القصة القصيرة

الرغبة الأخيرة – أمين الساطي

7FACFE40 E836 11EC 9310 121A9970CCFD

جلس الرجل العجوز وحيداً على المقعد الخشبي المتهالك في حديقة السبكي العامة، وهو ينظر إلى البحيرة الصغيرة التي تسبح فيها خمس بطات هزيلات مستمتعاً بنسمات العصر الباردة، التي تخترق جسمه وتجعل يديه ترتجفان. لقد ساءت آحواله المادية في الفترة الأخيرة، ولم يعد يستطيع أن يذهب إلى قهوة الفاروق، ليجلس مع أصدقائه المتقاعدين ليشربوا الشاي ويستمتعوا بالأجواء الدافئة المريحة، حتى إنه أصبح يجد صعوبة في تأمين شراء وصفة دواء حبوب الكورتيزون، التي يجب عليه تناولها بانتظام في كل يوم. خطر له أن يبدّد هذا الجو الكئيب في أن يعيش ذكريات الماضي من جديد، فأخرج من محفظته صورة له عندما كان في العشرين من عمره، لما كانت عيناه تلمعان من كثرة شغفه بالحياة وإيمانه بالمستقبل المشرق الذي بانتظاره، لقد مضى الآن أكثر من ساعتين وهو جالس على هذا الكرسي. بدأت الشمس تتأهب للمغيب، وأن عليه أن يغادر الحديقة الآن، ليعود على قدميه إلى منزله قبل حلول الظلام، وزيادة برودة الطقس. مرّ بجانبه طفلان تملأ ضحكتهما المكان، بدأ يلاحقهما بنظراته، وقارنهما بحاله، فقلبه مملوء بأحزان وهموم لا تنتهي، إن أصعب الأوقات هي أن تتذكر أيام السعادة والهناء عندما تكون في أشد لحظات تعاستك. مضت ثلاثة وسبعون عاماً، لا شك أنها فترة طويلة، والآن بدأ وزن السنين يثقل كاهله وينغص عليه رغبته في الاستمرار في هذه الحياة الطويلة المملة. نظر إلى صورته مرة ثانية، وقارنها مع الشابين الصغيرين، فاكتشف أن هناك تشابهاً كبيراً بينهما، قال في نفسه، آه لو أستطيع أن أبدأ من جديد، وأعود شاباً مقابل أي شيء في هذا العالم. تخيل أن واحداً من الشابين قد التقط كلامه، فأجابه لو أنك بدأت من جديد فلن تتذكر أي شيء عن حياتك الحالية، وربما قد تكون البداية غير مشجعة أيضاً، فلا يوجد تأمين في المستقبل للحصول على السعادة. أخذ العجوز نفساً عميقاً، ثم قال أنا لست خائفاً، وطلب من الله أن يحقق رغبته الأخيرة. أغلق عينيه وأبطأ تنفسه، وتصور بداية ولادة جديدة في الحياة، لم يكن يهدف فيها لتصحيح الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها في حياته، بل ليشاهد العالم بعيون جديدة، وليعيش أحداثه بعفوية من دون الالتزام بالخوف من المستقبل، ليقع في الحب من جديد، دون التفكير بعواقب هذا الحب، وليتفاعل مع الحياة على طريقته الخاصة، من دون الاكتراث برأي الآخرين. شعر بعدها بهدوء وسكينة نفسية تغمره، وببرودة تصفع وجهه مثل ريح ربيعية بعد عاصفة ثلجية عاتية، وتلاشت الأصوات، وغمر ضوء أبيض ساطع الحديقة، أحس كأنه في حلم أو موقف ضبابي يفصله عن محيطه، وأن العالم من حوله مصطنع بلا حياة، فتح عينيه مرةً ثانيةً ليتأكد مما يجري حوله، فشاهد الطفلين وهما يبتعدان عنه حتى غابا عن ناظريه، لقد بدأ في الفترة الأخيرة يعاني من نوبات تجعله ينفصل عن الواقع، ولعلها بسبب صدمة وفاة زوجته وهجرة ابنه الوحيد إلى ألمانيا، ثم قال: يا إلهي إن البرد يزداد قسوة، وأشعر به ينخر عظامي، عليَّ أن أتحرك الآن نحو بيتي، فأنا بحاجة إلى أن أمشي ساعة للوصول إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading