نَبْرَاتُ العَزْمِ / بلعربي خالد

نَبْرَاتُ العَزْمِ فِي لَيْلِ أَوَّلِ نُوفَمْبَر
يُخيِّمُ الليلُ…
على الأفقِ البعيدْ،
وتحتَ أديمِ الجرحِ صمتٌ مهيبْ،
كأنَّ الأرضَ تحبسُ أنفاسَها،
وتُصغي لنبضِ الفجرِ،
تسترقُّ خطى الصباحِ الجديدْ…
وفجأةً…
تأتي الرعودْ!
ويشقُّ سكونَ الدجى صوتُ البنادقْ،
ويهبُّ نوفمبرُ كالبرقِ،
كالطوفانِ،
كالوعدِ الذي لا يحيدْ!
هبَّ نوفمبرُ من رحمِ الظلامْ،
يكنسُ ليلَ القهرِ،
ويزرعُ في المدى شمسَ الكرامْ.
من قممِ الأوراسِ عادَ المجدُ منتفضاً،
وأطلقَ الرصاصةَ الأولى…
فانتفضتْ خلفَ القضبانِ الأحلامْ!
تزلزلتْ أرضٌ،
وتهاوتْ عروشْ،
وانشقَّ صدرُ الليلِ عن فجرٍ جسورْ،
وأشرقتْ شمسُ الجزائرِ من دماءِ الأحرارْ،
تخترقُ الغيومَ،
وتوقظُ التاريخَ من سباتِ الدهورْ.
رصاصٌ يدوّي…
فيوقظُ حلماً توارى،
ويقضُّ مضاجعَ طاغيةٍ مغرورْ،
ويبعثُ في العظامِ حياةً،
وفي القلوبِ نشيداً،
وفي الترابِ بذورَ النصرِ والنورْ!
على عتباتِ الدار…
أمٌّ تُناجي الليلَ،
تضمُّ جراحَ ابنِها الفادي،
وتُخفي دمعةً في مقلتيها،
وتقولُ والقلبُ بينَ الخوفِ والإيمانِ ينادي:
«يا بُنيَّ، إن أزفَ اللقاءْ،
فاعلمْ بأنَّ الوطنَ أمانةْ،
لا ترضخِ الذلَّ،
ولا تنحنِ للطغاةْ،
فدماكَ طُهرٌ،
وعهدُكَ رايةٌ،
ستظلُّ تروي أرضَنا بالإباءْ».
وفي زاويةٍ من زوايا الليلِ،
طفلٌ صغيرْ،
يرقبُ خطوَ العسكرِ المارقينْ،
يحفرُ في جدارِ البيتِ حرفاً،
ويكتبُ، رغمَ الخوفِ، نشيدَ الصامدينْ:
«يا جزائرُ، نحنُ أباةْ،
لا ننحني،
لا نستكينْ،
إن طالَ ليلُ الظلمِ،
فالفجرُ آتٍ،
والحقُّ لا يموتُ في صدرِ السنينْ».
فاسمعْ صهيلَ الجبالْ،
واسمعْ هديرَ النضالْ،
فهذا نوفمبرُ ليس شهراً مضى،
ولا ذكرى تُروى على مرِّ الأجيالْ،
إنّه عهدُ الرجالِ،
ودمُ الشهداءِ،
ونبضُ وطنٍ لا يزولْ!
نوفمبرٌ ليس تاريخاً على ورقْ،
بل قبسٌ من دماءِ الأوفياءِ،
وشعلةٌ لا تنطفئُ في القلوبْ،
تضيءُ دروبَ الحريةِ،
وتشقُّ بسيفِ الحقِّ صدرَ الظلامْ،
وتردُّ كيدَ كلِّ باغٍ،
وكلِّ جبارٍ،
وكلِّ من رامَ للجزائرِ انكسارْ.
نبضُ الأوراس…
يا ليلُ، خفِّفْ من عتماتِكَ،
فالفجرُ في الأفقِ يكادُ يُسفرُ،
والأرضُ من شوقِ الخلاصِ تُكبّرُ،
نُرتّلُ الصبرَ في كفِّ الرُّبى أملاً،
ونحملُ الحلمَ رغمَ الجرحِ،
حتى أتى الوعدُ الذي لا يتأخّرُ…
«أتى أمرُ اللهِ فلا تستعجلوه».
فانشقَّ ليلُ الطغاةِ عن بارقةٍ،
وتفجّرَ الضوءُ في الآفاقِ،
وانسابَ من قممِ الأوراسِ صوتٌ هدّارْ،
كأنَّ الجبالَ على موعدٍ مع الانتصارْ!
هبَّ نوفمبرُ كالطوفانِ منحدراً،
من رحمِ الثورةِ الكبرى، فانتصرَ الحجرْ،
وتزلزلتْ أركانُ دولةِ ظالمٍ،
وتكسّرتْ فوقَ صخورِ العزمِ أغلالُ القهرْ.
رصاصةُ الحقِّ أرعبتْ ظالميها،
وصرخةُ الثأرِ امتدّتْ في المدى،
حتى تردّدَ صداها في الأكوانْ،
وأعلنتْ أنَّ الجزائرَ لا تُهانْ!
يا موطني…
يا جرحَ أمةٍ أبيّةْ،
يا قبلةَ الأحرارِ،
يا أرضَ التضحيةْ،
شققتَ نحرَ الدجى بعزيمةِ الأبطالْ،
وغسلتَ وجهَ الأرضِ بماءِ الإباءْ.
فكم من جبارٍ تهاوى غرورُه،
وكم من باغٍ أضاعَ عرشَه،
حين استقامَ الحقُّ في وجهِ الطغيانْ،
وحين نطقَ الأوراسُ باسمِ الجزائرْ!
تمضي الخطى…
والأمسياتُ كئيبةٌ،
والدربُ محفوفٌ بالجراحِ والمحنْ،
لكنَّ في قلبِ الجزائرِ جذوةً،
لا تنطفئُ،
مهما تعاقبَ ليلُها،
ومهما اشتدَّ الزمنْ.
أمٌّ تودّعُ مهجةَ الروحِ ابتساماً،
وتُخفي وراءَ الصبرِ دمعاً مُثقلاً،
وتقولُ والنجومُ شهودُ حكايتِها:
«يا بُنيَّ، فداكَ حمى الأوطانِ،
لا تحزنْ،
فإنَّ اللهَ معنا،
وإنَّ الحقَّ لا يُخذلُ من سارَ في دربِ الكرامةْ.
لا ترضخِ العارَ،
ولا تبعْ عهدَ الشهداءِ،
فأنتَ للوطنِ رايةٌ،
وللحريةِ علامةْ».
وهناكَ، في غفلةِ الغاصبينْ،
تنسابُ أغنيةٌ من شفاهِ الطاهرينْ،
تجري نشيداً في العروقِ،
وتكبرُ في الصدورِ،
وتقولُ للأجيالِ أجمعينْ:
«أرضَ الجزائرِ، إن هبّتْ رياحُهمُ،
فالروحُ تفديكِ،
والأرواحُ دونَكِ تُستباحْ،
لن نستبدلَ بالعزةِ ذلّاً،
ولن نساومَ على عهدِ الكفاحْ».
فاسمعْ نداءَ المدى الصافي يُجلجلُ في الورى:
نوفمبرٌ عهدُ صدقٍ لا يخونْ،
وميثاقُ شعبٍ لا يلينْ ولا يهونْ.
نحنُ الجبالُ التي ما هزَّها عصفٌ،
ونحنُ صخرُ المنى إن صاحَ داعيها،
نحنُ الذينَ إذا دعانا الوطنْ،
لبّينا النداءَ،
وحملنا الرايةَ،
ومضينا على دربِ الشهداءِ.
سيفٌ على الظلمِ،
وفجرٌ يشقُّ دجى الطغيانْ،
وصوتٌ يردّدُه الزمانُ:
أنَّ الجزائرَ لا تموتْ،
وأنَّ شعبَها لا يركعْ،
وأنَّ عهدَ نوفمبرَ باقٍ ما بقيَ الإنسانْ!
يا نوفمبرُ…
يا فجرَ الحريةِ،
يا سرَّ العزيمةِ في ضميرِ الأجيالْ،
سلامٌ على من أشعلوا الفجرَ من دمِهم،
سلامٌ على من كتبوا المجدَ فوقَ الجبالْ،
سلامٌ على الأوراسِ،
على الشهداءِ،
على كلِّ أمٍّ وهبتْ للوطنِ فلذةَ كبدِها،
وعلى شعبٍ جعلَ الحريةَ أغلى الآمالْ.
ستبقى الجزائرُ…
فوقَ الجراحِ شامخةً،
وفي سماءِ المجدِ خافقةً،
وفي قلبِ التاريخِ خالدةً،
وسيظلُّ نوفمبرُ نبضَها،
وسرَّ عزِّها،
وشعلةَ فجرِها الذي لا يغيبْ.
عاشت الجزائرُ حرّةً أبيّةً…
المجدُ والخلودُ لشهدائنا الأبرار.



