حين َ يَصِيرُ المَفْقُودُ وَطَنًا: عَتَبَاتٌ سَرْدِيَّةٌ وَسِيمِيَائِيَّةٌ فِي نَصِّ «وَدَاعًا»الدكتور محمود طه/ا.د حمام محمد – الجزائر
إِنَّ الفُرْقَةَ فِي زَمَنِ الغَدْرِ الَّذِي يَعِيشُهُ المُجْتَمَعُ الصِّنَاعِيُّ، وَمَا يَسُودُهُ مِنْ تَفَاهَاتٍ، لَا يُمْكِنُ القِيَاسُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ الأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ المَشَاعِرَ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِالفَجِيعَةِ، وَتَقْدِيرُهَا يَكُونُ بِالهَيِّنِ أَحْيَانًا. أَمَّا الفُرْقَةُ فِي المُجْتَمَعِ التَّقْلِيدِيِّ، فَلَهَا وَزْنُهَا الأَعْظَمُ عَلَى جَمِيعِ أَنْسِجَةِ الخَيَالِ وَالوَاقِعِ، وَخَاصَّةً حِينَ يَكُونُ الفَقِيدُ قَدِ احْتَلَّ حَيِّزًا كُلِّيًّا بِمَفْهُومِ الجَمَاعَةِ.
وَعِنْدَئِذٍ، تُصْبِحُ الكَلِمَةُ الوَاحِدَةُ غَيْرَ كَافِيَةٍ لِوَصْفِ عِظَمِ التَّأَثُّرِ بِالفَقْدِ، كَمَا تَعْجَزُ الجُمْلَةُ، وَتَعْجَزُ الفِقْرَةُ، وَقَدْ تَعْجَزُ الرِّوَايَةُ أَوِ الكِتَابُ عَنْ إِحَاطَةِ المَشْهَدِ بِكُلِّيَّتِهِ.فَلِمَاذَا نَذْكُرُ صِفَةً أَوْ مَكَانًا كَانَ سَرَابًا لِلِقَاءٍ وَمُحَادَثَةٍ لَمْ تَنْتَهِ؟ لَقَدْ فَارَقَ الفَقِيدُ جُنُوحَ الدُّنْيَا، وَاخْتَارَ القَدَرُ لَهُ مَسَارَهُ، لِيَبْلُغَ مَا قُدِّرَ لَهُ. وَمَا يَزَالُ المُتَأَثِّرُ يَنُوحُ وَيَبْكِي، وَإِنْ أَبْدَعَ فِي صُنْعِ القَوَالِبِ الدِّرَامِيَّةِ وَالمِيلُودْرَامِيَّةِ لِلفَجِيعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَحَوَّلُ إِلَى لَوْنٍ مِنَ الأَدَبِ يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَهُ أَدَبَ التَّذْكِيرِ؛ وَهُوَ أَدَبُ تَذَكُّرِ مَنْ فَقَدْنَاهُمْ مِمَّنْ تَرَكُوا فِي الرُّوحِ وَالقَلْبِ أَثَرًا طَيِّبًا.
وَأَنَا أَتَجَوَّلُ فِي بَسَاتِينِ سَّطْرِ العَرَبِ ذلم الفضاء الادبي للشاعرة دعاء محمود ِّ الإِبْدَاعِيِّ، تَوَقَّفْتُ عِنْدَ هَذِهِ الكَلِمَةِ التَّذْكِيرِيَّةِ المَحْبُوكَةِ جَمَالِيًّا بِعِدَّةِ أَدَوَاتٍ إِبْدَاعِيَّةٍ، وَرَأَيْتُ أَنَّهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ التَّوَقُّفُ عِنْدَهَا بِمَنْهَجٍ نَقْدِيٍّ ثَقَافِيٍّ اسْتِرْجَاعِيٍّ، يَسْتَحْضِرُ حَسْرَةَ الفَرْدِ عَلَى مَنْ كَانَ بَانِيًا لِلجَمَاعَةِ
.إِنَّ مَقْطُوعَةَ الكاتب ِ مَحْمُود طَهَ هِيَ مَعْزُوفَةٌ تَصْقُلُ القَلْبَ قَبْلَ البُطَيْنِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَتَدَفَّقَ الدَّمُ إِلَى الوريد وَلَيْسَ هَذَا مَدْحًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْفِيَةٌ لِبَعْضِ المُتَغنغصات الَّتِي تَطَالُ أَعْمَالَ الفَقْدِ، حِينَ تَأْتِي ارْتِجَالِيَّةً مِنْ فَرْطِ اللَّوْعَةِ وَالشُّعُورِ الجَارِفِ.
.01- الفَقْدُ وَتَشَكُّلُ صُورَةِ الغَائِبَةِ
—–وَدَاعًا يَا مَنْ سَكَنْتِ الفُؤَادَ حِينَئِذٍ، وَذَرَفَتِ العُيُونُ مِنْ أَجْلِهَا، وَمِنَ الدُّمُوعِ أَوْقَدْتِ قَلْبَهَا، وَاحْتَرَقَ الفُؤَادُ مِنْ فِرَاقِهَا، وَأَشْعَلَتِ النَّبْضَ مِنْ رَحِيلِهَا. ثُمَّ بَحَثْتُ فِي بِحَارِ العِشْقِ عَنْ وَطَنِهَا، فَمَا وَجَدْتُ سِوَى سَرَابٍ بَعْدَ فُقْدَانِهَا….
إِلَى غَايَةِ بِدَايَةِ الفِقْرَةِ الأُولَى وَنِهَايَتِهَا، جَرَّ الكَاتِبُ القَارِئَ إِلَى التَّبَسُّطِ فِي حِكَايَةٍ اسْتَهْلَكَتْهَا وَقْعَةُ التَّأْثِيرِ، مُرَكِّزًا عَلَى حَرْفِ الهَاءِ، بِوَصْفِهِ ضَمِيرًا يُحِيلُ إِلَى أُنْثَى غَيْرِ مُحَدَّدَةِ الهُوِيَّةِ: أَهِيَ أُمٌّ رَؤُوفٌ، أَمْ زَوْجَةٌ لَعِبَتْ دَوْرَ الأُمِّ، فَسَكَبَتْ مِنْ حَنَانِهَا عَلَى جَسَدِهِ لِتَغْدُوَ هِيَ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ؟
مِنْ حَقِّ أَيِّ قَارِئٍ يَمْلِكُ بَيْنَ يَدَيْهِ نَصًّا كَهَذَا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الفِقْرَةَ مُسْتَرْسِلَةٌ فِي بَسَاطَتِهَا؛ فَلَا هِيَ دَخَلَتْ فِي مُسْتَهَلِّ القَصِّ أَوِ الحَكْيِ، وَلَا هِيَ اكْتَفَتْ بِالمَقْرَاضِ الإِعْلَامِيِّ، كَأَنَّهَا تَعْلِيقٌ عَلَى فَقْدٍ أُعْلِنَ خَبَرُهُ.وَعِنْدَ أَخْذِنَا بِهَذَا التَّرْتِيبِ، نَجِدُ أَنَّنَا لَمْ نُنْصِفِ النَّغْمَةَ المُسْتَرْسِلَةَ قَبْلَ الكَلِمَةِ، وَهِيَ حَرَارَةُ الفَقْدِ الَّتِي يَحْتَارُ الكَاتِبُ فِي تَصْوِيرِهَا؛ فَيَنْطَلِقُ مِمَّا يُؤْلِمُ النَّاسَ عِنْدَ الفَقْدِ، وَمِمَّا يُبْكِيهِمْ وَيُسِيلُ دُمُوعَهُمْ، مُسْتَعْمِلًا الأَدَوَاتِ القَصَصِيَّةَ نَفْسَهَا، كَالقَلْبِ وَالعَيْنِ وَالدُّمُوعِ وَالجُرْحِ وَغَيْرِهَا مِنَ القِيَمِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي تُلْهِبُ الشُّعُورَ، وَتَجْعَلُ مِنَ الأَلَمِ مَطِيَّةً لِلتِّيهِ فِي مَا يُؤْلِمُ الآخَرَ، إِثَارَةً لِانْفِعَالِهِ.
