لحظات الندم – أمين الساطي
كان الظلام يخيّم على غرفة المستشفى، ولا يقطع هدوء هذا الجو الثقيل، سوى صوت الإيقاع المتكرر للجهاز الطبي لمراقبة القلب، الذي يحاول أن يبقي عصام مربوطاً بالحياة. رفع نظره ببطء إلى ضوء الفلورسنت الأبيض الباهت فوق سريره، ما زاد من شعوره بالوحدة، وأدرك أن الضوء أخذ يتسرب إلى عقله ويسيطر عليه على الرغم منه، كما فاقمت رائحة هواء الغرفة المعقمة من إحساسه بالكآبة، فخطر له أن ينظر إلى نافذة غرفته، ليخفف من حدة التوتر العصبي الذي يمر به. لا شك أن العالم الخارجي يتابع حياته الطبيعية من دون أن يلتفت إليه، وهو ينزلق نحو الموت تاركاً وراءه هذا العالم الاستهلاكي القاسي الذي سرق منه حياته.
تذكر أيام الشباب عندما كان في العشرينيات، وهو يركض في الصباح الباكر من شقة أهله المتواضعة ليلحق بالباص إلى مكان عمله. لقد عاش حياة صعبة، فاضطر إلى ترك الدراسة بعد أن حصل على الشهادة الثانوية، ليعمل في شركة كبيرة للاستيراد والتصدير. كان يدرك أن حياته ستتحسن بتقدمه في وظيفته وزيادة راتبه.
بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، تضاعف راتبه وأصبح دخله معقولاً، فتجرأ على الزواج من بنت جيرانه لمياء التي كانت دائماً حلماً يمني نفسه به.
من أجل سعادتهما، كان عليه أن يحاول رفع دخله الشهري، فضاعف ساعات العمل الإضافية، وأخذ يقضي أغلب أوقاته في تصريف أعمال الشركة بإخلاص، لكي يحصل على رضا صاحبها، فيزداد راتبه ومكافآته السنوية في نهاية كل عام. كان يبيع ساعات حياته بهدوء، من دون أن يشعر أحد بذلك. لطالما طلبت منه زوجته أن يأخذ إجازة لمدة أسبوعين ليذهبا إلى مدينة إستانبول في تركيا، لزيارة معالمها التاريخية ومتحف آيا صوفيا التي قرأت كثيراً عنه، وليستمتعا بجمال تركيا الطبيعي ومأكولاتها الشهيرة، لكنه كان دائماً يؤجل مواعيد الإجازة لكي يتملص من نفقاتها، كإن خائفاً من المستقبل، لذلك كان يرى أن عليه أن يوفر أكبر كمية ممكنة من النقود من أجل ضمان مستقبل أسرته.
لقد ماتت لمياء منذ خمسة أعوام، وتركته وحيداً مع صدى صوت ضحكتها ولمساتها الناعمة. يا إلهي، كم يشعر الآن أنه بحاجة إليها، لتكون بجانبه في هذا الوقت الرهيب، تمنى في تلك اللحظة لو أنه كان قد سايرها وأعطاها من نفسه ومن وقته ما تستحق، وساعدها لتعيش وتستمتع بحياتها بالشكل الذي كانت ترغب فيه.
دخلت الممرضة الغرفة، وقد رسمت على وجهها ابتسامة اصطناعية تعودت أن توزعها على جميع المرضى، لتشعرهم بالسكون والطمأنينة، وأن الأمور كلها تجري على ما يرام. سألته بلطف؛ فيما إذا كان بحاجة إلى أي شيء، فهزَّ رأسه بالنفي، وخطر له ماذا يمكن أن يسألها؟ كأس من الماء ليروي عطشه من السنين الطويلة الروتينية الجافة التي عاشها وهو يحاول تأمين مستقبل أسرته.
الآن الوقت غير واضح بالنسبة له، لقد تشوّش عقله في اللحظة التي بدأ يعيش فيها ذكريات الماضي مع زوجته، لم يلحظ غروب الشمس وقاده تفكيره من جديد للندم، لأنه لم يعبّر لزوجته عن حبه الجنوني لها، وأنه لم يخبرها بأن كل ما يقوم به من تضحيات هو من أجلها ومن أجل ابنهما رمزي. ربما لعلها كانت تدرك ذلك، بالرغم من أنها لم تفاتحه بهذا الموضوع ولو لمرة واحدة، فوجد بعض العزاء في نفسه، بعد أن انكسرت هذه الصورة المزيفة بداخله عن معنى الحياة التي كان يريد أن يعيشها.
سرح به التفكير بعيداً، وسأل نفسه ماذا يا ترى يفعل رمزي الآن في ألمانيا؟ لقد زاره منذ نحو سنتين بعد أن استقرَّ في برلين، وأصبح طبيباً مختصاً في الأمراض الجلدية، وتزوج من ممرضة ألمانية، كم تمنى لو أنه كان بجانبه في هذه اللحظات ليراه للمرة الأخيرة. ندم لأنه لم يستطع أن يخصّص له كثيراً من الوقت في صغره، ولم يعبّر له بوضوح كم كان فخوراً به، وأن انغماسه الشديد بالعمل قد أعمى بصيرته، وحوّله إلى آلة مبرمجة، تنسجم مع طبيعة العالم الاستهلاكي المحيطة بها.
انحدرت دمعة على خده الأيمن، عندما بدأ صوت جهاز مراقبة القلب يبطئ دقاته، حاول أن يمدَّ يده بسرعة ليضغط الجرس الموجود بجانبه، لكي تحضر الممرضة، وتستدعي الطبيب لإنقاذه، لكن يده لم تتجاوب معه، إنها ضعيفة لدرجة أنه لم يعد باستطاعته تحريكها، فبدأ يتخيّل أن زوجته لمياء واقفة أمامه عند باب الغرفة، ولقد حضرت لتأخذه معها، إنها أمامه الآن، وكل ما كان يتمنى أن يقول لها، كم كان بوده أن يعود معها الآن في هذا العالم ثلاثين سنة إلى الوراء، لتبدأ حياتهما من جديد.






