مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

روني ديكارت:مقال في المنهج-من أجل قيادة سليمة للعقل والبحث عن الحقيقة في العلوم-ترجمۃ هيبتن الحيرش

الفصل الثالث
ومنتهى الأمر، بما أنه لا يكفي المرءَ، قبل الشروع في إعادة بناء مسكن يأوي إليه، أنْ يهدمه ويتزود بالمواد والمهندسين، أو يتمرن بنفسه على الهندسة المعمارية، علاوة على أنْ يضع تصميما جيدا له، بل يتوجب عليه كذلك أنْ يجد مأوى آخر يمكث فيه خلال الأشغال؛ كذلك، لكي لا أظل مترددا في أفعالي ترددي في أحكامي بما يمليه علي عقلي، ولكي أعيش سعيدا ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فقد كونت أخلاقا أولية تتمثل في مبادئ ثلاثة أو أربعة، أود إطلاعكم عليها.
أولها احترام قوانين بلدي وعاداته، بالتشبث الدائم بالدين الذي نشأتُ عليه بمَن من الله، والاحتكام في كل شيء للآراء الأكثر اعتدالا والأبعد من الغلو، التي يعمل بها أعقل مَن أعايشهم. وبما أني ابتدرتُ من ذلك الحين بعدم إقامة أي اعتبار لآرائي الشخصية، لما كنت أبتغيه من زيادة فحصها، فقد كنت متأكدا بأنْ لا أفضل من اتباع آراء العقلاء من الناس. ورغم وجود عقلاء من بين الفرس والصينيين، فقد بدا لي أنفع أنْ أتأسى بالذين أعيش معهم؛ وأنْ أنتبه لما يفعلون أكثر منه لما يقولون، لمعرفة ما كانت حقيقةُ آرائهم؛ ليس فقط لأن الذين يقولون كل ما يعتقدون قليل ما هم، بل أيضا لأن الذين يجهلون ذلك كثير ما هم، إذْ بما أن فعل التفكير الذي به يعتَقد الشيء، يختلف عن ذلك الذي به يعلَم اعتقاده، فإن أحدهما يكون عادة دون الآخر. ومن بين عدد الآراء المتلقاة بالتساوي، لم أكن أختار إلا أكثرها اعتدالا: فهي الأنسب للعمل، والأفضل على جهة التقريب، إذْ كل غلو عادةً قبيح؛ كذلك لكي لا أحيد عن الطريق القويم، في حال زلت قدمي، بقدر ما أحيد عنه لو اخترت أحدَ الطرفين، وكان الأولى أنْ أتبع الآخر. ولقد وطنتُ النفسَ، على وجه الخصوص، على التقيد بحد إنْ وجدتني بين حدين أو أكثر من حدود الإفراط. لا لأني أرفض القوانين التي تبيح كلمةَ الشرف، مع حضور النية الحسنة، والعهد المكتوب، حضرت النية الحسنة أم غابت، وهما ملزِمان بالوفاء بهما، اتقاءَ تقلب أصحاب العقول الضعيفة، وتأمينا للمعاملات التجارية ؛ لكن لأني ما كنت أرى في العالم من حولي شيئا يدوم على حال، ولأني كنت عازما على تحسين ملكة الحكم لدي، لا جعلها أسوأ، فإني كنت أعتقد أني أرتكب خطأ شنيعا في حضرة العقل السليم بقبولي شيئا، أضطر لأخذه على أنه حسن حتى بعد أنْ لم يعد كذلك، أو أني لم أعد أقدر أنه كذلك.
ثانيها أنْ أكون ما أمكن ثابتا في أفعالي حازما، وأنْ أكون مثابرا في اتباع الآراء المشكوك فيها، إنْ قررتُ اتباعها، قدرَ مثابرتي في اتباعها لو كانت أكيدة؛ سائرا في هذا على منوال المسافرين الذين، متى وجدوا أنفسهم تائهين في غابة، لم يذهبوا في كل اتجاه، ولا توقفوا في مكان واحد، بل ساروا قدما ما استطاعوا في اتجاه واحد، لا يغيرونه لأوهى الأسباب، وإنْ كانت الصدفة هي التي جعلتهم في البداية يختارونه؛ بهذه الطريقة، إنْ لم يذهبوا إلى حيث يريدون، فعلى الأقل يصلون في النهاية إلى موضع قد يكون أفضل لهم من البقاء وسطَ الغابة. وهكذا، فبما أن أعمال الحياة لا تحتمل عادة أي تأجيل، فمؤكد أننا، إنْ لم يكن في مقدورنا تمييز الآراء الصائبة، يجدر بنا اتباع أرجحِها؛ بل وحتى لو لم يرجح عندنا بعضها على الآخر، فيتعين علينا مع ذلك أنْ نثبُت على بعضها، وننظر فيها لاحقا، لا بوصفها مشكوكا فيها، بما هي مرتبطة بالعمل، بل بوصفها بالغة الصحة واليقين، ذلك أن العقل الذي ألزمنا بها هو على هذه الصفة. وكان ذلك قمينا بتخليصي من كل ألوان الندم والحسرات، التي عادة ما تهز ضمائر أصحاب تلك العقول الضعيفة والمتذبذبة، الذين ينقادون للعمل بالأشياء التي يستحسنونها، ثم ما يلبثون أن يستقبحوها.
ثالثها أنْ أجتهد في مغالبة النفس لا القَدر ، وفي تغيير رغباتي لا نظام العالم؛ وعموما، أنْ أتعود على اعتقاد أننا لا نقتدر تمام الاقتدار على شيء اقتدارَنا على أفكارنا، بحيث أن كل ما نخفق فيه، بعد أنْ نكون قد قمنا بما في وسعنا بخصوص الأشياء الخارجة عنا، هو أصلا مستحيل بالنسبة لنا. وهذا وحده كان يبدو لي كافيا لثنيي عن طلب أي شيء في المستقبل لا أتمكن من تحصيله، وجعلي راضيا بما هو متاح لي. وبما أن إرادتنا مجبولة على ألا تطلب إلا الأشياء التي يصورها لها فهمنا على أنها نوعا ما ممكنة، فمؤكد أنه، إذا ما نظرنا إلى كل الخيرات الخارجة عنا على أنها كذلك بعيدة عن متناولنا، فلن نأسف على فوات تلك التي يبدو أننا ندِين بها لنسَبِنا، إذا ما حرِمنا منها دون جرم بدر منا، إلا كما نأسف على عدم حيازتنا لممالك الصين أو المكسيك؛ ومتى جعلنا من الحاجةِ فضيلة، كما يقال، فلن نرغب في أنْ نكون أصحاء ونحن مرضى، ولا في أنْ نكون أحرارا ونحن أسرى، مثلما نفعل الآن بخصوص امتلاك أجسام من مادة لا يلحقها الفساد مثل الماس، أو أجنحة للطيران مثل العصافير. لكني أقِر بأن الحاجة ماسة لتمرين طويل، ولتأمل عادة ما يكون متكررا، للتعود على النظر لكل الأشياء من هذا المنظور؛ أعتقد أنه في هذا بالأساس يكمن سر أولئك الفلاسفة، الذين تمكنوا في السابق من التجرد من سلطان الحظ ومن مزاحمة آلهتهم في نيل أسباب السعادة رغم الآلام والفقر. ذلك أنهم، بالاشتغال دون انقطاع بالنظر إلى الحدود التي رسمت لهم من طرف الطبيعة، فقد اقتنعوا تمام الاقتناع بأنهم لا يقتدرون على شيء اقتدارهم على أفكارهم، وهذا وحده كاف لثنيهم عن التعلق بالأشياء الأخرى؛ وهم مطلقو التصرف فيها، بحيث يحق لهم نوعا ما أنْ يروا أنفسهم أغنى، وأقوى، وأكثر حرية، وأسعد من أي أناس آخرين، ليست لهم هذه الفلسفة، وإنْ حبَتهم الطبيعة بما حبتهم وحباهم الحظ بما حباهم، فليس لهم التصرف فيما يريدون تصرفَهم هم في أفكارهم.
