رسالۃ إبيقور إلى مينيسي/ ترجمة: هيبتن الحيرش

هذا نص معلوم للفيلسوف إبيقور( 341-270 قبل الميلاد)، ترجمناه كاملا ونشرناه لأهميته كضميمۃ في كتاب التأملات لديكارت. النص متداول باللغۃ الفرنسيۃ في صيغۃ مستقلۃ، كما أنه منشور ضمن سِفرِ سِير وآراء مشاهير الفلاسفۃ، ج2، لديوجين. نقدمه هنا للقارئ المفترض ليطلعَ عليه إنْ لم يسبِق له أنْ قرأه، وإنْ كان قد قرأه في ترجمۃ عربيۃ أخرى فله أنْ يقارنَ بين الصيغتين ويرجحَ إنْ شاء إحدى النسختين، ويكون بذلك قد ضرب بحجَر عصفورين.
تحيۃ،
يجب ألا يتردد المرء في التفلسف وهو في زهرة العمر، كما يجب ألا يَكَل من التفلسف وهو في خريف العمر.
لا يكون الوقت أبداً مبكراً ولا متأخراً عندما يتعلق الأمر بالعناية بالنفس. مَثلُ مَن يقول بأن الوقت لم يَحِن بَعدُ للتفلسف أو فاتَ، كمثل مَن يقول بأن الوقت لم يَحن أو فات لإدراك السعادة. على المرء أن يتفلسف شاباً وشيخاً، في الحالة الثانية لاستعادة وهج الشباب بِتذكر الأيام الخوالي، وفي الحالة الأولى للثبات، مثلَ شيخ، في وجه الآتي بالرغم من فورة الشباب. يتعين إذن البحثُ عن وسائل لاكتساب السعادة، بما أن المرء بوجدانها يملك كل شيء، وبفقدانها يفعل كل شيء من أجل تحصيلها.
انظر في المبادئ التي أعطيتك واعمل بها، واعلم أن هاهنا عناصرَ ضرورية للحياة الطيبة.
تَذكرْ أولاً أن الإله كائن سعيد لا يفنى، كما هو واضح في التصور المشترك للألوهية، ولا تَنسبْ له أي صفة مباينة لسعادته وخلوده. فَكرْ بالأحرى في كل ما من شأنه أن يحفظ هذه السعادة وهذا الخلود. الآلهة موجودة، هذا معروف في بادئ الرأي، إلا أن طبيعتها ليست ما يعتقده جمهورُ الناس. إن الذي يرفض آلهةَ العوام ليس ملحداً بأي حال، الملحد حقاً هو الذي ينسب للآلهة الصفاتِ التي يلصقها بها العوام. ذلك أن هذه الآراء ليست إدراكات مباشرۃ بل هي أوهام. من هنا الشر كله للإنسان الشرير، والخَيرُ كله للإنسان الخَيِّر.
العوَام معتادون على تصور خاص للفضيلة؛ لذا تراهُم لا يَقبلون سوى الآلهة الموافقة لهذه الفضيلة، ويعتقدون بطلان ما عداها.
وطنْ نفسَك، ثانياً، على التفكير في أن الموت ليس شيئاً بالنسبة لنا، بما أن الخير والشر لا حقيقةَ لهما سوى في الوجدان. من هنا، فإن المعرفة الحقة بأن الموت ليس شيئاً يُذكر تجعلنا نتمتع بهذه الحياة الفانية دون أن نطلب البقاء الأبدي ونتحسر عليه. ذلك ألا شيءَ في الحياة يُخيف مَن أدركَ ألا شيءَ يُخشى من فقدان الحياة. مَن يُقر بأنه يَهاب الموتَ لا لأنه مُخيف متى جاء، بل لأنه من المخيف انتظاره، فهو أبله.
إنها لحماقة أن يَغتم المرء لأن الموت يترصده، بما أنه شيء متى جاء لا يسبب أي ضرر. وهكذا فإن أخوف ما يخافه الإنسان، أي الموت، ليس شيئاً بالنسبة لنا بما أنه لا وجود له ما دمنا أحياء، وإذا حضر نكون غير موجودين. الموت إذن لا وجود له بالنسبة للأحياء والأموات على حد سواء، هو غير موجود بالنسبۃ للبعض والبعض الآخر لا يعود له وجود. الحال أن العوام تارةً يخشون الموت باعتباره الشر الأكبر، وتارةً أخرى يرغبون فيه بوصفه حَداً لشرور الحياة. الحكيم لا يخشى الموت، الحياة ليست عبئاً عليه، ولا يعتقد أن الخروج من الوجود شر. فكما أن وفرة الأطعمة ليست هي التي تطيب لنا بل جودتها، فإن طول العمر ليس هو الذي يطيب لنا بل رونقه. أما الذين ينصحون الشاب بالإقبال على الحياة والشيخ بالإقبال على الموت فهُم سُذج، ليس فقط لأن للحياة رونقَها، حتى بالنسبة للمُسِن، بل لأن هَم الإقبال على الحياة وهَم الإقبال على الموت هما في الحقيقة هَم واحد. أبلغُ مِن هذا في السذاجة مَن يزعم أن عدمَ الوجودِ خير:
وعندما نولد، نجتاز في أقرب وقت أبوابَ هاديس[1].
مَن قال هذا من باب الجد، لماذا لا ينتحر؟ هو حل في المتناول متى مَست الحاجة إليه. ومن قاله على جهة الهزل فهو هزل في موضع الجد. لنأخذ بعين الاعتبار أن المستقبل ليس لنا ولا هو غريب عنا كليةً، بحيث لا ينبغي لنا انتظاره كأنه يقع لا محالة، ولا اليأس منه كأنه لن يقع بِحال.
يتوجب مِن جهة ثالثة أنْ تفهمَ أن الشهواتِ بعضُها طبيعي، والآخرُ زائد، وأن الشهواتِ الطبيعيةَ بعضُها ضروري والبعضُ الآخر طبيعي وحسب. والشهوات الضرورية بعضها ضروري للسعادة، وبعضها لسُكون الجسم، والبعض الآخر للحياة ذاتها. إن نظريۃ سليمۃ عن الشهوات لتَعرف كيف تناسِبها مع صحۃ البدن وسكينۃ النفس، علما أن هذه هي الغايۃُ من الحياۃ السعيدۃ، وأن الأفعال الغايۃُ منها تفادي الألم والاضطراب. عندما نبلغ هذه الحال، تهدأ كل عواصفِ النفس ولا يعود الكائن الحي في حاجۃ للسير إلى شيء لا يمتلكه، ولا إلى شيء يمكن أن يزيده سعادۃ نفسيۃ وبدنيۃ أكبر. فنحن نطلب اللذۃ فقط عندما يسبب لنا غيابُها الألم، أما عندما لا نألم، فإننا لا نبالي بها ولهذا نقول بأن اللذۃ هي بدايۃ الحياۃ السعيدۃ ونهايتها. ونحن فعلا نعتبر اللذۃ أولَ خير طبيعي، هي التي تجعلنا نقبِل على الأشياء أو ندبِر عنها، هي نقطۃ الوصول بالنسبۃ لنا، إذا ما نحن اتخذنا الإحساسَ معيارا للخير. ورغم أن اللذۃ هي أول خير من الخيرات الطبيعيۃ، إلا أننا لا نقبَل أول لذۃ تعرِض لنا، بل في بعض الحالات، نستصغر العديدَ من اللذات، عندما ينتج عنها ألم أكبر. من جهۃ أخرى، هناك آلام كثيرۃ نقَدر أنها أَفضل من اللذات، عندما تؤدي إلى لذۃ أكبر. وإذن، كل لذۃ خير متى ناسبَت طبيعتَنا، لكنْ ليست كل لذۃ مرغوبا فيها بالضرورۃ. أيضا، كل ألم شر، لكنْ ليس كل ألم ينبغي الفرار منه بالضرورۃ. يبقى أن كل لذۃ يجب تقويمها بالنظر الحكيم فيما توفره من نفع أو ما تجلبه من ضُر. في الواقع، نحن في بعض الحالات، نأخذ الخير على أنه شر، وفي حالات أخَر الشر على أنه خير.
إن القناعۃ، في رأينا، لخير عميم، لكن لا يلزم من هذا ضرورۃُ الرضى بالقليل دوما. فقط، عندما تغيب الوفرۃ، ينبغي الرضى بالقليل، علما أن الذين يتمتعون بالثراء هم أقل الناس حاجۃ إليه، وأن كل ما هو طبيعي يتيسر تحصيله، في حين أن ما ليس طبيعيا فتحصيله عسير. إن الأطعمۃ الأكثر بساطۃ، توفر من اللذۃ ما توفره الموائدُ الدسمۃ، عندما يغيب الألم الذي تسببه الحاجۃ، وإن الخبزَ والماءَ ليوفران من اللذۃ أعلاها، عندما يُتناولان بعد طول حرمان. وإذن فإن الاعتياد على حياۃ بسيطۃ ومتواضعۃ لأفضَلُ طريقۃ للاعتناء بالصحۃ. وهو مع هذا يزود الإنسانَ بالشجاعۃ لتحَمل مشاق المهام المنوطۃ به في الحياۃ. يمَكنه أيضا من تذوقِ حياۃِ الرفاهيۃِ بشكل أفضل متى سنحَت الفرصۃُ لذلك، ويثَبته في وجهِ تقلباتِ الدهر. ونحن عندما نقول بأن اللذۃ هي الخير الأسمى، فإننا لا نتحدث عن ملذات المنحرفين، ولا عن المتَع الحسيۃ، كما يتوهم بعض الجهال، الذين يحاربوننا و يشَوهون فكرنا، نحن نتحدث عن غياب الألم الجسدي والاضطراب النفسي. وليست مجالسُ الشرب والمآدبُ المتتاليۃ، ولا المتعۃ التي يتم الحصول عليها من مخالطۃ الغلمان والنساء، ولا النشوۃ التي تثيرها الأسماك واللحوم التي تملأ الموائد الباذخۃ، هي التي توفر حياۃ سعيدۃ، بل الاعتدال والقناع، والعقل الذي يبحث باستمرار عن أسباب وجيهۃ للقيام باختيار دون آخر، ويرد كل الآراء التي من شأنها أنْ تحملَ إلى النفس أكبرَ الاضطرابات.
مبدأ كل هذا، الذي هو في الوقت نفسه الخير الأكبر، هو إذَن الروِيۃ. وقد ينبغي اعتباره أعلى من الفلسفۃ ذاتها، بما أنه مصدرُ الفضائل كلها التي تعَلمنا أننا لا ندرك الحياۃ السعيدۃ بدون الرويۃ، النزاهۃ والعدالۃ، وأن الرويۃ، النزاهۃ والعدالۃ لا يمكن تحقيقها دون اللذۃ. تنشأ الفضائل، في الواقع، من الحياۃ السعيدۃ التي بدورها لا انفكاكَ لها عن الفضائل.
هل في الوجود من هو أعلى قدرا من الحكيم؟ الحكيم يحسِن الظن بالآلهۃ. لا يخشى الموت في أي وقت، بل يرى أنها نهايۃ طبيعيۃ، يرى أن للشرور حدودا لا تتجاوزها، يعرف أي شيء هو القدَر الذي يعتَبر عادۃ حاكما قاهرا. يعرف أن الأحداث بعضها من القدَر والبعض منا نحن، فالقدَر ليس مسؤولا دائما والحظ ليس ثابتا، وأن ما يأتي منا لا يخضع لأي قهر، منه ما يحمَد ومنه ما يذَم. ومن الأفضل في الواقع اتباعُ الأساطير وقصصِها عن الآلهۃ، بدلَ السقوط في إسارِ حتميۃِ الطبيعيين. الأسطورۃ تترك الأمل في أننا إنْ عظمنا الآلهۃ نستثير رضاها، أما الحتميۃ فأمرها سارٍ. الحكيم لا يعتقد مثل العامۃ أن الحظ إله من الآلهۃ، لأن الإله لا يعمل بطريقۃ عشوائيۃ. ليس هو أيضا من العِلل بالنسبۃ له بما أنه غير ثابت. لا يعتقد أنه سبب للخير والشر، ولا للحياۃ السعيدۃ، على أنه يعرف أنه قد يحمل معه خيرا كبيرا أو شرا مستطيرا. يرى أنه من الأفضل أن يُحسَب للأمور حسابُها، ولو مع شيء من الحظ السيئ، من إهمال الحساب مع كثير من الحظ الجيد. فالمهم في آخر المطاف هو النجاح في الأعمال التي يتم الإعداد لها جيدا.
داوم التفكيرَ في هذا وما شابهه في النهار وأثناء الليل، وانظر فيه وحدك أو مع صديق لك مثل نفسك، تسلَم من القلق في يقظتك ومنامك، وتعِش بين الناس كأنك إله، فليس مَن ينعم في خير دائم كمن هو في نعيم زائل.
[1] البيت لسوفوكل، وهاديس هو العالم السفلي، أو قُل الجحيم في الأسطورة اليونانيۃ.





