خافقٌ أربعيني/غدير حميدان الزبون

فلسطين 
هي خيوط خفية لا نراها، تمسك بتلابيب أرواحنا وتشدنا إلى الوراء كلما أثقلتنا الأيام.
إنها ذكرياتنا المخزنة في زوايا العقل مثل كائنات حية تنام وتستيقظ على وقع تفاصيل صغيرة تعني لنا كلّ شيء. لربما تأتي على شكل روائح مباغتة تعبر بنا الأزمنة في ثانية واحدة، أو أصوات دافئة تطرق أبواب قلوبنا لتوقظ فينا حنيناً ظنناه قد نام.
أعترف لكم في هذه السطور أنني لم أكن أنا من تقود خطاي، قادتني رائحة خبز قديم تعانق غبار حارة منسية، ودفعني صوت ضحكة غادرت شرفات غابت ملامحها.
إنها رحلة ارتدادية مدفوعة بفضول طفلة قديمة تخبئ في صدرها كنزاً، وتعب امرأة أربعينية تبحث عن بهائها الغابر ليتزود به قلبها لما تبقى من العمر.
هذه الكلمات هي محاولة للإنصات إلى تلك المشاعر التي تحركنا رغماً عنا، لعلنا نجد في غبار الماضي ضوءاً ينير الحاضر.
كنتُ طفلةً تحصي خطواتها بالقفز في حارات المدينة القديمة، وكان جسدي صغيراً لكنّ أحلامي كانت تفيض عن شرفات البيوت العتيقة كسرٍّ لا يتسع له المدى.
أقفز بقلبٍ أرنبيٍّ مرتعش يخفقُ بين فضولٍ جامح وخوفٍ غامض، ولا زلت أحملق في التفاصيل تارةً ببراعة طفلة، وتارةً أخرى بعين حارسٍ يخشى أن يتلاشى السحر بغتة في الشقوق التي تصنعها الشمس كخرائط سرية على الجدران، وفي رائحة الخبز التي تعانق غبار الطرقات لتقودني نحو المجهول، وفي الوجوه العابرة التي تخبئ خلف ملامحها حكاياتٍ لم تُرْوَ بعد.
كان في صدري كنزٌ من الحنين الدفين، صندوقٌ أسود يتوهج، واليوم… جئتُ لأكسر قفله، وأمنح تلك الطفلة بقلبها القلق وشغفها المدهش الصوت الذي سيوقظ كلّ الذكريات.
أعود اليوم، وفي العقد الأربعين من عمري، أقفُ على حافة الزقاق ذاته؛ لكنّ جسدي الذي كان يوماً يقفز بخفة الأرانب يسير الآن بخطى متثاقلة، مثقلةٍ بنزف روحي وعثرات السنين.
جئتُ أسترجع زمناً تسرب من بين أصابعي، لأتفقد تفاصيلي القديمة التي تركتُها هنا.
أسيرُ الهوينى وأتحسس عتبات البيوت التي تآكلت أطرافها، تلك التي شهدت يوماً شقاوتي، فتبكيها اليوم خطاي المتعبة.
أرفع عينيّ نحو النوافذ الخشبية القديمة المغلقة كأجفانٍ أضناها الانتظار، فلا أرى خلف زجاجها المغبر سوى أشباح الراحلين من الأهل والأحبة.
رحلوا جميعاً… غادرت الوجوه التي كانت تملأ الكون دفئاً، ولم تترك خلفها سوى غبار التاريخ الذي يتصاعد مع كل نفسٍ أتنفسه هنا.
ومن بين كلّ الغائبين تلوح صورتكِ أنتِ.. يا أمي. يا منبع الدفء الذي كان يحميني من خوف قلبي الأرنبي.
أقف في غيابكِ وثقل أربعيني وحيدة، أنظر إلى نافذتكِ المهجورة، وأغرف من بهاء هذه الأزقة وسحرها الغابر ملء جفوني، أجمع بقايا طيفكِ من شقوق الجدران ليكون دواءً لنزف روحي، وزاداً وضوءاً يضيء ما بقي لي من العمر.
خبئيني جيداً يا جدران أمي، فقد جئتُ لأسرق منكِ طفلتي القديمة، وأمضي…