وفي الأخير، كخاتمة لهذه الأخلاق، فقد ارتأيت النظر في مختلف انشغالات الناس في هذه الحياة، لاختيار أفضلها؛ ودون الرغبة في قول أي شيء عن انشغالات الآخرين، اعتقدتُ ألا أفضلَ من المداومة على هذا الانشغال الذي كنت فيه، أي أنْ أصرف كل حياتي في تهذيب عقلي، والتقدم، حسب المستطاع، في معرفة الحقيقة، متبعا المنهج الذي ارتضيته لنفسي . كنت قد بلغت من الرضى غايته، منذ أنْ شرعتُ في استعمال هذا المنهج، بحيث لم أكن أعتقد أنه بالإمكان تحصيل أعذب منه ولا أنقى في هذه الحياة؛ وأنا أقف كل يوم بفضله على بعض الحقائق، التي كانت تبدو لي على قدر من الأهمية، مجهولة على وجه العموم للناس الآخرين، فقد كان اكتفائي به يملأ كياني بحيث أن الباقي لم يكن ليحرك سواكني. علاوة على أن المبادئ الثلاثة السابقة لم تكن مبنية إلا على الخطة التي رسمتها لنفسي للاستمرار في التعلم: فلولا أن الله أعطى لكل منا نورا ليمِيز به الحق من الباطل ، ما كنت لأعتقد لحظة واحدة وجوبَ الاكتفاء بآراء الآخرين، إنْ لم أنبرِ لاستعمال حُكمي الخاص لفحصها، متى حان الوقت، وما كنت لأتخلص من ترددي في اتباعها، لو لم أكن أرجو ألا تفوتني مناسبة الظفر بأخرى أفضل منها، في حال وجِدت. وأخيرا، ما كنت لأتمكن من كبح جماح رغباتي، ولا من بلوغ الرضى، ما لم أتبع طريقا أعتقد أني أكون به مطمئنا لتحصيل كل المعارف الممكنة، تحصيلي، بالوسيلة نفسها، لكل الخيرات الممكن تحصيلها، خصوصا أنه، بما أن إرادتنا لا ترغب في شيء ولا ترغب عنه إلا متى صوره لها فهمنا على أنه حسن أو قبيح، يكفي الحكم الجيد للقيام بالعمل الجيد، وتحري الحكم الأفضل للقيام بالعمل الأفضل، أي لتحصيل كل الفضائل، وكل الخيرات الأخرى الممكن تحصيلها مجموعة؛ وعندما يحصل اليقين بحدوث هذا، فالرضى حاصل أيضا لا محالة .
لما تأكدت بهذا الوجه من هذه المبادئ، ووضعتها جانبا، مع حقائق الإيمان، التي كانت أول ما عقدت القلب عليه، ارتأيت أني، بخصوص كل الآراء الأخرى، أستطيع بكامل الحرية أنْ أعمل على التخلص منها. ولأني كنت آمل أنْ أتمكن من ذلك بالتمام، بمحادثة الرجال أكثر منه بالمكوث طويلا في الغرفة المزودة بموقد، حيث جاءتني كل هذه الأفكار، فما انقضى فصل الشتاء حتى استأنفت السفر. وخلال تسع سنوات التالية، لم أقم بشيء غير التجوال هنا وهناك في العالم، حارصا على أنْ أكون متفرجا لا ممثلا في كل العروض الكوميدية التي تلعَب فيه: وأنا أجيل الفكر، في كل مادة، خصوصا في ما يمكن أنْ يجعلها مشكوكا فيها، ويعرضنا للخطأ، فقد أخذت مع ذلك أستأصل من عقلي كل الأخطاء التي كانت قد تسللت إليه سابقا. لا لأني أقلد في هذا المشككين ، الذين لا يشكون إلا ليشكوا، ويتكلفون التردد: فالبعكس، كان مطلبي الأرض المطمئنة الصلبة، لا الرمال المتحركة . ما نجحت فيه، كما يبدو لي، إلى حد ما، وأنا أسعى لاكتشاف خطأ أو عدم يقينية القضايا التي كنت أفحصها، لا بتخمينات ضعيفة، لكن باستدلالات واضحة ومؤكدة، هو