جَغرافيّة النّدوب والسّتر: قراءة نقدية في ومضة “وشوم”/غدير حميدان الزبون

فلسطين 
تُبْنى الأسرارُ في صدور الآباء كالمباني القديمة، فحيطانها السّتر، وجدرانها الصمت، غير أنّ للزمن مِشْرَطاً لا يرحم ينقرُ في جدار العمر ليحفر خُروقاً نُسمّيها حين نُجمّل الوجع تضحيات. وفي المساحة الضيقة جداً بين السطر والسطر، وتحديداً في المساحات السحرية التي تُراهن عليها “القصة القصيرة جداً” يطلّ علينا نصُّ “وشوم” للأديب مصطفى غازي العبيدي كمشهدٍ بصريٍّ مباغت يُثبت أنّ بلاغة التكثيف أبلغُ أثراً من مطوّلات الملاحم.
يتّكئ النص على ركيزة سيميوطية مكثفة ومثقلة بالدلالات إذْ يتحول “المعطف القديم” من أداة اتقاءٍ للبرد إلى وثيقة إدانةٍ بصرية تُحصى فيها الندوب، ليغدو كلّ ثقبٍ فيه وشماً غائراً خُطَّ بدم الروح.
إنّ أشدّ لحظات النص إيلاماً وتأثيراً هي تلك التي يُكشف فيها جرحُ المرء الخفي في اللحظة التي يظن فيها أنه يستعرض بطولاته، فيتسلل بنا الكاتب بنعومة من مشهدٍ أبوي دافئ يُحصي فيه الأب ثقوب معطفه باستبشار، ليرتطم فجأةً بفطنة الابن الأكبر الذي يضع أصبعه على الثقب الأكبر… الثقب المخبأ جهة القلب لينفتح النص على مرآةٍ مشروخة تُعرّي الهشاشة الأبوية المخبأة تحت عباءة الوقار، وتنسج مصفوفة دلالية تتشابك فيها “الثقوب” و”الوشوم” و”النظرات الثاقبة” لتفكيك المفاهيم المستقرة عن السّتر العائلي، وآخذةً القارئ في رحلة خاطفة من البهجة الظاهرة إلى الارتباك الوجودي، والأسئلة الشائكة حول المسكوت عنه داخل شراكات العمر.
يَبدأ النّص من عتبته الأولى “وشوم”، والوشم في جوهره هو نقشٌ يُحفر بالألم والغرز ليبقى ثابتاً لا يمحوه الزمن متجاوزًا كونه زينة ظاهرة ليكون سيرة ذاتية تُكتب على الجلد.
إلا أنّ النص ينزاح بالوشم عن معناه الحسي المباشر ليجعله استعارة للندوب النفسية والوجودية، فالوشوم هي الثقوب التي نخرت ثوب العمر من أثر حافر للسنوات، وتضحيات غائرة تشهد على استنزاف الروح والجسد تحت مظلة الأبوة والمسؤولية.
تتحرك ومضة “وشوم” وفق هندسة درامية خفيفة الوزن لكنها ثقيلة المعنى، قائمة على ثلاث لحظات مكثفة:
١- لحظة الكشف والبهجة المفخخة، وتتمثّل في “خَطَرَ لي أَنْ أُحْصِيَ الثُّقُوبَ في معطفي القَدِيم… دُهِشْتُ حِينَ وَجَدْتُهَا بِعَدَدِ أَوْلاَدِي…” تبدأ البؤرة بشرارة طارئة “خَطَرَ لي”، وهي حركات الوعي العفوي.
فالمعطف القديم هنا هو خيمة السّتر والدرع الوجودي الذي يرتديه الأب ليواجه به قسوة العالم، واحتساب الثقوب برقم يطابق عدد الأولاد يحول التضحية إلى معادلة حسابية دافئة فالأب يرى في كلّ ثقب زهرةً أثمرت ابناً، فيتحول الخرق والهدم إلى مصدر غبطة في “مُبتَهِجاً”.
٢- لحظة التشقيق والتفكيك المتمثّلة في المواجهة، وجاءت في “لكِنَّ أَكْبَرَهُم شَكَّكُ في حِسْبَتي، مُشِيراً إِلى ثقْبٍ كَبِيرٍ في جِهَةِ القَلْبِ أُخْفِيهِ براحَةِ يَدِي…” لتتجلى فطنة جيل جديد من خلال ممارسة الابن الأكبر دور الناقد للنص الأبوي، فلا يكتفي الابن البكر بالعدّ السطحي، فتراه يلمَح الجرح المسكوت عنه، فالثقب المخفي براحة اليد هو منطقة المساس التراجيدي الذي حُفر في مركز الوجود “جهة القلب”.
وراحة اليد في النص هي أداة الكتمان والتظاهر بالتماسك، وعندما يُشار إليها يسقط درع السّتر.
٣- لحظة الانكسار والقفلة المباغتة، وجاءت في النص في قول الكاتب “ارتَبَكْتُ وانصَرَفْتُ مُسرِعاً، بَعدَما أَلْقَيْتُ عَلى زَوجَتي نَظْرَةً ثَاقِبةً!” لتعبّر القفلة عن الذروة التكثيفية.
فالهروب والارتباك يعكسان هشاشة السلطة الأبوية حين تُمَسُّ أسرارها العميقة.
أما رمي الزوجة بـنظرة ثاقبة فيمثل تحولاً سيميوطياً مذهلاً؛ فالنظرة الثاقبة هي سهمٌ ينفذ ليعيد وصل السبب بالمسبب.
ومن خلال التفكيك السيميوطي للرموز والتشاكلات البلاغية وقفت على مايلي:
المعطف القديم: هو رمز الهوية والمسؤولية الأبوية التي أكل عليها الدهر وشرب.
إنه الذات التي تآكلت ليبقى الأبناء دافئين، وهو غطاء السوءات والآلام.
ثقب جهة القلب: هو البؤرة التي تنكشف فيها الخديعة الوجودية أو التضحية المسكوت عنها، وهي جرح أعمق من الأبناء؛ لأنّه خُلِقَ في الشراكة الأولى مع شريكة العمر.
واللافت أنّ النص ينطوي على جناسٍ ومقابلة سيميوطية في غاية الذكاء والبراعة البلاغية؛ فالأب الذي حمل في معطفه ثقوباً تنفذ منها الرياح وتفضح العوز والجهد يَختَتِم المشهد بإنتاج نظرة ثاقبة تنفذ إلى سرّ الزوجة ومكان الجرح الأكبر ليتقابل الثقب في المعطف بنظرة “تَثْقُبُ” حجب الصمت وتضع الأُصبع على مصدر الألم الأكبر وهو الزوجة.
ويتمثّل البُعد النفسي والاجتماعي في هشاشة الأب وتعرية المسكوت عنه إذْ يقدم النص قراءة في سيكولوجيا الأب الشرقي الذي يحرص على تقديم تضحياته في قالب ملحمي سعيد بثقوب الأبناء، لكنه ينهار حين يُكتشف جرحه الخفي الذي لا يد للأبناء فيه.
إنّ القصة تتجاوز فكرة “التضحية الوالدية” التقليدية لتصل إلى إدانة مضمرة لمسارات الشراكة الزوجية والمسكوت عنه داخل الأسرة لتبقى بعض الثقوب في قلوب الآباء وشوماً غائرة صنعتها خيانات، أو خيبات، أو جراح عاطفية لم تُشفَ، يُغطيها الأب براحة يده حتى لا يُفجع بها الأبناء.
إنّ ومضة “وشوم” لمصطفى غازي العبيدي لوحة مكثفة صيغت بمشرط جراح وريشة شاعر.
وقد نجح الكاتب في اختزال تجربة عمر كامل بكلّ ما فيها من ستر وتضحية وانكسار في سطور معدودة تموج بالمفارقة وتستقر في دهشة القارئ مؤكدةً أنّ أشد الثقوب إيلاماً في معاطف حياتنا هي تلك التي نُخفيها براحة أيدينا ونحن نرتجف.