فَحِكَايَةُ الوَدَاعِ ثَابِتَةٌ عَلَى أَنَّ المَيِّتَ قَدْ مَاتَ فِعْلًا، وَجَاءَ الإِسْقَاطُ التَّذْكِيرِيُّ بَاحِثًا عَنِ التَّهْوِيلِ الدِّرَامِيِّ؛ فَنَظَرَ الكَاتِبُ إِلَى الغَائِبَةِ مِنْ زَاوِيَةِ المَاضِي، حَيْثُ ذَرَفَتِ العُيُونُ مِنْ أَجْلِهَا، وَتَجَلَّتْ بَطَلَةً فِي المَصِيرِ. ثُمَّ حَضَرَتِ الدُّمُوعُ الَّتِي أَحْرَقَتِ الفُؤَادَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ البُكَاءِ لَدَى الكَاتِبِ، وَقَدْ يَجْعَلُنَا ذَلِكَ نُمَيِّزُ أَنَّ الرَّاحِلَةَ غَالِيَةٌ جِدًّا.وَلَكِنْ، لَا نَتَعَجَّلْ الحُكْمَ عَلَى مَنْ فُقِدَتْ؛ فَالأَزْمَةُ هُنَا مُسْتَعْصِيَةٌ. يَقُولُ الكَاتِبُ إِنَّهُ بَحَثَ فِي بِحَارِ العِشْقِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقِيسَ مَكَانَتَهَا المَرْمُوقَةَ الَّتِي تَجْعَلُهَا جَدِيرَةً بِالمَرْثِيَّةِ. وَفِي فِقْرَةِ المُقَدِّمَةِ، يَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ وَطَنًا؛ رُبَّمَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْ قَلْبٍ، أَوْ أَرْضٍ، أَوْ نَاحِيَةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوَى السَّرَابِ.
وَهُنَا تَتَجَلَّى صُورَةٌ مُتَفَرِّدَةٌ فِي نَمُوذَجِهَا، تُذَكِّرُنَا بِأَسْطُورَةِ غَالَاتِيَا فِي زَمَنِ بِجْمَالِيُونَ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ التَّصَوُّرُ إِلَى بَحْثٍ عَنْ صُورَةٍ مِثَالِيَّةٍ لَا يَسْهُلُ إِدْرَاكُهَا.سَارَ بِنَا المَنْهَجُ لِتَجَاوُزِ عِدَّةِ عَتَبَاتٍ مِنَ النَّقْدِ الدَّاخِلِيِّ لِحَرَكَةِ التَّحَوُّلِ، وَلَيْسَ فَقَطْ لِتَتَبُّعِ الأَزْمِنَةِ المُتَقَطِّعَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحْشُورَةٌ بَيْنَ ضَمِيرِ الهَاءِ وَمَا يُحِيلُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ.
02- الرِّحْلَةُ وَالتَّشَاكُلُ وَبَحْثُ الرُّوحِ عَنِ الوَطَنِ
……أَخْبِرِينِي يَا لَيَالِيَ العِشْقِ عَنْ سَكَنِهَا، فَلَقَدْ أَعْلَنَ القَلْبُ العِصْيَانَ بَعْدَ ضَيَاعِهَا. وَصِرْتُ فِي الوَجَعِ مُجَدَّدًا، بَعْدَ التِّيهِ فِي الزَّمَانِ بَائِسًا..
وَفِي بِحَارِ العَذَابِ غَارِقًا، يَغُوصُ فِي عُمْقِ الأَلَمِ تَائِهًا، مُعْلِنًا لِلدُّنْيَا كُلِّهَا فَقْدَانَهَا؛ فَذِكْرَاهَا فِي النَّبْضِ وَشَغَفِهَا، وَشَغَفُ العَاشِقِ فِي قَلْبِهَا، وَقَلْبُ المُحِبِّ هُوَ وَطَنُهَا، وَوَطَنُ الحَبِيبِ يَصِيرُ سَكَنَهَا.فَيَا لَيْتَ الأَيَّامَ تَعُودُ بِنَا، لِنُحْيِيَ اللَّيَالِيَ وَغَرَامَ عِشْقِنَا، وَلَكِنِّي أَصْحُو كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى قَدَرِنَا؛ قَدَرُ الفِرَاقِ هُوَ نَصِيبُنَا، وَأَلَمُ الخُطَى هُوَ رَفِيقُنَا. فَرِفْقًا بِنَا، أَيَّتُهَا الحَيَاةُ، فَرِفْقًا بِنَا، أَيَّتُهَا الحَيَاةُ.
التَّشَاكُلُ هُنَا جَمِيلٌ؛ فَقَدِ اسْتَقْرَأْنَا رِحْلَةَ بَعْضِ المُبْتَلَى عَنْ صُورَةٍ شَبِيهَةٍ بِمَا فَقَدَهُ. فِي بِحَارِ العَذَابِ، يَبْحَثُ عَنْهَا، فَلَا يَجِدُهَا. ثُمَّ يَتَوَاصَلُ دَوَامُ الأَلَمِ، وَلَا يَجِدُهَا أَيْضًا عِنْدَ العَامَّةِ الَّذِينَ نَعَوْا إِلَيْهِ مَوْتَاهُ. وَهَكَذَا تَتَوَقَّفُ حَرَكَةُ المَسِيرِ عِنْدَ نُقْطَةِ النِّهَايَةِ، لِيَقُولَ:«أَلَمْ يَحِنْ أَنْ تَلْتَقِيَ الرُّوحُ بِهَا، لِنُعِيدَ مَا مَضَى مِنْ ذِكْرَيَاتِهَا؟»
وَقَدْ بَلَغَ الحُزْنُ بِهِ حَدًّا يَتَمَنَّى فِيهِ اتِّحَادَ الرُّوحِ بِالرُّوحِ، لِيَعِيشَ الذِّكْرَيَاتِ الجَمِيلَةَ مَعَ بَطَلَتِهِ المُتَخَفِّيَةِ الَّتِي شَغَفَتْ قَلْبَهُ حُبًّا. لَكِنَّنَا لَا نَرَى تَفَاصِيلَهَا عَلَى الإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ رَحِيلَهَا أَفْقَدَهُ القُدْرَةَ عَلَى الوُقُوفِ عَلَى الطَّلَلِ، وَكَأَنَّ المَوْتَ وَقَعَ قَبْلَ سَاعَةٍ فَقَطْ.إِنَّهُ المَصْدُومُ بِالفَاجِعَةِ، غَيْرُ المُتَذَكِّرِ لِمَا يَشْغَلُنَا نَحْنُ القُرَّاءَ وَيَجْعَلُنَا نَتَفَاعَلُ مَعَهُ؛ فَهُوَ يُحَاوِلُ إِرْسَاءَهَا فِي مَكَانَةٍ سَامِيَةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ، وَيَرْمِي بِصُورَتِهَا إِلَى القَارِئِ لِيَقُولَ إِنَّهَا هِيَ الوَطَنُ.وَهُنَا تَبْدُو المُفَارَقَةُ؛ فَهِيَ الوَطَنُ، وَمَوْتُهَا لَا يَعْنِي النِّهَايَةَ، وَإِنَّمَا يُجَدِّدُ الوَفَاءَ وَالإِخْلَاصَ لَهَا. وَيَتَرَجَّى الكَاتِبُ، كَأَيِّ إِنْسَانٍ يَحِنُّ إِلَى مَاضِيهِ، أَنْ تُعِيدَهُ الأَيَّامُ إِلَى عَهْدِ الوَصْلِ، بِمَا فِيهِ مِنْ أُلْفَةٍ وَذِكْرَيَاتٍ جَمِيلَةٍ.ثُمَّ يَلُومُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَمْدَحُ جَمَالَهَا وَبَهْرَجَهَا. وَقَدِ اعْتَرَاهُ نَوْعٌ مِنَ التَّنَاقُضِ المُثْمِرِ؛ لَكِنْ، هَلْ وُفِّقَ فِي إِيجَادِ مَعْنًى ثَالِثٍ لِهَذِهِ التَّذْكِيرِيَّةِ؟إِنَّهُ مُتَيَّمٌ يَنْعَى وَفَاةَ أَغْلَى مَا عِنْدَهُ، وَيَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى عَهْدِهَا، حِينَ كَانَتِ الحَيَاةُ تَضْرِبُ لَهُ مَوْعِدًا مَعَ الفَرَحِ وَالوَصْلِ.
03- : التَّنَاقُضُ المُثْمِرُ وَحُدُودُ المَعْنَى الثَّالِثِ
فِعْلًا، تَحْمِلُ هَذِهِ التَّذْكِيرِيَّةُ نَوْعًا مِنَ الشَّغَفِ؛ لَوْ أَنَّهَا وَصَفَتِ البَطَلَةَ المُخْتَفِيَةَ وَأَعْطَتْهَا صِفَاتِهَا الحَقِيقِيَّةَ، لَمَا تُهْنَا فِي الطَّرِيقِ بَيْنَ الاحْتِمَالَاتِ. فَلَا نَعْرِفُ أَهِيَ أُمٌّ غَالِيَةٌ، أَمْ زَوْجَةٌ، أَمْ إِنْسَانَةٌ أُخْرَى لَمْ يُظْهِرْ لَنَا الكَاتِبُ صِلَتَهَا بِهِ.وَلَمْ يُظْهِرْ لَنَا بَدَائِعَ العَرَبِيَّةِ فِي صِفَاتِ الحُبِّ وَالخُلُودِ، وَلَمْ يُبْرِزْ كَمَا نَنْتَظِرُ بَدَائِعَ اللُّغَةِ فِي وَصْفِ المَوَاقِفِ الدِّرَامِيَّةِ الَّتِي فَجَّرَتْ إِبْدَاعَ الشُّعَرَاءِ وَالأُدَبَاءِ وَالفَنَّانِينَ؛ فَهَؤُلَاءِ خَاطَبُوا كُلَّ شَيْءٍ فِي المَيِّتِ، حَتَّى نَعْلَهُ الَّذِي كَانَ يَنْتَعِلُهُ، وَمُشْطَهُ، وَنَظَّارَاتِهِ.وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المَقْطُوعَةَ تَفْتِنُ القَارِئَ بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ نَظْرَةٍ تَتَّصِلُ بِالاسْتِشْرَافِ العَاطِفِيِّ لِإِنْسَانٍ مُتَيَّمٍ فَقَدَ عَزِيزًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تُصَرِّحَ بِبَطَلٍ يَحْمِلُ صِفَاتٍ كَثِيرَةً جِدًّا؛ إِلَّا أَنَّ أَلَمَ الفِرَاقِ جَعَلَهُ يُلَخِّصُ المَوْقِفَ فِي قَوْلِهِ: يَا لَيْتَ الرُّوحَ تَعُودُ بِنَا إِلَى غَابِرِ الذِّكْرَيَاتِ، فَنُوَافِقُ الحَيَاةَ فِي بَهْرَجِهَا المَاضِي، وَنَعِيشُ فِي دَوَالِيبِهِ.
وَ لَكِنِّي أَهْمِسُ لَهُ بِأَنَّ مَا وَصَفَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَحَنَا تَصَوُّرًا وَاضِحًا عَنِ المَيِّتَةِ، إِلَّا إِذَا تَوَسَّعْنَا فِي دِرَاسَةِ مَا بَعْدَ عِلْمِ النَّفْسِ، أَيْ أَثَرِ النَّقْلَةِ أَوِ الرِّحْلَةِ المُفَاجِئَةِ لِعَزِيزٍ عَلَيْنَا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى عَالَمٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللهِ.لَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ المَوْتَ مَصِيرُ الجَمِيعِ، وَأَنَّ عَالَمَ الغَيْبِ لَا نُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ مَا بَعْدَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ أُمُورِ الآخِرَةِ مَرْجِعُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى.وَبَعْدُ، فَإِنَّ نَصَّ «وَدَاعًا» يَسْتَحِقُّ القِرَاءَةَ مِنْ زَاوِيَةِ الشَّغَفِ وَالفَقْدِ وَالتَّذَكُّرِ، وَيَسْتَدْعِي فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ مُسَاءَلَةً نَقْدِيَّةً عَنْ حُدُودِ الصُّورَةِ، وَوُضُوحِ الهُوِيَّةِ، وَمَدَى نَجَاحِ التَّنَاقُضِ فِي إِنْتَاجِ مَعْنًى ثَالِثٍ يَتَجَاوَزُ الرِّثَاءَ المُبَاشِرَ.
فَلَيْسَ كُلُّ تَنَاقُضٍ مُثْمِرًا، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَتَقَابَلَ الحُبُّ وَالحُزْنُ، أَوِ الحَيَاةُ وَالمَوْتُ، لِنَقُولَ إِنَّ النَّصَّ أَنْتَجَ دَلَالَةً جَدِيدَةً. إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الإِثْمَارُ حِينَ يَسْتَطِيعُ النَّصُّ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هَذَا التَّقَابُلِ مَعْنًى مُضَافًا، يُنِيرُ مَا كَانَ غَامِضًا، وَيَفْتَحُ أُفُقًا تَأْوِيلِيًّا لَمْ يَكُنْ مَكْشُوفًا مِنْ قَبْلُ.وَهَذَا هُوَ مِحَكُّ القِرَاءَةِ النَّقْدِيَّةِ: أَنْ نُقَدِّرَ حَرَارَةَ الفَقْدِ، وَنَحْتَرِمَ صِدْقَ العَاطِفَةِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ نُسَائِلَ الأَدَوَاتِ الجَمَالِيَّةَ الَّتِي تَحَوَّلَ بِهَا الأَلَمُ إِلَى نَصٍّ، وَنُحَدِّدَ مَا أَنْجَزَهُ النَّصُّ فِعْلًا، وَمَا ظَلَّ فِيهِ مُعَلَّقًا بَيْنَ سَرَابِ اللِّقَاءِ وَحَقِيقَةِ الوَدَاعِ.