أني لا أصادف قضايا مشكوكا فيها، إلا واستخرجت منها نتيجة على قدر من اليقين، إنْ لم تكن هذه النتيجة أن تلك القضايا لا تحتوى على شيء يقيني. وكما يتم عادة الحفاظ على بقايا البناية القديمة المهدمة للاستفادة منها لبناء أخرى جديدة، كذلك، بهدم كل آرائي التي كنت أجدها مبنية بشكل سيئ، كنت أقوم بملاحظات مختلفة وأكتسب تجارب عديدة، أفادتني من ذلك الحين لإقامة آراء أكثر يقينا. كنت أيضا أداوم التمرن على المنهج الذي افترضته على نفسي؛ ذلك أني، علاوة على أني كنت أعتني على وجه العموم بكل أفكاري حسب قواعده، فقد كنت أخصص من وقت لآخر ساعات، أصرفها في تطبيقه على مسائل رياضية عويصة، وأيضا على مسائل أخرى أتمكن من جعلها شبيهة تقريبا بمسائل الرياضيات، وذلك بفصلها عن كل مبادئ العلوم الأخرى التي لا أراها قطعية الثبوت، وسترون أني قمت بهذا بخصوص مسائل كثيرة مشروحة في هذا السفر. وهكذا، دون العيش، في الظاهر، بطريقة أخرى غير طريقة أولئك الذين، إذْ ليس لهم شغل غير قضاء حياة ناعمة وبريئة، يجتهدون في فصل الملذات عن الرذائل، والذين لا ينسون نصيبهم من الدنيا، يستمتعون بأوقاتهم، يدفعون عنهم الملل، لم أكن أتوانى عن اتباع الخطة التي رسمتها لنفسي، والاستفادة من معرفة الحقيقة، ربما أكثر مما لو أني اكتفيت بقراءة الكتب، أو مخالطة الأدباء.
على أن هذه السنوات التسع انقضت قبل أنْ أثبت على رأي، بخصوص الصعوبات التي عادة ما تكون محل خلاف بين العلماء، وأنْ أشرع في البحث عن أصول فلسفة أكثر يقينا من الفلسفة المعهودة . ومثال كثير من العقول الممتازة التي، وقد سبقتني إلى هذه الغاية، لم تنجح في بلوغها كما يبدو لي، كان يصور لي فيها من الصعاب، ما من شأنه أنْ يثنيني عن مباشرة العمل لو لا أني رأيت البعضَ يشيع أني بلغت منه الغاية. وليت شعري على أي أساس بنوا هذا الرأي؛ وإن كنت ساهمت بشيء فيه من خلال أقوالي، فلعله بالاعتراف الساذج بما أجهل، الشيء الذي لا يفعله عادة أولئك الذين درسوا ولو قليلا، وربما أيضا بإبراز الأسباب التي دعتني للشك في عدد من الأشياء التي يراها الكثيرون يقينية، لا بادعاء مذهب مخصوص. وبما أني لا أطمع في أن يراني الناس بغير ما أنا عليه، فقد كنت أعتقد وجوبَ بذل الوسع لأكون أهلا للسمعة التي لي عندهم؛ ومنذ ثمانية أعوام بالتمام، قد عقدت العزم على الابتعاد عن كل الأماكن التي قد تكون لي فيها معارف، وعلى الاعتزال هنا، في هذا البلد الذي قام فيه نظام مخصوص بفعل طول أمد الحرب، بحيث أن الجيوش المرابطة فيه تبدو كأنها ما وجِدت إلا لينعم المرء بثمار السلم ومثلها من الأمن، ولقد تمكنت من العيش فيه وحيدا، في خلوتي، ما لن أتمكن منه لو كنت في أقاصي الصحراء، وأنا وسط حشودِ شعب كبير، كثير النشاط، اعتناؤه بشؤونه أكبر من فضوله بشؤون غيره، هذا دون أنْ أنسى نصيبي من طيباتِ ما توفره المدن التي ترتادها الجموع الغفيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة