سعدي يوسف تحت المجهر/لؤي التميمي

لقد حاول كثيرون، عبر سنوات طويلة، أن يمنحوا سعدي يوسف مكانةً شعرية لا يسندها النص ولا يدعمها الإبداع. فالرجل بدأ الكتابة بشيء من الطموح، لكنه سرعان ما فقد البوصلة الإبداعية، ولم يترك في مسيرته ما يمكن أن يُعدّ علامة فارقة أو نصًا يرسّخه في الصف الأول من الشعر العربي. كل ما تبقى من تجربته هو أثرٌ سياسيّ وضجيج إعلامي، لا نتاج شعري يواجه الزمن بثبات.
ومع مرور السنوات تحوّل من كتابة القصيدة إلى كتابة نصوص نثرية مضطربة، نصوص لا تحمل أدنى اشتراطات الشعر؛ جمل متكسّرة، خواطر مبعثرة، وعبارات يومية تُقدَّم على أنها “قصائد”. يكفي أن نقرأ ما سمّاه “قصيدة” بعنوان «مصر العروبة.. عراق العجم» لنفهم حجم الانهيار: كلام انفعالي، لغة مرتبكة، ونبرة عدائية لا تمت للشعر بصلة. ومع ذلك ظلّ بعض المدّعين يدافعون عن هذه النصوص وكأنها فتحٌ شعري، بينما كانت في الحقيقة شهادة وفاة للغة عند كاتبها.
وما هو أخطر من هذا الانحدار الفني هو انحداره الوطني. فقد صار يطلق على موقعه الشخصي عبارات تهجمية على رموز العراق وتاريخه وشخصياته، وهي أمور أشار إليها مثقفون عراقيون، منهم فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء العراقيين عام 2014. لم يكن الخلاف فكريًا، بل كان حقدًا شخصيًا يسكبه في نصوص هشة لا تصلح أن تكون رأيًا ولا أدبًا.
ثم جاء السقوط الأكبر حين أصدر عبارات فُهمت على أنها إساءة للرسول محمد (ص)، في موقف صادم حتى لمن منحوه سابقًا أعذارًا وألقابًا مجانية. لم تكن “جرأة” ولا “شعرًا”، بل انفعالًا عدميًا يكشف انهيارًا أخلاقيًا قبل أن يكون انهيارًا فكريًا. ومن بعد ذلك، انجرف بخطابه ليبرّر أو يهادن جماعات متطرفة اعتدت على الأرض والناس، في لحظةٍ لم يعد فيها أيُّ مثقف شريف قادرًا على الدفاع عنه.
أما على المستوى الفني، فقد ترك وراءه مجاميع شعرية كاملة ليست إلا قصيدة واحدة مكررة بموضوع واحد: الخمر والنساء. لا تنويع، لا تعمّق، لا رؤية جمالية، بل تكرار سطحي لفكرة واحدة، حتى وإن تغيّرت القافية أو الصورة أو اللهجة. وبذلك أصبح “المشروع الشعري” الذي يروّج له البعض مجرد مادة مستهلكة لا تمتلك لا نضجًا فنيًا ولا قيمة حداثية.
وفي سنواته الأخيرة، وصل إلى مرحلة أصبح فيها يكتب الجملة اليومية ويُسمّيها “شعرًا”. الكلام المباشر، والانفعال، والشتائم المقنّعة هي ما حلّ محل الوزن والصورة والخيال. ومع هذا ظلّ المؤيدون يرفعونه على أكتافهم كأنهم يخشون الاعتراف بأنهم دافعوا طويلًا عن تجربة لم تكن تستحق هذا الدفاع أصلًا.
إن من يروّجون لسعدي يوسف اليوم لا يدافعون عن شعر، بل يدافعون عن اسم يأملون أن يمنحهم قيمة نقدية مفقودة. إنهم يتمسّكون بظلّ “شاعر” لم يقدّم قصيدة تُخلَّد، ولم يحفظ علاقة مع وطنه، ولم يترك أثرًا فنيًا يليق بكل ما ملأوا به الساحة من ضجيج حوله.
الحقيقة أن تجربة سعدي يوسف، بكل ما فيها من تضخيم، لم تكن سوى مشروع صغير نما بالسياسة وسقط بالشعر. ووراء هذا السقوط تتكشّف هشاشة أولئك الذين تمسكوا به، أولئك الذين ظنّوا أن الدفاع عن اسمٍ متآكل سيجعل منهم نقّادًا كبارًا، بينما لم يجنوا في النهاية سوى الدفاع عن فراغ لا يستر عورته أي خطاب أدبي أو وطني.



