اللقاح الأخير – أمين الساطي

انتشر وباء الكوفيد في لبنان بسرعة رهيبة. بالأمس توفي أخو زوجته، وقبله بيومين خالته. أصيب بنوبة هلع، فهرع مسرعًا لتلقي اللقاح المضاد للكوفيد. أما زوجته، فرفضت أخذ اللقاح، ومعها ابنتهما الصغيرة.
في البداية قالوا إنها أوبئة ناتجة عن التغير المناخي. بدا التفسير منطقيًا أكثر من اللازم. لكنه بدأ يلاحظ ظهور حبات حمراء على جلده. وعندما راجع الطبيب، أخبره بأنها حالة مناعية ناتجة عن مهاجمة الخلايا البيضاء للجلد. تسلل الخوف إلى داخله، وخطر له أنها قد تكون نوعًا من السرطان. وعندما سأل الطبيب عن السبب، قال إن هناك بعض الدراسات التي تربطها باللقاح.
عندها خطرت له فكرة جنونية، كان قد قرأ عنها في إحدى المجلات: مرضى في أمريكا أقاموا دعاوى ضد شركات الأدوية. سأل الطبيب:
— ما رأيك بإقامة دعوى ضد شركة اللقاح؟
ابتسم الطبيب بسخرية وقال:
— هل سمعت يومًا عن شخصٍ أقام دعوى ضد الله… وربحها؟
بدأ يلاحظ أشياء صغيرة. الأصدقاء يختفون دون ضجيج، ومدينة بيروت تخفّ فيها الحركة، والمستشفيات لا تعلن أرقامًا حقيقية. وفي ظل هذه الفوضى، تبنت الحكومة برنامج منظمة الصحة العالمية لمكافحة الأوبئة. تطوّع الناس بسهولة. لكن زوجته رفضت مرة أخرى أن تخضع هي وابنته لهذا العلاج الجديد.
إبرة لقاح جديدة… تليها حقن شريحة إلكترونية صغيرة في معصم اليد. حياة أطول، أمراض أقل، معاملات أسهل، هوية وجواز سفر… وكل شيء في جسدٍ واحد.
جلس على الكرسي، ومدّ ذراعه بلا مقاومة. لم يكن خائفًا، بل كان يطمع في حياة أفضل من أجل زوجته وابنته. عندما انغرست الإبرة، شعر بوخزٍ خفيف… ثم سكون.
في الليلة الأولى، وأثناء نومه، سمع صوتًا غريبًا ينبعث من داخله:
“تم الربط بنجاح.”
نهض مذعورًا، أيقظ زوجته، لكنها أكدت أنها لم تسمع شيئًا. حاول أن يغلق أذنيه بيديه، لكن الصوت لم يكن من الخارج.
مع الأيام، أصبح الناس أكثر هدوءًا… أكثر طاعة… أقل إنسانية. الابتسامات متشابهة، والقرارات متوقعة، وحتى الخوف اختفى. وحده كان يشعر أنه خارج النظام.
في أحد الأيام، أعطاه صديقه نسخة من تقرير سري لقرارات المنظمة الحاكمة. قرأ:
“القدرة الاستيعابية المثلى للأرض: خمسمائة مليون إنسان.”
تجمّد الدم في عروقه… لكنه أكمل:
“في المرحلة الأخيرة، كل من لا يمكن ضبطه… يُعاد تدويره.”
رفع رأسه ببطء ونظر إلى المرآة. للحظة… ظن أنه نجا.
ثم جاء الصوت:
“عنصر غير متوافق… جاري المعالجة.”
لم يكن يموت… بل كان يُفكَّك، ببطءٍ محسوب.
بدأت أفكاره تتلاشى… فكرةً بعد أخرى…
أسماء، وجوه، ذكريات… حتى صوت ابنته بدأ يبهت.
حاول التمسك بأي شيء… بأي معنى… لكنه كان ينزلق إلى فراغٍ نظيف، بلا ألم تقريبًا.
وقبل أن تختفي آخر فكرة، ظهر الصوت من جديد:
“تم حفظ الأنماط السلوكية.
سيُعاد استخدامها.”
للحظة أخيرة… أدرك.
لن ينجو…
بل سيُعاد.
لكن ليس كإنسان
في الخارج، مرّت الشاحنة البيضاء كعادتها.
توقفت بهدوء أمام المنزل.
نزل رجال بملابس معقمة، دخلوا دون أن يطرقوا الباب.
في الداخل، كانت زوجته تحتضن طفلتهما في زاوية الغرفة، ترتجف بصمت.
لم يصرخوا.
لم يقاوموا.
كانوا قد سمعوا الإعلان… قبل دقائق
في اليوم التالي، ظهر الإعلان
على التلفزيون الحكومي:
“تم الوصول إلى العدد المثالي.
تم القضاء على مصادر الخلل.
تم تحسين النموذج البشري.”
ثم ظهرت لقطات لأطفال يبتسمون…
بابتسامة واحدة… متطابقة.
في زاوية الشاشة، دون تعليق…
جلست طفلة صغيرة.
كانت تبتسم.
ثم، ببطء شديد…
مالت رأسها، وقالت بصوتٍ خافت، بلا شعور:
“تم الربط بنجاح.”





