الذبابة الإلكترونية – أمين الساطي

أنا أعمل سائقاً على سيارة للأجرة، متصوراً نفسي بأنني شخص في غاية الأهمية، وعيبي الوحيد، أنني مدمنٌ على متابعة الأخبار على الموبايل، حتى إنني أمضي أكثر من ثماني ساعات يومياً مبحلقاً على شاشته، أجد لذةً كبيرةً في كتابة التعليقات على صفحتي بالفيسبوك، أفضح فيها مؤامرات الحكومة الخفية التي تحكم العالم، مستعملاً اسماً وهمياً، خوفاً من انتقام الحكومة الخفية، فيما لو عرفت هويتي الحقيقية.
قرأت مؤخراً في موقع نيويورك بوست، على أنه جرى تطوير مسيَّرة صغيرة تشبه الذبابة في حجمها وتفاصيلها الخارجية، ومزوّدة بكاميرا وميكروفون بحجم صغير للغاية، يمكّنهما من التقاط الأصوات والصور، ما يجعلها خياراً مثالياً لمتابعة الأشخاص بسريّة تامة، ونظراً لحجمها الصغير، فلا يمكن ملاحظتها بسهولة من الأشخاص العاديين .
منذ أسبوعين كتبت مقالة على الفيسبوك، شرحت فيها أنه في المجتمع الاستهلاكي الذي نعيشه، يُبنى نمط الحياة على ما يسمى الرخاء الزائف، فالشخص الذي اشترى منزله وسيارته بالتقسيط يعيش مرحلة وهم الملكية، فهو طالما لايزال يدفع الأقساط في آخر كل شهر، فيحق له استخدام البيت والسيارة وليس ملكيتهما، وحين التوقف عن السداد لأسباب خارجة عن إرادته، يخسر حينها البيت والسيارة وجميع المبالغ الضخمة التي دفعها مسبقاً، التي تعتبر في نظر القانون تعويضاً عن استخدام السلعة وعن الفوائد البنكية.
بعد أن كتبتها على صفحتي الوهمية على الفيسبوك، انتابني رعبٌ شديدٌ، لا شكَّ الآن أن الحكومة الخفية ستجهّز عملاءها للإيقاع بكاتب هذه المقالة المهمة، ومعرفة اسمه الحقيقي، لما عدت في المساء إلى بيتي لا حظتْ زوجتي أنني لست على ما يرام، وسألتني عن السبب، فشرحت لها قصة المقالة التي ستزلزل أركان الحكومة الخفية، هدّأت من روعي قائلةً باستهزاء: “إن الحكومة الخفية ليس عندها وقت لقراءة الفيسبوك، وإنني أعيش أوهام العظمة نتيجةً لشعوري المبالغ فيه حول هذا”.
لاحظت بعد يومين أن أعداد الذباب بدأت تتكاثر في المناطق التي أتردد عليها، أخبرت زوجتي بأنني شاهدت صباح اليوم ذبابتين في المطبخ، أجابتني ببرود وتهكُّم، إننا في نهاية الصيف وبداية الخريف، فمن البديهي أن يبحث الذباب عن مأوى دافئ داخل منزلنا نتيجة انخفاض درجة حرارة الجو بالخارج، لطالما كنت أكره هذه اللهجة التي تستخدمها زوجتي معي، لأنها تذكرني دائماً بأنها خريجة جامعية، وتعمل مدرّسةً للرياضيات في المدارس الثانوية، بينما أنا لم أكمل تعليمي الثانوي، ومازلت أعمل سائقاً على التاكسي .
باليوم التالي مباشرة شاهدت ذبابة سوداء في التاكسي، لشدة انزعاجي أوقفت التاكسي مباشرة، وطلبت من الراكب مغادرتها فوراً، لأنني اشتبهت بأنه يعمل للمخابرات المركزية، وأنه أحضر هذه الذبابة معه، وأطلقها بسيارتي، لكي تبقى في داخلها معي، ولتتجسّس على أقوالي، وتنقلها للمنظمات الخفية، أيقنت بأن أذرع الحكومة اكتشفت اسمي، وبدأت فعلياً عملية المطاردة .
في اليومين التاليين، لم أشاهد أي ذبابة، ارتاح بالي، وانتابني نوع من الطمأنينة لم أعهده منذ شهور، ربما أكون قد أخطأت الظنَّ بالزبون الذي أنزلته من السيارة، ولعل وجود الذبابة معنا كانت مجرد مصادفة، ومن المحتمل أن الحكومة الخفية لم تستطع اكتشاف اسمي حتى الآن، فأنا ذكي جداً، لقد اطلعت قبل تسجيل حسابي الوهمي على الفيسبوك، على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقته لتحليل البيانات الضخمة للربط بين الحسابات الوهمية والهويات الحقيقية لأصحابها، وتفاديت جميع الأخطاء والثغرات التي يقع فيها الهواة منتحلو الشخصيات الوهمية على الفيسبوك .
فوجئت بعد أسبوع بوجود ذبابة سوداء مساءً في غرفة النوم، حاولت جاهداً تبرير وجودها معنا في هذا الوقت، إلى أن هداني تفكيري بأنها ربما قد تكون جزءاً من المخطط الذي تحيكه زوجتي ضدي مع الحكومة الخفية، لقد سبق لي أن لاحظت أنها كانت تتودّد أمامي بوقاحة إلى ابن خالتها في أثناء حديثه معها خلال العشاء الذي أقيم في منزل والدها منذ شهر تقريباً.
أنا في الحقيقة لا أحب زوجتي التي تكبرني بعامين، ولست مقتنعاً بشكلها ولا بتصرفاتها، وأعتقد أنها تبادلني الشعور نفسه، لقد تزوجتها من أجل راتبها الشهري الذي يساهم بشكل كبير في تغطية مصاريف البيت، ولو كانت الظروف مختلفة، لكنت قد تزوجت ابنة خالتي الجميلة التي تصغرني بعشرة أعوام، وعشت معها قصة حب رومانسية تشبه أفلام المسلسلات التلفزيونية .
وفقاً لقيمي الأخلاقية النبيلة التي تربيت عليها، والتي مازلت أومن بها، لا يمكن للخيانة أن تمرَّ من دون حساب، بينما زوجتي نائمة بجواري في الفراش، أطبقت بيدي على رقبتها محاولاً خنقها، كانت خطتي تقضي فيما بعد، بأن أتصل بطبيبها الذي يعالجها من ارتفاع ضغط الدم المزمن، وأخبره بأنها ماتت بسكتة قلبية، في الوقت الذي كنت أضغط على رقبتها بكل قوتي، لمحت يدها تمتد إلى تمثال برونزي صغير لحورية البحر على منضدة السرير الجانبية، ثم أحسست بشيء ثقيل يصدم رأسي، ولم أعد أدرك ما يدور حولي، وشعرت بدوارٍ شديدٍ وطنينٍ في أذني، وغبت عن الوعي .
عندما استيقظت، أدركت أنني في مستشفى الأمراض النفسية، شعرت بالعار الذاتي، لأنني أصبحت الآن في نظر الآخرين في مستشفى المجانين، ما أدى إلى انخفاض حاد في تقديري لذاتي، والاعتراف بأن الحكومة الخفية قد فاقتني ذكاءً، لكن على الرغم من كل هذا، فقد نبهت أصدقائي على الفيسبوك، قبل فوات الأوان بخطر الكابوس الذي يتحكم في رقابهم، ومع الأيام سيكتشف الآخرون الأغبياء حقيقة ما كنت أقوله .





