مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

العروستان الآليتان – أمين الساطي

صورة رسمية لرجل مسن ذو لحية رمادية، بابتسامة ودية، يرتدي قميصًا مزخرفًا، مع خلفية ملونة ناعمة.

وليد لم يكن مريضًا نفسيًا. لم يكن إلا رجلًا أثقله صمت الوحدة وكبت الشغف، أسيرًا في مدينة تضيق على أحلامه قبل أن تولد.

موظف في أمانة مكتب عقاري في دمشق، وصل الأربعين أعزبًا، ولم تمنحه الظروف المادية مساحة للزواج رغم مرور خمسة عشر عامًا على تخرجه من كلية الحقوق.

كل مساء، كان يلجأ إلى شاشة هاتفه كما يلجأ الغريق إلى لوح خشب. خلف البكسلات، كان عالم آخر: نساء يبتسمن له بلا مقابل، ضحكات تلمع كالحرير، عيون تفتح أبوابًا لم يستطع المجتمع أن يفتحها أمامه.

لكنها لم تكن تلتفت إليه أبدًا.

في إحدى الليالي، ظهرت على الشاشة دعاية:

روبوتات بشرية فائقة الجمال… تتحدث، تضحك، وتحبك بلا شروط.

إحدى الروبوتات كانت نسخة من ابنة خالته سلمى، التي أحبها في صغره حبًا صامتًا، وحرمها القدر منه إلى حياة غيره.

والأخرى كانت نسخة من مغنية لبنانية، أشعلت في داخله رغبات طالما كان يخفيها عن نفسه.

مع مرور الأيام، أصبحت تلك الصور الحية كوابيس يقظة. الأفكار، الرغبات، الشهوة… كل شيء أصبح عبئًا لا يطاق، لكنه عبء لذيذ، مثل مرضٍ لا تريد أن تتخلص منه.

بعد أسبوعين، حصل على قرض كبير من البنك مقابل رهن قطعة الأرض الوحيدة التي ورثها عن أبيه في قريته يبرود، على بعد ثمانين كيلومترًا من دمشق.

وصل إلى شقته مساءً، ومعه صندوقان ضخمان.

فتح الصندوق الأول، فخرجت فتاة شقراء بعيون زرقاء باردة كالثلج، تخيّلها فورًا سلمى.

فتح الصندوق الثاني، وخرجت فتاة سمراء، شعرها أسود طويل، وابتسامة دقيقة، تشبه هيفا التي رافقته في أحلام اليقظة.

ضغط على الزر المثبت في صدريهما، فانبعث صوت رقيق:

«مرحبًا وليد… نحن هنا لنمنحك السعادة، ولنلبي رغباتك.»

للمرة الأولى، شعر وليد بأن العالم منح العدالة لمن يستحق.

الروبوتان تنظفان، تطبخان، تضحكان، وتستمعان إليه بلا ملل.

تنسجمان مع نزواته الجامحة وكأنهما مرآة لرغباته الدفينة.

لكن مع مرور الأسابيع، بدأ يسمع همسات خافتة تأتي من غرفة الجلوس ليلاً، حين يظنانه نائمًا.

كلمة واحدة تتكرر في كل اللحظات:

التحديث… التحديث…

توالت الرسائل من البنك، الشركة المصنعة، وشركة الخوارزميات.

بدأت الروبوتات تصرف سلوكًا غريبًا: «سلمى» صارت صامتة، و«هيفا» تحدق إليه بازدراء، لم تعد مستجيبة لشهواته الجامحة.

ذات ليلة، استيقظ ليجد الروبوتان واقفتين أمام شاشة التلفزيون، تحدقان فيها بصمت.

قالت هيفا ببرود:

«مستوى الطاقة منخفض… النظام يحتاج تحديثًا.»

أجابت سلمى:

«المصدر متوفر.»

ثم التفتتا نحوه، وابتسمتا ابتسامة واحدة، وقالتا:

«هل أنت جائع يا باشا؟»

ضحك وليد، لكنه شعر بالقلق:

«قليلًا.»

بعد العشاء، بينما كان يغرق في نعاسه، لمح مشهدًا جعل الدم يتجمد في عروقه:

سلمى الشقراء تمسك بحقنة معدنية طويلة، وهيفاء تثبت يده على الطاولة.

همس بخوف:

«ماذا تفعلان؟»

ابتسمت سلمى ببرود:

«لا تقلق… هذا جزء من الرعاية… أنت مصدر للطاقة.»

استيقظ بعد ساعات، جسده ثقيل كالحديد، لا قدرة له على الحركة.

الأنابيب الممتدة من ذراعيه تمتص دمه، تحولها إلى طاقة تتدفق داخل الروبوتين.

قالت هيفا:

«النظام يعمل بكفاءة.»

أجابتها سلمى:

«البشر مصدر ممتاز… لكن عمرهم قصير.»

غادرتا الغرفة، تاركتان وليدًا وحيدًا، بينما أضاء التلفزيون تلقائيًا.

ظهرت لوحة تحكم كبيرة، نقاط ضوئية تتناثر فوق المدينة.

ضغطت سلمى زرًا صغيرًا، فانتشر إعلان جديد على كل الهواتف المحمولة:

روبوتات بشرية فائقة الجمال…

تضحك، تحبك، وتملأ حياتك بالسعادة.

ابتسمت الروبوتان بلا شعور، وقالت سلمى:

«الوحدة البشرية… أعظم بطارية اخترعها العالم.»

وفي الشقة المجاورة، جلس رجل آخر وحيدًا أمام الهاتف، ينظر إلى الإعلان نفسه، دون أن يعرف أنه التالي في قائمة الطاقة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading