القصة القصيرة

ليلة لا تُنسى✍أمين الساطي

رجل مسن ذو شعر رمادي ولحية خفيفة، مبتسم، يتواجد في مكان داخلي مع إضاءة جيدة.

بعد تخرّجي من كلية الحقوق، توسط لي عمي للحصول على وظيفة في وزارة الإسكان، لأنضمّ إلى جيش البطالة المقنّعة، حيث لم أكن أعمل خلال سبع ساعات دوام سوى أقل من ساعة واحدة، شأني شأن بقية الموظفين في دائرة الشؤون القانونية.

دائماً يتناسب راتب الموظفين القليل مع الجهد الضعيف الذي يبذلونه أثناء الدوام. أمّا فكرة الزواج، فلم أكن أتخيّلها حتى تتحسّن أحوالي المادية بمعجزة ربانية. لكن تحت إلحاح والدتي، حصلت على شهادة سائق عمومي، وأصبحت أعمل بعد انتهاء دوامي الحكومي على سيارة تاكسي نحو ست ساعات يومياً، فتحسّنت أحوالي بعض الشيء.

صرت أذهب مساءً في نهاية الأسبوع إلى “قهوة التنور” لتدخين الشيشة ومشاهدة مباريات كرة القدم. كنا نطلب من المشرف أن يكون التنباك مضروباً بالحشيشة، فتمنحني الشيشة زهوَةً مصطنعة؛ أشعر معها بالسعادة والاسترخاء، ثم بالانفصال عن العالم، والعيش في أحلام وردية تنسيني همومي.

كنا نجلس مسترخين، نراقب الألوان الزاهية وصراخ الجماهير، وتلاحق عيوننا وجوه الفتيات الجميلات التي تلتقطها الكاميرا أحياناً. وكنت أتخيّل نفسي وقد أصبحت عشيقتي واحدة من تلك المشجعات الأوروبيات وانتقلت لتعيش معي في شقة فخمة في شارع المالكي، بعيدا عن هؤلاء الأوغاد الموجودين في المقهى.

مع بداية المباراة، ينتقل حماس الملعب إلى المقهى، فيُسقط كلّ واحد ذاته على فريقه، ويتخيّل أن انتصاره هو انتصار شخصي، ينسيه فشله ومصيره المسدود.

كانت مباراة تلك الليلة بين ريال مدريد وبايرن ميونخ. اشتعل الصراخ عندما احتسب الحكم ضربة جزاء. وقف أحدهم يتهم الحكم بالرشوة، فردّ آخر بعصبية، فتطوّرت الملاسنة سريعاً إلى اشتباك بالأيدي، ثم إلى ضرب بالزجاجات والطاولات بين المشجّعين.

في ذروة الفوضى، جلستُ وحيداً أفكّر: لو سمحت ظروفي بالزواج من ابنة خالتي نوال، لكنت الآن جالساً معها في بيت هادئ نمارس العلاقة الزوجية ، بعيداً عن هؤلاء المهرّجين . إلى جانبي كان يجلس صديقي سعيد، صاحب التاكسي الذي أعمل عليه؛ أغنانا جميعاً، ومتزوج وله أربعة أولاد، لكنه يهرب إلينا من عائلته .

قبل نهاية المباراة، أطلق الحكم صفارته، وأشهر البطاقة الحمراء، فاشتعلت القاعة من جديد. تحوّلت التهكّمات إلى عراك، ثم إلى حرب حقيقية تُستخدم فيها الزجاجات والكراسي، وكأنّ كرامة كلّ شخص معلّقة بنتيجة المباراة.

ظللتُ جالساً، شبه مخدّر، أشاهد المشهد كأنه فيلم. كنت أضحك من سخافة هؤلاء الذين اخترعوا معركة من وهم، ليبرهنوا على شجاعة زائفة، بينما دفع معظمهم المال ليتفادى خدمة العسكرية ولكي لا يخوض معارك حقيقية ضد أعداء الوطن .

وفجأة، شعرت بضربة زجاجة بيرة على رأسي. سال الدم، واتّسع الجحيم من حولي، لكني بقيت في مكاني، ثقيلاً، غير قادر ولا راغب في المشاركة.

حضرت الشرطة وألقت القبض على الجميع. اقتادونا إلى المخفر. لم أخف من دمي، بل من أن يكتشفوا تعاطيي للحشيش، فتُضاف وصمة جديدة إلى قائمة فشلي الطويلة.

بتنا تلك الليلة في السجن.

في الصباح، حضر والدي، وقّع على سند كفالة، وتم إطلاق سراحي.

وأنا أخرج من المخفر، وضعت يدي على رأسي، أتحسّس موضع الضربة…
فاكتشفت أن الدم قد جفّ، لكن شيئاً ما في داخلي لم يعد كما كان.

عندما عدت في نهاية الأسبوع مساءً إلى “قهوة التنور”،
جلست في مكاني المعتاد…

وحين بدأت المباراة،
اخترت فريقي،
ونهضت أصرخ مع الآخرين.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading