📰 آخر الأخبار
Six Poems By MESUT ŞENOL-Turkeyلبيد بن ربيعة/أحمد بن الأمين الشنقيطيزهير بن أبي سلمى/أحمد بن الأمين الشنقيطيطرفة بن العبد/أحمد بن الأمين الشنقيطيامرؤ القيس/أحمد بن الأمين الشنقيطيدريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلهل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى كابوس يقض مضجع البشرية؟هشام فرجيKnee Pain / Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanهامش  يتيم/عارف عبد الرحمنأَسْفَارُ البَشَرِ / أ. عبدالكريم مراد الحب بوصفه استجابة للذة والألم/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربمشرب سورات/ليو تولستوي-ترجمة عبد العزيز أمين الخانجيأم أحمد / نجيب محفوظ«صباح الورد»… رؤية نجيب محفوظ للمجتمع المصري/أحمد طهTwo Poems By Lynthia Julius - South Africaقطةً عمياء / أيمان عبد الرحيمالتماثل الابيضان/جواني عبدالرِوايَة الْإِرْهَابُ وَدَمَارُ الْحَدْبَاءِ لعصمت الدوسكي/الْجُزْءُ الْأَوَّلُ - قَبْلَ الْبِدَايَةِ-هندة العكرمي – تونسالمسافة بين جفنين: جواز سفر إلى حرية الذات. قراءة نقدية في نص عتيقة هاشمي/عبد العزيز الخبشي- المغربتأثير ميشيل فوكو في مشروع إدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردنيبدو أن ثمة للكاردينال من يراسله..أسطورةُ ميزوفانتي مُتعدد اللغات/كريم عبيد علوينازك الملائكة / لؤي التميميسعدي يوسف تحت المجهر/لؤي التميميهل الملحد بالضرورة، جاهل ؟رامي الحلبيلم اغنّ هكذا من قبل/عبد الرزاق الصغير
Six Poems By MESUT ŞENOL-Turkeyلبيد بن ربيعة/أحمد بن الأمين الشنقيطيزهير بن أبي سلمى/أحمد بن الأمين الشنقيطيطرفة بن العبد/أحمد بن الأمين الشنقيطيامرؤ القيس/أحمد بن الأمين الشنقيطيدريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلهل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى كابوس يقض مضجع البشرية؟هشام فرجيKnee Pain / Bahtiyar Hidayet - Azerbaijanهامش  يتيم/عارف عبد الرحمنأَسْفَارُ البَشَرِ / أ. عبدالكريم مراد الحب بوصفه استجابة للذة والألم/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربمشرب سورات/ليو تولستوي-ترجمة عبد العزيز أمين الخانجيأم أحمد / نجيب محفوظ«صباح الورد»… رؤية نجيب محفوظ للمجتمع المصري/أحمد طهTwo Poems By Lynthia Julius - South Africaقطةً عمياء / أيمان عبد الرحيمالتماثل الابيضان/جواني عبدالرِوايَة الْإِرْهَابُ وَدَمَارُ الْحَدْبَاءِ لعصمت الدوسكي/الْجُزْءُ الْأَوَّلُ - قَبْلَ الْبِدَايَةِ-هندة العكرمي – تونسالمسافة بين جفنين: جواز سفر إلى حرية الذات. قراءة نقدية في نص عتيقة هاشمي/عبد العزيز الخبشي- المغربتأثير ميشيل فوكو في مشروع إدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردنيبدو أن ثمة للكاردينال من يراسله..أسطورةُ ميزوفانتي مُتعدد اللغات/كريم عبيد علوينازك الملائكة / لؤي التميميسعدي يوسف تحت المجهر/لؤي التميميهل الملحد بالضرورة، جاهل ؟رامي الحلبيلم اغنّ هكذا من قبل/عبد الرزاق الصغير
مقالات نقدية

دريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايل

وعلى الرغم من أن نص كافكا — الذي لا يشبه مثلًا نص سيرفانتس «دون كيشوته» Don Quixote — لا يدور صراحةً عن الكتب والتعليقات، فإن سؤال الكتابة يتخلل بنيته، «لأن الموضوع الرئيسي للسرد — ولنقل الموضوع الرئيسي لرحلة كي الغريبة — لا يتألف من الذهاب من مكان إلى مكان، بل من تفسير إلى تفسير، ومن معلق إلى معلق» (L’entretien infini, p. 576). وأي قراءة ممكنة لعلاقة كي «الحقيقية» بالقلعة تظل غير وافية أو نهائية. فالكتاب يبدو غير مكتمل من حيث المبدأ، كما يبدو تصادفيًّا عارضًا.

ها هنا، يعارض بلانشو معارضة حادة رأي هيدجر عن مثالية التعليق التي تكلم عنها عند تحليله هولدرلن. إذ طبقًا لهيدجر: «على الكلام الشارح أن ينفصل في كل مرة عن نفسه وعما يسعى إليه على السواء»، و«كل عرْض بما يحمله من شرح يتلاشى في مواجهة وجود القصيدة المحض».٢٦ ولا ينصف هذا الوصف ممارسة هيدجر العملية، كلا ولا القضايا التي تثيرها. وأما بلانشو فيرى أن التعليق يدخل إلى الوجود المحايد للعمل. وتلخص جيرترود شتاين Gertrude Stein «بنية» التعليق أو «حرﻛﺘ»ﻪ في العبارة الآتية: «الوردة هي الوردة هي الوردة». فمن ناحية، يبدو هذا التعليق تكرارًا وحشوًا، ومن ناحية أخرى يثبت جمال الوردة وتفردها برفض تعريفها بأي شيء سوى نفسها. وفي الوقت نفسه، الوردةُ ووجودها (الوردة هي الوردة هي الوردة) معهودٌ بهما إلى الزمن الميت في الفضاء الأدبي بحركته الغريبة في الانعطاف (على نفسه) (L’entretien infini, p. 504). وإذن، يجب أن يتخلى كتاب «خطوة-لا»، ضمنًا، عن المطامح الأداتية أو الثيماتية لصالح نص يَتصادى مع (أو يقول «نعم» ﻟ) الوجود المحايد للعمل. وينبغي أن يكون التعليق شكلًا من الافتتان بالعمل، بالمعنى الفريد الذي حدده كتاب بلانشو ﻟ «الافتتان» (انظر أدناه).

ومثل مواضع عديدة في كتاب «الانتظار النسيان»، يأتي كتاب «خطوة-لا» في شكل حوار. ثمة صوتان؛ أحدهما صوت رجل وهو صوت تفسيري إلى حد ما، والآخر صوت امرأة وهي الصوت الأكثر تشككًا؛ وكلاهما يتحاوران حول مادة نصوص بلانشو.

وينقسم تحليلي إلى ثلاثة أقسام.

I

بقدر ما يجب أن يُفهَم السرد بوصفه طريقة في الشعر، فمن السذاجة تمامًا قراءته بوصفه تعبيرًا عن ذاتية شخصية. ومن غير المقبول أيضًا فكرة التعليق الذي يدع النص «كما هو عليه». التعليق أصيل في حركة السرد نفسه. وكما يلاحظ أحد المتحاورَين في كتاب «خطوة-لا»، فيقول: حتى لو اقتبس أحدنا كل شيء قاله بلانشو فستظل الحركة الكلية مفقودة. أما في عمل دريدا الحديث فيتزامن مطلب القراءة والعنف الضروري — الذي يجب على أي قراءة أن تجسده — في مفهوم «المقاطعة» interruption. لا توجد لغة سِلْمية أو مغايرة تمامًا. فالتعليق، كما في كتاب «خطوة-لا»، يرافق/يقاطع النص «الأصلي» بطريقة تُضمِّن الآخرَ داخل الشيء نفسه. فلا نص ينطوي على أي صلابة أو تماسك من دون أن يقاطعه الآخر.٢٧ يتميز كتاب «خطوة-لا»، وكذلك حوار لاحق عن ليفيناس (انظر أدناه)، بوجود أصوات يقاطع أحدها الآخر على نحو متكرر. (والحق إنه إذا أعدنا النظر فيما مضى، فمن الممكن ملاحظة أن فكرة المقاطعة من هذا النوع تنطبق على الطريقة التي يمارس بها هيدجر الحوار).

«عند الدخول في علاقة مع الآخر، لا بد أن تكون المقاطعة ممكنة؛ ولا بد أن تكون العلاقة علاقة مقاطعة. والمقاطعة، هنا، لا تقاطع العلاقةَ مع الآخر، بل هي التي تبادر إلى العلاقة معه.» (دريدا)٢٨

ويضع بلانشو في كتابه «خطوة أبعد» إطارًا لتاريخ فكري تفكيكي، فيثبت أصالة القراءة أو التعليق في تكوين معنى النص «بأثر رجعي»:

«نحن نعرف أن العمل، في ضرورته التاريخية، تُعدِّله، وتحوِّله، وتتجاوزه، وتفصله عن نفسه، وتعود به إلى خارجه باستمرار كلُّ الأعمال التي تأتي بعده» (Le pas au-delà, p. 54).

ويكمن قدر كبير من «أصالة» دريدا المتعلقة بالأدبي في قراءات هيدجر وبلانشو اللذين جعلا عمله يبدو مشتقًّا منهما. ومن ثَم، تُقرَأ المكانة الفعلية لعمله بوصفها نتاجَ العلاقة بالآخر وفضاءً ﻟ «تبادل مؤجل بين القراءة والكتابة» على حد سواء (Writing and Difference, p. 11). وبتعبيرات دريدا الخاصة، لا يحدث التوقيع على النص «حتى» يُقرَأ النص. وما تلقيه سوى ضرورة ومخاطرة أنطولوجية لا مادة تاريخ تجريبي. ومن هنا، يكون النص «منفتحًا» دائمًا، ويكون معناه قيد الوصول دائمًا، أو المجيء، في عملية تأسيس بأثر رجعي، قيد التشكل دائمًا، من خلال مصادفات تَعرض له في «مستقبله».

وليس من الضروري أن يُكتَب التعليق بعد النص حتى نفهم أنه تعليق على النص. ففي مقاله «مواصلة الحياة»، يقرأ دريدا كتاب بلانشو «عقوبة الإعدام» من خلال مقطوعة شيلي Shelly «انتصار الحياة» Trimph of Life (١٨٢٢م)، فيذهب إلى أن «كل نص منهما يقرأ الآخر … كل «نص» هو آلة ذات رءوس قراءة متعددة بالنسبة إلى النصوص الأخرى.» (Living On, p. 107) هكذا، يغدو نصَّا شيلي وبلانشو شريكين في حوار يكتسب فيه كل نص منهما معناه في علاقته بالنص الآخر، الأمر الذي يؤكد النصية بوصفها «عملية انفتاح/انغلاق لا يمكن اختزالها أو التقليل من شأنها، تُعيد تكوين نفسها من دون كلل.» (Dissemination, p. 337) وفي المقابل، يشكل كتابُ «خطوة-لا» جزءًا من إعادة تهيئة شكل الحوار الذي انخرط فيه دريدا على مدى سبعينيات القرن العشرين، وقد جاء ترتيب الكتاب بين كتابي «نواقيس» Glas (١٩٧٤م) و«بطاقة بريدية» The Post Card (١٩٨٠م).

لذا، من الملائم تمامًا القول إن كتاب «خطوة-لا» يمثل، من زوايا عديدة، تقليدًا لكتاب بلانشو «الانتظار النسيان»، إذ لا تغدو الحركةُ فيه نحو إثبات الحوارية — «الكلمة المتعددة» بوصفها مؤسِّسة النصيةَ في صورة زمنية منحرفة — موضوعَ العلاقة بين المتحاورَين فقط، وإنما بين «دريدا» و«بلانشو» أيضًا.

يُفتتَح كتاب «خطوة-لا»، بالكلمة تعالي  viens، التي تمثل دعوة من المُحاوِر الرجل إلى نظيرته المرأة، والتي هي — في الوقت نفسه — كلمة مقتبسة من بلانشو؛ حيث تُحوَّل الكلمةُ — في التأمل — إلى كلمة حوارية أو كلمة تعددية لها اعتبارها في سرود بلانشو. ها هنا، يظهر على الفور التشاكل مع هيدجر:

«لا تتبادل كلمةُ تعالي شيئًا، ولا تتواصل، لا تقول شيئًا، كلا ولا تَعْرض شيئًا أو تصفه أو تحدده أو تقرره؛ وحتى في اللحظة التي تعلن فيها عن نفسها، لا يوجد شيء أو شخص، كلا ولا ذات أو موضوع.» (Pas, p. 26)

عند هيدجر، يهتم الشعر بذلك بالانفراج الساطع الذي يُوهَب به الدازاين عالمًا ويُحدد في تصوره لنفسه على السواء. وتُعيد كلمة تعالي، بوصفها صيغة نداء، كتابةَ هذه الفكرة من منظور قضايا التفرد والأخلاق التي يمكن مطالعتها عند بلانشو (See Pas, p. 79). وفي المقابل، لا ترتبط كلمة تعالي بتجلي عالَم عمومًا. وتماشيًا مع مناقشة بلانشو في «الكلمة المتعددة»، فهي بصيغة الجمع «حدث فردي في كل مرة» (Pas, p. 27). على نحو أصيل. وبالمثل، تتضمن عنصرًا أخلاقيًّا متعديًا، فترتبط بالخارج والغير («متجاوزةً الوجود»، فيما يقول دريدا). إنها علاقة تؤسس أطرافًا مرتبطة من دون تحييد آخرية هذه الأطراف أو تحييد عدم قابليتها للمُعايَرة أو القياس؛ لأن الوجود نفسه فريد في كل مرة. والأكثر من هذا، فإن كلمة تعالي «أدبية» بطبيعتها واقتباس بالفعل، وذلك تماشيًا مع إزاحة الشعر الهيدجري المتتبع في سرود بلانشو. إنها تنادي «نفسَها» في حركة أو طلب التعليق (على نفسها):

«إنها حتى لا تنادي أي شخص يوجد قبل النداء. ولعل الأدق القول إنها تنادي النداءَ، وتدعو نفسَها، على شرط ألا يَفهم أحدنا من ذلك أي نوع من الانعكاس التأملي.» (Pas, p. 26)

وكما يوحي هذا الاقتباس بالفعل، تعمل كلمة تعالي أيضًا على تسمية دعوة الانتظار المتكررة في كتاب «الانتظار النسيان» وبنيته الغريبة ذاتية التفريغ. إنها إغراء بقول «نعم» لقراءةٍ تحرر نفسَها، حتى عندما يُسلِم ذلك الإغراءُ نفسَه لها.٢٩

أما الكلمة الأخرى التي يستعملها دريدا في التأمل حتى يسمي نصية سرود بلانشو فهي كلمة pas (= خطوة + لا)، التي يمكن إما أن تدل على النفي («لا») أو على اسم («خطوة»). وتتحرك أصداء هذه الكلمة في اتجاهات عديدة؛ فهي تُلامِس فكرةَ «الرجْعة» [بمعنى خطوة إلى الخلف] step back بوصفها تحويلًا للغة وانحرافًا بها، طبقًا لبنية الانتظار أو بنية كتاب مالارمه «محاكاة»، في خطوة ليست بخطوة، بل تحييدًا. لا توجد حركة، وإنما تمثيل صامت لها فقط.٣٠ ويلح كتاب «خطوة-لا» على أن بنية كلمة pas ينبغي ألا تُفهَم بوصفها أي شكل من اللعب بالكلمة، لأن هذا الفَهْم معناه الارتداد مرة أخرى إلى قراءة النص بوصفه معالجة ذاتية يقوم بها المؤلف. إن كلمة pas — إذا جاز القول — تفرض نفسها، بما يتناسب مع ما يفكر فيه أحدنا عبر التغاير الذي نحن بصدده. وثمة مفارقة هنا، فالمرء لا يمكنه الاقتراب من الآخر — بما هو آخر — إلا بإثبات غيريته من منظور اقتراب يُكثف بُعْدَنا عن أي اقتراب منه، «خطوة التباعد وإيقاف التباعد» [خطوة اللامسافة pas d’é-loignement] (Pas, p. 37). فاللغة، وهي تلبي دعوة الآخر التي لا يمكن تمثيلها، لا «تقترب» أو تدنو من الغير إلا بحركة من إزاحة الذات، بها يغدو الحوارُ «عن» بلانشو شكلًا جديدًا من كتابة لا تندرج تحت أي نوع، ولا اسم لها تَتسمَّى به بعد.

«في خطوتها المزدوِجة (خطوة القرب بوصفه ابتعادًا)، يزيح الآخرُ التعارضَ بين القريب والبعيد، من دون الخلط بينهما مع ذلك. فهي خطوة تُخضع الحضورَ الفينومينولوجي لحركتها» (Pas, p. 37).

إنها تتعلق بما قد يبدو تناقضًا ذاتيًّا براجماتيًّا أو تجسده، الأمر الذي يذكرنا بسجالات قديمة حول حالة «اللاشيء» بوصفه مشارًا إليه؛ كما يذكرنا بنقطة أثرناها سابقًا أيضًا فيما يتعلق ﺑ الشعر، ألا وهي اللافعالية النسبية لأشكال النفي في اللغة الشعرية. وتترك كلمةُ pas في اللغة — من حيث دلالتها مرةً على النفي «لا»، ومرةً على الاسم «خطوة» — أثرًا أو أثرَ خطوةِ اقترابٍ واحدةٍ (عبر النفي) من الآخر. والحاصل من ذلك كلمة مركبة، تتميز حركتها الإجمالية بأنها أعقد من أن تكون إثباتًا أو نفيًا. وعليه، لا تعدو كلمة pas بدلالتها المركبة أن تكون مفهومًا يُمسك في آنٍ بحركة القرب والابتعاد المزدوِجة، الأمر الذي يَحْرِف أفكارَ هيدجر عن الاختلاف الأنطولوجي و«الرجْعة» ويزيحها. فكلمة pas التي يمكن كتابتها هكذا (p)as، ينبغي ألا تُفهَم بوصفها تسمية لأي مفهوم عن الكتابة أو التحييد (Pas, p. 52)، بل تؤدي بالأحرى هذا المفهومَ. يتتبع المُحاوِر الرجلُ الطريقةَ التي تعمل بها كلمة pas في نصوص بلانشو، لا سيما نصه «خطوة أبعد» (١٩٧٣م)، وفي الوقت نفسه نصوصه الأحدث. فيَقرأ هذه الكلمةَ بوصفها وجودًا ملتفًّا على نفسه («خطوة-لا خطوة» step-not) في بنية شَلَلٍ يشبه بنية الحياد الفاعلة في استعمال بلانشو التعبير sans (= من دون) في عبارات من قبيل: تقرير من دون تقرير  rapport sans rapport، نحن من دون نحن  nous sans nous … إلخ، إن كلمتَي pas وsans، بما هما كلمتان «تفعلان» ما «تصفانه»، أو من حيث هما «حدثان» «يتعلقان» بهما، تتجسدان — من ثَم — في «كلمة» واحدة تجسد فتنتَها حركةُ السرد بوصفه كلًّا، وكذلك الحوارُ!

ويَلزم عن ذلك أن كلمات «تعالي» viens و«خطوة-لا» pas و«من دون» sans تحدد علاقة القراء بنصوص بلانشو على أساس أن فتنتها هي التي تجذبنا إلى الفضاء الأدبي، أُنشوطة القرب المنعقدة بوصفها انفصالًا يضفي على السرود نفسها قوة جاذبة. و«الفتنة» هي الاسم الذي يسمي به بلانشو حركة الكتابة التي تسحب نفسَها من تحديدات الفضاء والزمن المتعارف عليها، والتي تجذب القارئ، بفضل عجزها نفسه، إلى ذلك الآخر أو الفضاء الأدبي؛ ففيه تُثبِت نفسَها «في محيط مبهم من الفتنة» (The Space of Literature, p. 32). وتؤكد كلمة pas [بدلالتها على الخطوة ونفيها] أن كلمة تعالي  viens ربما تُقرَأ بوصفها الكلمة المعبرة عن هذه الفتنة: الحاجة إلى التماهي مع جاذبية النص من دون تطابق، ومن هنا، يُعد الانجذاب إلى فتنة هذه النصوص دخولًا في علاقة مع بلانشو ينجذب من خلالها بلانشو والقارئ معًا إلى حوار لا يتملكان نفسهما عنه، كالشخصيتين في سرد بلانشو. وفي المقتبس الآتي من كتاب «خطوة-لا»، يصير الشخص المخاطَب بأنه «أنت» صيرورةً مبهمةً إلى الصوت الثاني في الحوار و«بلانشو» أيضًا. ترفرف خطوة الاقتراب بين أنت tu وهو il، بين «أنت» thou٣١ و«هو» he.

«أنت تفتنني، وأنا أحبك. وهذه الفتنة — ولا نَنسيَنَّ أن بلانشو يصفها ويحللها ويشرحها ولا يكف أيضًا عن إنتاجها — ليست فتنتَه، فالأحرى أنه يَفْتِنُ ما إن تفتنه الفتنةُ (مثل «أنا» الواحد الذي لا يجاريني)» (Pas, p. 93).٣٢

وبالطريقة التي أمكن بها قراءة العلاقة بين بلانشو وليفيناس في كتاب «الانتظار النسيان»، يغدو الحوارُ نفسُه «بين» هذين المفكرين شكلًا من الصداقة «في» فضاء أدبي تَبقى فيه الهُوية المحددة معلقة. ومن ثَم، لا يقوم كتاب «خطوة-لا» بمجرد «إعادة تشكيل سمة مائزة»٣٣ لبلانشو، فهذا شيء لا مبرر له، وإنما يقرأ بلانشو «طبقًا ﻟ» الطريقة التي يمارس بها بلانشو التعليق والكتابة. ولو ابتغينا السداد، ليس المقصود بذلك حتى «تطبيق أفكار بلانشو على عمله» أو مجرد تصور حاذق — نوعًا ما — للقراءة الفاحصة، بل المقصود على الأصح افتتان بدعوة الآخر أو استجابة له، وهي الدعوة التي تُسْلِم سرودُ بلانشو نفسَها لها، فتحقق — ومن ثَم تمحو أيضًا بلا انقطاع — حركةَ الرجوع المستأنفة بوصفها تعليقًا (ذاتيًّا)، والعكس صحيح. إذ يعمل شكل من أشكال التأثير غير الذاتي في نص بلانشو الذي يخضع لقيد صارم أمْلَته قوانين تماسكه كأي حجة حاسمة ترد على حجة أخرى.

II

المتحاورون الثلاثة في كتاب هيدجر «محادثة على طريق القرية بشأن الفكر» غير محدَّدي الجنس، على الرغم من أن أحدنا يشك في أنهم ذكور. أما كتاب دريدا «خطوة-لا»، ككتاب بلانشو «الانتظار النسيان»، فيتألف من التفاعل بين صوتي رجل وامرأة. ولذا، يجعل كلا النصين من الاختلاف الجنسي مظهرًا من مظاهر اللاتماثل الأصيل في اللغة والحوار لا يمكن اختزاله أو التقليل من شأنه. وعلى النقيض من ذلك هيدجر؛ لأن الدازاين عنده غير متمايز جنسيًّا، والاختلاف الجنسي لا يمكن فصله عن الاختلاف الأنطولوجي، بوصفه عنصرًا غير متماثل يجب تأكيده بدلًا من تحييده.٣٤ يتماشى كتاب «خطوة-لا» مع مشروع دريدا ﻟ «إعادة صياغة الخطاب الفلسفي أو النظري جنسيًّا».٣٥ ولكن قبل تناوُل هذا الموضوع بالتفصيل، من الضروري الوضع في الحسبان تصورات الجماعة  community عند بلانشو ودريدا؛ إذ لا ينفصل سؤال الاختلاف الجنسي عن قضية الجماعة التغايرية غير المكتفية بنفسها.

إن إحدى السمات الأكثر تحديًا في شكل الحوار أنه يُعد، بوصفه مسرحية أصوات، أداءً ﻟ طرائق الجماعة. فيمكن أن يُقرَأ بوصفه أداءً لمسائل أو قضايا من النوع التعليمي أو الاجتماعي أو السياسي، والحق إنه على عكس الصورة المتعارف عليها عن نزعة ما بعد البنيوية في العالم الناطق بالإنجليزية، يهتم جانب كبير من أعمال بلانشو بفكرة الجماعة وإمكانها على الأخص، وهي قضية ينشغل بها أيضًا كتاب «خطوة-لا» وغيره من نصوص دريدا اللاحقة عليه. وبالنظر إلى أن كل الخيارات المتاحة — تقريبًا — لصياغة مفهوم عن الاجتماعي أو السياسي، تستند إلى النزعة الإنسانية الميتافيزيقية التي يجب تجاوزها، فإن هذه القضية تظل مُلِحة إلحاحًا قويًّا. فالمضمرُ في نصوص من قبيل «الانتظار النسيان» أو «خطوة-لا» فكرةٌ عن الجماعة ترتبط بما كان قد أجمله بلانشو في نص أحدث نسبيًّا كَتبَه عن باتاي Bataille ومارجريت دوراس Marguerite Duras، تحت عنوان «الجماعة غير المعترف بها» (١٩٨٣م).٣٦ وتختلف فكرة «الجماعة» — التي نبحثها هنا — عن الطرائق التي تفهم الجماعةَ بوصفها — مثلًا — كيانًا في حد ذاته، أو بوصفها — مثلًا — انصهار الأفراد في مجموعة. ما نتحدث عنه «شكل آخر من المجتمع society لا يجرؤ المرء على تسميته «جماعة» community»  (p. 3). وتشكل هذه الجماعة التي تؤكد — على نحو فيه مفارقة — استحالةَ الجماعة، شكلًا من «التجربة الحد»،٣٧ يسائل أي موجود «فيها» نفسَه من خلال علاقته بأغياره:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition