روني ديكارت:مقال في المنهج-من أجل قيادة سليمة للعقل والبحث عن الحقيقة في العلوم-ترجمۃ هيبتن الحيرش
هيبتن الحيرش

نشِر هذا النص سنۃ 1637 وهو للفيلسوف الفرنسي المعروف ديكارت. نترجم العنوان بمقال في المنهج وتمكِن ترجمته بخطاب المنهج أو خطاب في المنهج. هو مصنف صنفَه صاحبه باللغه الفرنسيۃ التي كانت إلى عهده لغۃَ العامۃ، في حين كانت اللاتينيۃ، التي اختارها للتأملات لغۃَ الخاصۃ. تمَكنا إلى حدود الآن من ترجمۃ ثلاثۃ فصول من أصل ستۃ. للإشارۃ فالعبارۃ التي عرِف بها المؤلف، ونقصد عبارۃ: إني أفكر، فإني موجود، التي تترجَم عادۃ كالآتي: أنا أفكر، إذن أنا موجود، والتي صاغها الفيلسوف طه عبد الرحمن كالتالي: انظر تجِد، وهي صياغۃ متداولۃ عند الأوائل من أمثال ابن عربي وابن عجيبۃ الحسني، قد وردت في هذا النص، وقد جاءت في كتاب التأملات، الذي تولينا ترجمته كاملا ونشِر بالمغرب في الآونۃ، بصيغۃ: إني كائن، إني موجود.
المتن:
إذا كان هذا المقال أطولَ مِن أنْ يقرأ دفعة واحدة، فقد يليق تقسيمه إلى أجزاء ستة. في الأول، نظرات متنوعة تمس العلوم؛ في الثاني، قواعد المنهج الأساسية التي بحث عنها الكاتب؛ في الثالث، بعض قواعد الأخلاق التي استنبطها من ذلك المنهج؛ في الرابع، الأسباب التي بها يثبِت وجود الله والنفس الإنسانية، وهي عنده بمثابة الأصول لما وراء الطبيعة؛ في الخامس، ترتيب مسائل الطبيعة التي بحث عنها، وعلى وجه الخصوص شرح حركة القلب من بين إشكالات أخرى تتصل بالطب، وكذلك الفرق القائم بين النفس البشرية والنفس الحيوانية؛ وفي الجزء الأخير، ما هي الأشياء التي يعتقد أنها ضرورية للتقدم أكثر مما مضى في البحث في الطبيعة، وما هي الأسباب التي جعلته يكتب في الموضوع.
الفصل الأول
الحس السليم أعدَل قسمة بين الناس: ذلك أن كل أحد يعتقد أنه يمتلكه، فحتى أولئك الذين يعسُر إرضاؤهم في غيره، يكتفون بما لديهم منه، لا يستزيدون. ولا يصح أن يكونوا جميعا مخطئين في هذا؛ يدل هذا، بالأحرى، على أن ملَكة الحكم، وتمييز الصواب من الخطأ، التي نطلق عليها اسمَ الحس السليم أو العقل، هي من حيث الطبيعةُ متساوية في جميع الناس؛ وهكذا فإن اختلاف الآراء لا يأتي مِن كون البعض أعقلَ مِن البعض الآخر، بل فقط مِن كوننا نوجه أفكارنا بطرق مختلفة، لا نعتبر الأشياءَ ذاتَها. ذلك أنه لا يكفي امتلاك عقل سليم، إذِ الأساس إعماله بطريقة سليمة. إن أصحاب العقول الجبارة قادرون على إتيان الرذائل الكبرى، مثلما هم قادرون على إتيان الفضائل الكبرى؛ والذين يمشون على مهل قادرون على التقدم، إذا هم ساروا في الطريق الصحيح، أكثر من أولئك الذين يهرولون وقدحادوا عنه.
بالنسبة لي، لم أزعم قط أن عقلي أتم في شيء من عقول العامة؛ بل ودائما ما يحصل لي أن أتمنى لو يكون لي فكر ثاقب، أو خيال صاف وواضح، أو ذاكرة قوية، أو حاضرة، كما هو الحال عند البعض. ولا أعرف خصالا غير هذه تفيد في تمام العقل: ذلك أنه بالنسبة للعقل، أو الحس، بما أنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا أناسا ويميزنا عن البهائم، أحسب أنه تام في كل أحد، آخذا في هذا برأي جمهور الفلاسفة، الذين يرون بألا وجود للزيادة أو النقصان إلا بين أعراض، لا بين جواهرِ، أو طباعِ، أفرادِ النوع الواحد.
لكن، لا أخشى من القول بأني أحسب أني محظوظ كثيرا بأنْ وجدتني من شبابي أسلك سبلا قادتني إلى نظرات ومبادئ، بنيتُ عليها منهجا، أعتقد أن لي فيه مندوحة لزيادة معرفتي بالتدريج، ورفعها شيئا فشيئا إلى أعلى مرتبة يسمح بها ضعف عقلي وقصَر عمري. ذلك أني حصلتُ ما حصلت، بحيث أني، بالرغم من الأحكام التي أكَونها عن نفسي، أحرص دائما على الميل إلى جانب الحيطة، لا إلى جانب الادعاء؛ وبالنظر بعين الفيلسوف إلى مختلف أعمال ومشاريع أعمال كل الناس، يكاد لا يوجد واحد منها يبدو لي نافلا لا نفعَ فيه؛ بحيث تحصُل لي أقصى درجات الرضى بالتقدم، أحسب أني أحققه في طلب الحقيقة، وتكبر آمالي في المستقبل، بحيث أني، إنْ وجِد انشغال مفيد ومهم، من بين انشغالات الناس الخلص، أجرؤ على الاعتقاد بأنه هو الانشغال الذي ارتضيته لنفسي.
على أني لست بمنأى مِن الخطأ، ولعلي آخذ شيئا من النحاس والزجاج على أنه ذهب أو ماس. أعلم كم نحن معرضون للخطأ فيما يعرِض لنا، وكذلك كم يجب الشك في حكم أصدقائنا الإيجابي عنا. لكن، من السهل علي أنْ أُظهِرَ، في هذا المقال، طبيعةَ السبل التي سلكتها، وأعرضَ فيه مجرى حياتي في ما يشبه اللوحة، ليتمكن كل أحد من الحكم عليه، ومن خلال ما يصِلني عنه من آراء، أحَصل وسيلة جديدة للتعلم، أضيفها إلى تلك التي أستعملها عادة.
وليس هدفي هنا تلقين المنهج الذي ينبغي لكل أحد اتباعه من أجل قيادة سليمة لعقله، بل أبتغي فقط إبراز الطريقة التي انتهجتها في قيادة عقلي. إن الذين يبادرون من تلقاء أنفسهم بإعطاء الدروس، يحسبون أنهم أحذق من الذين يتلقونها، وإنْ غلطوا في أبسط الأمور، يلامون على غلطهم. وإذْ لا أقدم هذا الكتاب إلا في صورة قصة، أو، إن شئت قلت: في صورة حكاية ، قد يعثَر فيها، من بين نماذج يمكن التأسي بها، على أخرى كثيرة يحق عدم اتباعها، فإني آمل أنْ يكون نافعا للبعض، غير ضار لأحد، وأنْ يقبَل الجميع صراحتي.
تشبعتُ بالآداب منذ صباي، ولأني أقنِعت بإمكان اكتساب معرفة واضحة ومتينة بكل ما هو نافع للحياة، بواسطتها، فقد حصلَت لي رغبة قوية في تعلمها. لكن، ما إنْ أنهيت دراستي، تلك التي في متمها يُحسَب المرء عادةً على العلماء، حتى غيرتُ تماما آرائي. ذلك أني وجدت نفسي محاطا بسيل من الشكوك والأغلاط، بحيث بدا لي أني ما استفدت شيئا، وأنا أبذل الجهد في التعلم، غير الوقوف، أكثر فأكثر، على جهلي. على أني كنت في إحدى أشهر مدارس أوروبا، التي، حسب اعتقادي، إنْ وجِد على وجه الأرض رجال علماء فهم فيها. تعلمت فيها ما يتعلم غيري؛ ولم أكتفِ بالعلوم التي يتم تلقينها فيها، بل تصفحت كل ما وقع في يدي من كتب تتطرق لأغرب العلوم وأندرها. مع هذا، أنا على علم بالأحكام التي يطلقها الآخرون عني؛ ولا أرى أني أقل شأنا عندهم من زملائي، رغم أن بعضهم مهيأ لشغل مناصبِ أساتذتنا. وأخيرا، فإن عصرنا هذا هو، حسبما يبدو لي، من الازدهار والخصب، من حيث العقول الجبارة، كغيره من العصور الخوالي. الشيء الذي يسمح لي بالحكم بنفسي على كل الآخرين، وعدم أخذ ما يقولون على أنه الحق الذي لا جَمجمةَ فيه.
على أني ما كنت أقلل من شأن التمارين المطروحة في المدارس. أدرك أن اللغات، التي يتم تلقينها فيها، ضرورية لفهم الكتب القديمة؛ أن المستطرف من كل فن مستظرف يوقظ العقل؛ أن أحداثَ القصص الهامة ترفع العقل درجات، وأنها تساهم في تشكيل ملكة الحكم متى قرئت بتمعن؛ أن مطالعة جيد الكتب بمثابة حوار مع أصحابها الأمناء من القرون الخوالي، بل وحوار مدروس لا يظهِرون فيه إلا أفضل بنات أفكارهم؛ أن للفصاحة قوة لا تضاهى وجمالا لا يقارن؛ أن من الشعر لحكمة؛ أن الرياضيات لا تخلو من إبداع صالح لإشباع الفضول، بقدر ما هو صالح لتيسير مختلف الصنائع وتخفيف ما ثقل من العمل على الناس؛ أن الكتب التي تعالج الأخلاق تشتمل على تعاليم كثيرة ومواعظ نافعة تحث على الفضيلة؛ أن اللاهوت يرسم طريق الفوز في الآخرة؛ أن الفلسفة تتيح الوسيلة للكلام في كل شيء تقريبا، والحصول على إعجاب مَن هم أقل علما؛ أن القانون، الطب وباقي العلوم تجلب الشرف والغنى للذين يزاولونها؛ وأخيرا، أنه يحسن النظر في كل هذه العلوم، حتى الغيبية منها والزائفة، من أجل تقديرها حق قدرها وتجنب الانخداع بها.
لكن، كنت أحسب أني مَنحت ما يكفي من الوقت لتعلم اللغات، بل ولقراءة الكتب القديمة، وقصصها وخرافاتها. فالتحاورُ مع كُتاب العصور الخوالي والسفرُ عندي سواء. من الجيد معرفة شيء عن أخلاق مختلف الشعوب، من أجل الحكم على أخلاقنا بطريقة صحيحة، وعدم اعتقاد أن كل ما هو مخالف لأنماط تفكيرنا سخيف، ومناف لعقلنا، كعادة أولئك الذين لم يطلعوا على شيء. لكن، عندما يفرِد المرء أكثر مما ينبغي من الوقت للسفر، فإنه يصير في آخر المطاف غريبا في بلده؛ ومَن كان مفرطَ الفضول للأشياء التي جرى العمل بها في العصور الفارطة، يشتد عادةً جهله بتلك التي يجري العمل بها في عصره. علاوة على أن الخرافة تجعل المرء يتصور مجموعة من الأحداث على أنها ممكنة الوقوع وهي غير ذلك؛ وحتى القصص الأكثر وفاء، إنْ لم تغير قيم الأشياء أو تزدها، لتجعلها أدعى لأن تقرأ، فهي على الأقل دوما ما تطمس الضحل من السياقات وأقلها بريقا: من هنا لا يبدو الباقي كما هو في الواقع، والذين يضبطون أخلاقهم على نماذج يستقونها منها، معرضون للوقوع في تهور فرسان قصصنا البطولية، ونشدان أهداف تتجاوز قدراتهم بأشواط.
كنتُ شديدَ الإعجاب بالفصاحة، محبا للشعر؛ غير أني كنت أعتقد أنهما من مواهب العقل لا من ثمرات الدرس. إن الذين يقوون على الاستدلال، يهضمون أفكارهم هضما، بغيةَ جعلها أوضح وأقرب للفهم، يتمكنون أكثر من غيرهم من الإقناع بما يطرحون، وإنْ كانوا لا يتكلمون إلا بكلام أهل بروتانيا السفلى، لم يتعلموا البلاغة قط. وأولئك الذين يخرجون بأروع الإبداعات، يكسونها أبهى الحلل وألطفها، هم أفضل الشعراء، وإنْ كانت صنعة الشعر مجهولة لديهم.
كنتُ أستمتع بالرياضيات على وجه الخصوص نظرا لسطوع حقائقها ويقينيتها؛ لكني ما كنت أتبين بعد وجهَ استعمالها، وإذْ كنت أحسب أنها لا تصلح إلا للصنائع الميكانيكية، فقد كنت أعجب من عدم التوصل إلى بناء شيء رفيع على أسسها المتينة والصلبة. كما كنت، على العكس من ذلك، أشَبه كتب الوثنيين الأوائل، التي تتطرق لموضوع الأخلاق، بقصور شديدةِ الروعة والعظمة، مشيدة على الرمل والوحل. يرفعون الفضائل فوق كل أشياء العالم، لكنهم لا يتحَلون بها بالقدر المطلوب، وما يطلقون عليه عادةً أجملَ الأسماء ما هو إلا تبلد أو غرور، أو يأس أو إبادة (قتل الآباء).
كنتُ أُجِل اللاهوت، وأتطلع، مثل غيري، لارتقاء أسباب السماء؛ لكني إذْ علمتُ، علمَ اليقين، أن الطريق إليها لا يقِل انفتاحا في وجوهِ الذين لا يعلمون عن انفتاحه في وجوه الذين يعلمون، وأن أحكام الوحي، التي تقود إليه، هي من طور غير طور العقل، فإني لم أجرؤ على إخضاعها لأفهامنا الضعيفة، وكنت أعتقد أن إدراك كنهِها لا يكون بغير تأييد من السماء، وأنه من المضنون به على غير أهله.
لن أقول شيئا عن الفلسفة، غير أني، وأنا أرى أنها هُذبت من طرف أجود العقول الموجودة منذ قرون عديدة، ومع ذلك لا يُلفى فيها بَعدُ شيء ليس هو محل خلاف، وبالتالي لا تحيط به الشكوك، لم أُمَن النفسَ قط بالتوصل إلى أفضل مما توصل إليه غيري؛ وأني، وأنا أرى كم يمكن أنْ يكون فيها من آراء متنوعة، تمس الموضوع الواحد، لا يمكن أنْ يصح أكثر من واحد منها، يدافع عنها أشخاص علماء، فإني أكاد أعتبر كل ما هو ظني منها خاطئا.
وأما بخصوص باقي العلوم، بما أنها تستقي مبادئها من الفلسفة، فقد كنتُ أرى بألا إمكان للحصول على بناء متين على أسس هشة. لا الشرف ولا الربح اللذان تعِد بهما كافيان لحثي على تعلمها؛ فبفضل الله، لم أكن أشعر بما يكرِهني على ممارسة مهنة من المهن المتعلقة بالعلوم، طلبا للثراء؛ ورغم أني ما كنت أزدري المجد لذاته، فإني ما كنت أطمح للحصول على ما لا أستحق. وفي الأخير، بالنسبة للعلوم الزائفة، فقد كنت أعتقد من حينه أني أعرف قدرَها بما يكفي لكي لا أنخدع بوعودِ خيميائي، ولا بتوقعات منجم، ولا بدجل ساحر، ولا بحِيل أو ادعاءات أي أحد من الذين يهرفون بما لا يعرفون.
لهذا، ما إنْ سمحَت سني بالخروج من تبعية معَلمي، حتى تركتُ بالتمام دراسة الآداب. وإذْ عزمتُ على التوقف عن البحث عن أي علم آخر، إلا ما قد يوجد في نفسي، أو في كتاب الوجود الكبير، شغلت ما تبقى من شبابي بالسفر، رؤية البلاطات والجيوش، لقاء أناس من طبائع وطبقات مختلفة، مراكمة تجارب متنوعة، اختبار نفسي في اللقاءات التي تتاح لي، والنظر في الأشياء التي تعرِض لي، لعلي أُفيد منها شيئا. فقد كان يبدو لي أني أستطيع مصادفة عدد أكبر من الحقائق في الاستدلالات التي يقيمها كل أحد فيما يخص الشؤون التي تهمه، والتي ما يلبث أنْ يحاسَب عليها إنْ هو أخطأ الحكم فيها؛ كما في تلك التي يقيمها الأديب في مكتبه، فيما يخص النظر الذي لا ينتِج من الأثر سوى مزيد من الغرور يبعده عن الحس المشترك، بما أنه يعمِل العقل أكثر ويستعمل الحيل لجعله محتملا. وقد كانت لي دائما رغبة قصوى في تعلم التمييز بين الحق والباطل، لأتبينَ بشكل أوضح أفعالي، وأسير بثبات في هذه الحياة.
صحيح أني، عندما كنت لا أقوم بشيء سوى النظر في أخلاق الناس الآخرين، لم أكن أجد فيها ما يطمئِنني، بل وكنت ألاحظ فيها من الاختلاف ما كنتُ ألاحظه في السابق بين آراء الفلاسفة. بحيث أن أهم ما كنت أستفيده، وأنا أرى أشياء عديدة باديةَ الغرابة والسخافة لنا، تتلقاها شعوب كبرى أخرى وتتقبلها بقبول حسن، هو أني كنت أتعلم ألا أثق تمام الثقة في ما لم أكن أقتنع به إلا بالاتباع أو بحكم لعادة؛ وهكذا، كنت أتخلص شيئا فشيئا من كثير من الأخطاء، التي كان من شأنها أنْ تحجب نورنا الطبيعي، وتضعِف عقلنا. لكن، بعد أنْ صرفتُ سنوات في دراسة كتاب الوجود ، على هذا الوجه، وفي الاجتهاد لاكتساب نوع من التجربة، فقد قررتُ ذات يوم أن أدرس كذلك نفسي، وأعمِل كل قواي العقلية في اختيار السبل التي ينبغي لي اتباعها. الشيء الذي يبدو لي أني وفقتُ فيه بشكل أفضل مما لو أني لم أفارق بلدي وكتبي.





