الأيدي المطلقة/ هاجر مصطفى جبر

نحن اللاحقون الذين ترك لنا السابقون كل أفكارهم ومخاوفهم وعاداتهم وأعرافهـم، وصرنا -نحن بلا وعي منا- حراساً على هذا الإرث؛ نقف على باب المعبد، وعقولنا قرابين تذبح على هيكل آثم، تتقدمنا لافتات: “العادات والتقاليد، الشرع، العرف، المصلحة، الوسيلة”. ظلت رياح الزمن تبدل الأشياء، ويد الجهل تمسك اللافتات بحرص غشيم، حرص خنق معه إنسانيتنا وولد لدينا جموداً لا يسمح بسؤال.
صار العرف سيف السلطوية، والشرع غشاوة تضعها اليد المطلقة على كل عين بصيرة حتى تطيع، وعند المخالفة يتصرف ذو اليد المطلقة كما يشاء.
تحولنا من حراس للعدالة إلى حارسي أعراف تقتل الإنسانية ببطء ثقيل. يتكرر الحدث مستترا في أجساد ضحايا مختلفة؛ ضحايا يد أطلقت باسم العرف أو تزييف تعاليم الأديان، ومجتمع تبرأ من الإنسانية وتنكر للعدالة محتجا بأسبابه السخيفة.
إن العدالة الحقيقية تتحقق عندما تنبع من ضمير كل مواطن، وعندما يصير كل شخص حامياً للقانون مدافعاً عن الإنسانية. ومن تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك”، وأن تتخيل أن ذاك المستضعف أنت. ومن تعاليم عيسى عليه السلام في الكتاب المقدس:
“تعلموا أن تفعلوا الخير، اطلبوا العدالة، أصلحوا الظلم” (سفر إشعياء 1: 17).
“من يقول للشرير: أنت على حق، يلعنه الشعوب ويحتقره الأمم، لكن من يوبخ الشرير يجد الفرح وبركة صالحة” (سفر الأمثال 24: 24–25).
أي مجتمع ذاك الذي يخلو من ضمير حر؟ أي بشر أولئك الذين يصمون آذانهم عن الصرخات المبحوحة للمقهورين؟
امرأة يضربها زوجها حتى الموت… أين الناس؟ أين المجتمع؟ أين الإنسانية؟ مدفونة تحت عرف سخيف يدعى “زوج يربي زوجته”!!
أب يحبس ابنته لمدة تزيد عن العام، لا سائل عنها… لا أم تكسر صمت ابنتها، لا زوجة أب تنتصر لبقايا إنسانية تحتضر في غرفة إعدام… لا أهل يحاسبون ذئباً عن اختفاء صغيدة… والمبرر: “أب يؤدب ابنته، حررت ضده محضراً”!!
أخ يحرق أخته لأنها طالبت بحقها، يتقدم الشاب للعدالة، فتطلب الأم الرحمة للقاتل، تتنازل عن حق الفتاة لتحمي الذئب!!
مجتمع يربي ذئابا، إما أن تسيطر أو تنهش. يقف القانون على حدود القرى والنجوع يحجزه العرف اللعين، وتحتضر الإنسانية في تلك الغابات المظلمة.
نحتاج أن ننظر لما صرنا عليه، أن نرى كل فكرة تصالحنا معها بفعل العادة، وكل حكم سلمنا به له، وكل يد مطلقة باسم العرف… نحتاج أن نمنح القانون حق السيادة لإنارة ظلمة الأعراف الغاشمة. وطالما أن الإنسانية قتلت بفعل الأيدي المطلقة، فلندع القانون ينقذ الإنسان من يد العرف.
هاجر مصطفى جبر





