإرادة شيكا، فالهواء أصبح ثقيلاً، والمرايا تتغشاها طبقة رقيقة من الغبار الناعم طوال الوقت، ما يضطر شيكا لمسحها عدة مرات في اليوم، عندما تدق الساعة الثانية عشرة في كل ليلة، تسمع شيكا همسات خافتة باللغة السومرية، تصدر من الجدران، تتوسل للإفراج عنها، فتجيبها شيكا بأن المهمة لم تنتهِ بعد.

في صبيحة أحد الأيام، استيقظت شيكا على حركة غير عادية بالمنزل، سمعت أصواتاً تصدر من غرفة الست ناديا التي كانت تعاني من أعراض الدوخة وتشويش الرؤية، وتصورت الست ناديا بلحظتها بأن الشغالة شيكا قد وضعت لها سماً بالعشاء، لم تنتظر زوجها، بل طلبت هي بنفسها سيارة الإسعاف لنقلها على وجه السرعة إلى مركز كليمنصو الطبي، وحُمّلت بالسيارة وهي شبه مغمى عليها، بقيت شيكا جالسة طوال الوقت، وهي تتوقع أن يعود العجوز إلى البيت، ليخبرها بأن زوجته قد فارقت الحياة.

بتلك الليلة، بعد أن وصل العجوز إلى بيته متعباً، وذهب لينام، شعر بشيء ثقيل على طرف سريره، وكأن هناك من يجلس عليه، وعندما فتح عينيه وجد شيكا شبه عارية ممددة بجانبه، لقد بدأت بالخطوة الثانية من خطتها، لكن الأمور بالنهاية لم تجرِ كما تشتهي، لقد تمكن الطبيب من إنقاذ الست ناديا من هبوط الضغط المفاجئ، الذي حدث لها في أثناء نومها، لقد أشار التحليل المخبري لدمها، بأن سبب الهبوط يعود لوجود مادة مثبطات الأنزيم المحول للأنجيوتنسين، وهو موجود في بعض الأدوية الخافضة للضغط.

بعد ثلاثة أيام عادت الست ناديا إلى منزلها، يساورها الشك بأن هذه الصبية الإثيوبية قد دبرت هذه الحادثة، على الرغم من معرفتها بأنه ليس من المعقول لهذه الخادمة الجاهلة أن تحصل على هذه المادة، فهي لم تغادر المنزل منذ قدومها ولو لمرة واحدة.

بعد مرور يومين من عودتها، ومن دون أن تخبر زوجها، اتصلت بمكتب استقدام العمالة الإثيوبية الذي جلب شيكا، وأخبرتهم بأنها تمر بظروف مالية صعبة، وأصبحت غير قادرة على دفع راتب الخادمة في نهاية كل شهر، لدهشتها لم يعترض المكتب على قرارها، لكنه أصرَّ بأنه لن يتنازل عن مليم واحد من المبلغ الذي دفعته تكلفة لمصاريف استقدامها، فوافقت على الفور، شعر صاحب المكتب بالسعادة، لأنه سيجد بيتاً جديداً، ويتقاضى تكلفة استقدامها مرة ثانية.

بعد أقل من ثلاثة أيام غادرت شيكا بيت الست ناديا، متوجهة للخدمة في بيت جديد، لم يحاول العجوز أن يتدخل في هذا الموضوع، لأنه كان يشعر بنوع من تأنيب الضمير، وليبعد أي شبهة قد تطوله من زوجته وأهلها. حاولت الست ناديا أن تحلل كيف وصل دواء الخافض للضغط إلى معدتها في تلك الليلة المشؤومة، لكنها لم تجد جواباً لذلك، لكن لاح في فكرها بأن شقيقة زوجها تعاني من ارتفاع ضغط الدم الدائم، وهي تتناول بانتظام.  الحبوب الخافضة للضغط

بعد أسبوع، أتى أخوها ليطمئن عليها فسألها “ هل يعيش زوج شيكا معكم في البيت؟“، فأجابته بأن شيكا غير متزوجة، وأنها قد طردتها من المنزل، ولا يوجد رجل أسود في بيتنا، ثم سألت أخاها: كيف خطر على بالك هذا السؤال، فقال: ”رأيت منذ قليل رجلاً أسود، يقف في نافذة غرفة نومك المطلة على الشارع وأنا قادم إلى هنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading