غلَّاب / هاجر مصطفى

غلَّاب
أتراك تعلم أنني أكتب لك بتوقيتها؟
وحده صوتها يردني إليك… يرسمك أمام عيني، فلا أستطيع جمح قلبي المهشم بفعلها.
أنظر إلى رسالتك الأخيرة التي تعمدت تركها دون جواب، لعل قلبي يعتاد الصمت أمامك… أحسب أيام صمتي بسعادة كاذبة، فأنا أعلم أن تجاهلك يشعل الشوق لا أكثر…
أسألك: «هنا؟»
وتظل عيني تترقب ردك، وقلبي يهتز كمنديلٍ في يدها…
تسألني: «هو صجيج الهوى غلَّاب؟»
أنظر إلى كلمة «هنا»، وأضحك، وألعنك جهرًا.
تسألني أمي: من تلعنين ؟
فأقول: هاتفي خرب للمرة الألف… ألف مرة ألصق اللعنات بالهاتف، الذي لم يفعل شيئًا سوى أنه رسولنا.
تُسدل الثانية عشرة ستارها، وأنظر إلى محادثتك المثبتة، وألعنك… أو ألعن الهاتف، وأدخل سريري مستترة بكتاب جديد، أتوسله ألا يتركني لك…
لكن من بين الأسطر تأتي نظرة منك توخز القلب، فأسرع بالقراءة كخيل وخزها كعب فارسها… أسرع بالقراءة حتى أجدني تجاوزت صفحات دون فهم، فأعود إلى موضع عينيك، خائفة كطفلة رمقتها أمها بنظرة تأنيب، فتخشى تلاقي العيون ثانية… أغض بصري عن سطر كانت فيه عيناك، وأحاول تخمينه.
أشتهي النوم في غرفة مظلمة، لكنك، ككل المخاوف، تتغذى بالظلام… أظل أقرأ حتى أفيق على لثغة حشرات جذبها النور المشتعل في ليل لا قمر له…
أقف على سور الشرفة هاربة منك، ومن الألم…
قبيل الشروق، طائر ترك العش دون انتظار السرب، وراح يبحث عن ذاته وحيدًا… شجاعة أم حماقة؟ وجهان لعملة واحدة.
لكنه لم ينتظر.
يعلم أن السير نحو مصيره خير من انتظاره.
لكنني أنتظر..
أنتظر رد «هنا» منذ الأمس، الذي ستتركه معلقًا لتقول لي: «صباح الخير».
أحقًا؟
أقرر ألا أرد صباحك…
عام الخذلان انتهى اليوم، ولا أعلم: هل سأتخطاك، أم سأظل عامًا آخر قيد طعنتك؟
أنفقت عليك من عمري حدَّ البذخ… أعوامًا للحب، وعامًا للتعافي…
أتُرى لو أخبرتك عدد الأيام والساعات والدقائق في العام، هل ستتخيل كم عانيت؟
أضف إلى ذلك عشرة أعوام كنت أقدسك فيها تمثالًا نحتته لك عيني منذ النظرة الأولى.
كم تجني علينا عيوننا!
ترى شيئًا… يحلو لها… فبمسمار لا يقبل الصدأ تثبته على جدار القلب… تُعمي الصورةُ القلبَ، ويخشى العقل نزع المسمار وما يرافقه من ألم…
كم تجني علينا العيون!
لحظة عشق ملعونة كفَّت العينَ والقلبَ؛ فلا بصر ولا بصيرة…
ثم يأتي زلزال الوعي، فيسقط الجدارية، ويجعل المسمار يشق من القلب ما استطاع، وفي النهاية يستقر في قاع العين، التي لن يتوقف نزفها حتى الموت.





