استغربت من دعوتي أنا وزوجتي لحضور حفلة زار، يقيمها عمُّها، لطرد روح الجنّي الذي تلبس جسد ابنه سعيد، مسبباً له شللاً أفقده القدرة على تحريك قدميه بشكل طبيعي، على الرغم من أنني لا أؤمن بهذه الخزعبلات، لكنني وافقت على الذهاب مع زوجتي رغبةً في التغيير والاستمتاع بألحان وعروض الزار التي طالما سمعت عنها، وهرباً من الملل الذي أعيش فيه، ولربط حالي مع أنا الجماعية لعائلة زوجتي. دخلنا منزل عمّها، كان هناك صالونان مفتوحان على بعضهما بعضاً، وكراسي من الخيزران مصطفة على طول الجدران، توجد بين الكراسي طاولات صغيرة، وُضعت عليها الشموع والحلويات وبعض العملات المعدنية، بعد قليل امتلأت الكراسي بالنساء والرجال، وكان أكثرهم من أقرباء زوجتي. لم يطل انتظارنا حتى دخلت الصالون امرأة طويلة سوداء، ويبدو أنها حبشية يسمونها الكودية، ترافقها ثلاث فتيات، يحملن الدفوف مع رجل قصير يحمل الطبلة، وما أن توسطت الغرفة حتى بدأت مباشرة بالغناء، لتُحدث نوعاً من المفاجأة لدى الجالسين، أخذت الكودية تغني بصوت أجشّ متمايلة مع البنات الثلاث، بأغنية طويلة مملوءه بالتشويق والغموض: يا عمّتي صياد هيلي يا أخت أبي هلا هيلي ابكي ونوحي هلا هيلي يا حرام على هلا هيلي إن التشابه في الإيقاع والوزن بين الأغنية ودقات الدفوف، دفع جميع الجالسين إلى تحريك رؤوسهم في بادئ الأمر طرباً مع الرنات الموسيقية، وكانت للطبلة دقات عصبية تضبط الإيقاع، وتتغلغل في أعماق الحاضرين، كأنها همسات الشياطين، تثير انفعالات مكبوتة، وتطلقها بشكل هزات جسدية جماعية، فيشعرون بالسعادة، لأنهم تحرّروا من الضغوط الاجتماعية التي يعيشونها في حياتهم اليومية. بدأتُ أتأمل الكودية بتمعّن، لقد طلَت وجهها ببعض الخطوط الخضراء والزرقاء، فهيمنت على عقلي غرابة منظر هذه المخلوقة، وتوهمت مثل الآخرين بوجود قدرات خارقة لديها، تحت ضغط الموسيقا، بدأت الانفعالات والتشنجات العصبية تصيب الحاضرين، وأخذوا يتمايلون ويرقصون مع الموسيقا، ولعل الكبت الجنسي الذي يعاني منه أكثرنا قد زاد من حدّة ردود هذه الانفعالات. في هذه الأثناء، أحضروا سعيد على كرسي كهربائي متحرك، ووضعوه في المنتصف، وهو باهت اللون، ويرتجف من الخوف، وبدأت الكودية تدور حوله مع فرقتها وهي تغني بملء حنجرتها، ترافقها أصوات الدفوف، تلعلع في الهواء، لكي يدرك سعيد أنه بحالة مسّ، لأنه تجاوز الخط الفاصل بين عالم الإنسان وعالم الجان، وحالما يدرك ذلك ويعود الى عالم الإنس، فإن الجنّي المتلبس فيه سيغادر جسده، وسيستعيد عافيته، إنها طريقة لمعالجة الوهم بالوهم، ومن الغرابة أنها قد تنجح في بعض الأحيان. الإيقاع سيطر على سعيد، تغلغل خلال قدميه، تسلّق إلى عقله، ونبض في قلبه، وبدأ ينتفض بسرعة غير طبيعية، إن جسمه الآن ينتمي إلى عالم آخر، ليس الحزن ولا الشعور بالمرض والفشل، بل إلى ذلك المجهول الموجود في أعماق نغمة هذه الموسيقا. سمع صوتاً، ليس ضربة الطبلة، ولا صوت الكودية، ولا دقات الدفوف، إنه صوتها، لقد عدت إلينا، ترنّح من المفاجأة، بدأ قلبه يخفق بشدة، أدار وجهه إلى الأعلى، وشاهدها وميضاً على طرف ضوءٍ ساطع، قدماه ما زالتا مشلولتين، ولكنه ارتقى نحو الأعلى، إنها لحظة حريّة، لم يعشها أبداً في حياته، لقد أحدثت هذه الإثارة النفسية نوعاً من التطهير الذاتي في داخله، بدأ الحاضرون يصرخون سعيد، سعيد، لكنّه أغمض عينيه، وانفجرت الدماء من أنفه، وسقط على الأرض مُغمى عليه.