📰 آخر الأخبار
اعرّج على جسدي / سونيا الفرجاني-تونسأربع قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالصالة المكيّفة ولسعات البعوض: حوار متخيّل فوق رصيف كونيّ/بلال خبيزفي مئوية ولادته... رشدي أباظة الذي خرج من مأزق البطل الوسيم/وائل سعيدموضوع الشاعر... وموضوع القصيدة/جودت فخر الدينالنص والضرورة التأويلية/ فريد الزاهياستعباد النساء:قانون القوة/جون ستيوارت مل-ترجمة إمام عبد الفتاح إمامالأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنة/سيّار الجميلOne Art Poem by Elizabeth BishopCourage Poem by Anne Sextonطائر الكركي - قصيدة هايبونية/سالم الياس مدالوأنياب ناعمة / سميرة جدي - الجزائرالشاعر ت. س. إليوت - سلامة موسىالدين كما يؤمن به شو/سلامة موسىالمسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف/أنور المعداويإذا أشرق الشعاع وضحكت الكلمات/ ثروت أباظةتجاوز علم الجمال: الشعر عند هيدجر/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلالعدالةُ حَقٌّ.. وليست امْتِيَازاً/ملفينا توفيق ابو مرادروتين الفيلسوف/هيبتن الحيرشMirrors Of Nature - Haiku Poems By Salim Elias Madaloسـرديات العشـق(7) جواني عبدالشعور الإنسان بالضياع بين جلال برجس وفرانز كافكا/إبراهيم أبو عواد / الأردندينامية النص الديني/حميد المصباحيIF I COULD BE THERE By Photini Karamouzis chalkiasمحفوظ في مرآة النقد الإنجليزي/محمد عناني وماهر شفيق فريد
اعرّج على جسدي / سونيا الفرجاني-تونسأربع قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالصالة المكيّفة ولسعات البعوض: حوار متخيّل فوق رصيف كونيّ/بلال خبيزفي مئوية ولادته... رشدي أباظة الذي خرج من مأزق البطل الوسيم/وائل سعيدموضوع الشاعر... وموضوع القصيدة/جودت فخر الدينالنص والضرورة التأويلية/ فريد الزاهياستعباد النساء:قانون القوة/جون ستيوارت مل-ترجمة إمام عبد الفتاح إمامالأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنة/سيّار الجميلOne Art Poem by Elizabeth BishopCourage Poem by Anne Sextonطائر الكركي - قصيدة هايبونية/سالم الياس مدالوأنياب ناعمة / سميرة جدي - الجزائرالشاعر ت. س. إليوت - سلامة موسىالدين كما يؤمن به شو/سلامة موسىالمسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف/أنور المعداويإذا أشرق الشعاع وضحكت الكلمات/ ثروت أباظةتجاوز علم الجمال: الشعر عند هيدجر/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلالعدالةُ حَقٌّ.. وليست امْتِيَازاً/ملفينا توفيق ابو مرادروتين الفيلسوف/هيبتن الحيرشMirrors Of Nature - Haiku Poems By Salim Elias Madaloسـرديات العشـق(7) جواني عبدالشعور الإنسان بالضياع بين جلال برجس وفرانز كافكا/إبراهيم أبو عواد / الأردندينامية النص الديني/حميد المصباحيIF I COULD BE THERE By Photini Karamouzis chalkiasمحفوظ في مرآة النقد الإنجليزي/محمد عناني وماهر شفيق فريد

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

تجاوز علم الجمال: الشعر عند هيدجر/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايل

images 3

هيدجر

على الرغم من أن التصنيف الجمالي ﻟ «الأدب» تصنيف حديث نسبيًّا، «فمن الحق أن تاريخ تفسير فنون الأدب، بأكمله، قد تحرك وتحول في نطاق الاحتمالات المنطقية المتنوعة التي فتحها مفهوم المحاكاة» (Derrida, Dissemination, p. 187). إن الأدبيَّ محاكاةُ  mimesis (imitation) شيءٍ يبدو واضحًا بذاته، سواء أكان محاكاةَ «واقعٍ»، أم «أفكار»، أم «انفعالات»، أم حتى محاكاة «نفسه» على الطريقة الشكلية.

وقبل البدء في فحص طبيعة هذا التصور وحدوده، لا بد من إيضاح بعض الفروق الأولية. أولًا، المحاكاة و«التمثيل» representation لا يمكن أن يَتَطابَقَا بسهولة. فمناقشة هيدجر اللاحقة التي يهتم فيها بمفهوم المحاكاة، لم يَعد ممكنًا معها ترجمة الكلمة اليونانية mimesis إلى imitation [= تقليد] أو إلى re-presentation [= إعادة تقديم]. وثانيًا، مفهوم «التمثيل» هو نفسه ليس أحادي المعنى. ولأغراض المناقشة الحالية، لعله يمكن التمييز بين معنيين ﻟ «التمثيل».

ونقطة البداية المفيدة تتبع تحليل هيدجر لمصطلح التمثيل في كتاب ديكارت Descartes «التأملات» Meditations، وتأسيسه مبدأ أنا أفكر وأعرف أني أفكر حين أفكر   cogito me cogitare بوصفه أساس الميتافيزيقا الحديثة.

يجري الوصف التقليدي لكتاب «التأملات» على نحو يشبه السطور الآتية: حاول ديكارت أن يقيم المعرفة على أساس يقيني في مقابل هيمنة النزعة الدوجماطيقية والتحيز، ولكي يحقق هذا أَسْلَمَ نفسَه إلى تيار من الشك الراديكالي. وكان السؤال الذي أثاره: هل يوجد أي شيء لا يمكنني أن أشك فيه، ويمكنه أن يعمل بوصفه أساسًا صلبًا راسخًا للمعرفة والحقيقة الواجبة؟ وبعد أن أخْلَى ديكارت نفسَه من اليقينيات الظاهرة على اختلافها (وجود العالم الخارجي، بل حتى حقائق الرياضيات)، اكتشف مُسَلَّمَتَه الشهيرة: أنا أفكر إذن أنا موجود  cogito ergo sum بوصفها المُسَلَّمَة الوحيدة الثابتة غير القابلة للشك. فمهما يكن ما أشك فيه، فأنا واعٍ بنفسي وهي تشك: أنا أفكر، ولهذا السبب فوجودي أكيد. والحق إنه بقدر ما تكون عملية الشك — من أولها إلى آخرها — طريقة تفكير، فلن تستطيع أي نزعة شكية أن تهز الكوجيتو. وحتى إذا اعتراني جنون مُطبِقٌ فسأظل أفكر، ولا بد أني أوجد. ويخلص ديكارت إلى أنه إذا كان العلم سيُقام على طريقِ يقينٍ مضمون، فيجب أن تحقق كل فرضياته وقضاياه الدليلَ نفسَه غير القابل للشك، بوصفه نقطة البداية البدهية تلك.

وتُعد قراءة هيدجر الأدق (وإن كانت قابلة للتحدي) أكثر تَرَوِّيًا من الملخص المعتاد لديكارت. ويمكن إجمال تحليله تخطيطيًّا استنادًا إلى كتابه «نيتشه: العدمية» Nietzsche: Nihilism، المجلد الرابع من أعماله الكاملة، في أربع نقاط على النحو الآتي:

  • أولاً: الكوجيتو عملية تمثيل مفهومة بشكل صحيح. ولا يمكن ترجمته وتعريفه تعريفًا محدودًا بأنه «تفكير»، حتى بالطريقة التي يمكن بها النظر عادةً إلى ديكارت بوصفه «عقلانيًّا» في تواريخ الفلسفة، يختزل كل المدركات الحسية والمشاعر … إلخ، إلى طرائق تفكير. يقول هيدجر: «في فقرات مهمة، يقوم ديكارت بإحلال تعبير المعرفة أو الفَهْم من خلال  percipere (per-capio) محل تعبير معرفتي بأني أفكر حين أفكر  cogitare، حتى يمتلك الشيءَ أو يستولي عليه، بمعنى أن يقدمه إلى نفسه بإحضاره أمام نفسه: تمثيله» (Nietzsche: vol. Four: Nihilism, pp. 104-5).
  • ثانيًا: ومن ثَم، لا تعني معرفتي بأني أفكر حين أفكر «تفكيرًا» فقط، وإنما تعني «أن أُقدِّم لنفسي ما يمكن تقديمه» (Nietzsche: vol. Four: Nihilism, p. 105)، أيضًا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعرفتي بأني أفكر حين أفكر/فعل التمثيل cogitare/representing هي نفسها الأمر الأحق، عندما يكون التقديم مضمونًا من وراء الشك: «معرفتي بأني أفكر حين أفكر هي دائمًا «تفكير» بمعنى «التروِّي»، ويسمح التروِّي — الذي يفكر على هذا النحو — بأن يَدَعَ ما لا يقبل الشك فقط، لكي يمر بوصفه الثابت المحكم المُمثَّل تمثيلًا صحيحًا» (Nietzsche: vol. Four: Nihilism, p. 105-6) ولذا، يُعد فعل الشك، من حيث هو مظهر مألوف في التأمل الديكارتي، أصيلًا في التمثيل بوصفه إجراءً آمنًا واستيعابًا. ويُوجَّه التفكير المتروِّي نحو الثابت الذي لا يقبل الشك. والتمثيل — من حيث هو معرفتي بأني أفكر حين أفكر — لا يمنح شيئًا صفةَ الحقيقة وهو لا يحظى بمنزلة اليقين عند إدراكه أو قياسه. وتجد مظاهرُ منهجية العلم الحديث الرئيسية أساسَها الفكري هنا.
  • ثالثًا: كل تمثيل لأي شيء هو في الأصل تمثيل ﻟ «نفسي»؛ فمعرفتي بأني أفكر حين أفكر هي معرفتي أنا بأني أفكر حين أفكر  cogitare is cogitare me cogitare. التمثيل هو في الأساس «تمثيل-«الذات»». لكن «الذات» لا يجري تمثيلها أساسًا على نحو ما يجري تمثيل موضوع كالمائدة أو الكرسي. فعلى خلاف المائدة أو الكرسي (ويضرب هيدجر مثلًا بكاتدرائية فرايبورج Freiburg)، ليست الذاتُ موضوعًا ينتصب مواجهًا في عملية التمثيل (a Gegenstand). فاﻟ «أنا» منسجمة انسجامًا جوهريًّا:«في الحدس المباشر لشيء، عند كل إحضار، عند كل تذكُّر، عند كل توقُّع، ما يُمثَّل بهذه الطريقة عبر التمثيل يُمثَّل لي، موضوعًا أمامي، وبهذه الطريقة لا أصبح أنا نفسي — في واقع الحال — موضوعَ فعل التمثيل بل أكون حاضرًا «إلى نفسي» في فعل التمثيل الموضوعي، والحق إنه في هذا الفعل وحده أحضر إلى نفسي» (Nietzsche: vol. Four: Nihilism, p. 107).وإذا كان هيدجر لا يستعمل مصطلح «انعكاسي» reflexive ليشير إلى محايثة اﻟ أنا  ego في التمثيل؛ فلأن اﻟ أنا يُمثل على نحو مشترك بطريقة متميزة. اﻟ أنا متضمنة «سلفًا، لا نتيجة لاحقة»، بوصفها شرط التمثيل. الوعي بالموضوع وعي بالذات على نحو أصيل والوعي بالذات هو الأساس الفعلي لكل عملية تمثيل. هكذا، تظهر الأنا بوصفها ذاتَ  subject فعلِ التمثيل: الذات فاعل  (Nietzsche: vol. Four: Nihilism, p. 108). ويلحظ هيدجر أن هذه «الذات» — بوصفها ترجمة لكلمة hypo-keimenon [= الجوهر الأساسي] — لا تنطوي على علاقة أصيلة بالوعي الإنساني. ويُقصَد بها في الأصل «ما يستتر ويَبقى عند الأساس، ما يكمن أمام نفسِه» (Nietzsche: Vol. Four: Nihilism, p. 96)، ذلك الذي يحتفظ بهُويته خلف سماته المختلفة مهما كان. وقد تحققت هذه الوظيفة التأسيسية عبر تصورات متباينة سابقة على الميتافيزيقا الحديثة؛ فمن منظور أرسطو، الذات جوهر. ولو جاز التوسع بعد ديكارت لقلنا إن الوعي و«الذات» أصبَحَا مترادفين.
  • رابعًا: يشتمل الكوجيتو بما هو تمثيل على «الشعور» و«الإحساس» و«الخيال» … إلخ. وهذه التصورات أصيلة كلها في الميتافيزيقا الديكارتية، بقدر ما يتناسب كلٌّ منها مع نوع الموضوع الذي يظهر إلى الذات (واقعي، مثالي، نفسي). ويبدو التعارض المفترَض بين التجريبية والعقلانية تعارضًا سطحيًّا حين يوضع جنبًا إلى جنبِ تعريفٍ دقيق ﻟ التمثيل، يشرحها جميعًا. ومن ثَم، سيكون «الانفعال» و«التخيل» و«التلقي الجمالي» كله طرائق تمثيل.

ويمكن استخلاص تعريف التمثيل هذا، باقتباس موجز من هيدجر:

«معرفتي بأني أفكر حين أفكر هي فعل تمثيل بالمعنى الأتم الأكمل … ويجب أن نجمع في الفكر الأساسيات الآتية: العلاقة بما يُمثَّل، والتقديم الذاتي لما يُمثَّل، والوصول إلى المشهد، ومشاركة مَن يُمثِّل مع ما يُمثَّل في التمثيل ومن خلاله» (Nietzsche: Vol. Four: Nihilism, p. 109).

ولعله من المناسب، الآن، الانتقال إلى التمثيل بمعناه الشائع الأعم.

من الممكن تلخيص مشكلات «التمثيل» — بمعناه غير التخصصي — في حِزَم فلسفية من قبيل: «كيف تعكس اللغةُ الواقعَ؟» أو «كيف يربط الفكر بين العالم والوعي البشري؟» فالتمثيل يشير إلى مشكلة علاقة الذات بالموضوع والتوفيق بين ما يُفهَم على أنه طرائق وجود متعارضة (مثلًا، «الوعي» من جهة، و«الأشياء المادية» من جهة أخرى). ومن الواضح أن التمثيل بهذا المعنى ظاهرة مصاحبة لتصوُّرٍ أعقد.

وعلى هذا، لا يمكن تقديم عمل هيدجر عن اللغة الشعرية بوصفه عملًا يثير تساؤلات عن المرجعية أو «الخيال» أو «تمثيل الواقع» أو غيرها من «مشكلات في نظرية الأدبي». فهو عمل ينشغل ﺑ التمثيل، في معناه الدقيق بالأحرى، انشغالًا يَتقوَّض بمقتضاه أي أساس عام واضح يمكن أن تقوم عليه مناقشة عن التمثيل بمعناه الشائع الأعم. وإن إحدى النتائج المترتبة على ذلك، أن يصبح الشعر  Dichtung عند هيدجر جانبًا من التفكر ضد علم الجمال نفسه لا جانبًا من التفكر «في» علم الجمال.

في المجلد الأول من أعمال هيدجر الكاملة وعنوانه «نيتشه: إرادة القوة بوصفها فنًّا» (Nietzsche: Vol. One: The Will to Power as Art)، تتضح من القسم المعنون ﺑ «ستة تطورات رئيسية في تاريخ علم الجمال» (Six Basic Developments in the History of Aesthetics)، أسبابُ ضرورة أن يكون الأمر كذلك:

«والآن، فبما أن العمل الفني يُعرَّف — في النظر الجمالي إلى الفن — بأنه الجميل الذي يُنتَج في الفن، فإنه يُمثَّل بوصفه حامل الجميل ومثيرًا له في علاقته بحالتنا الشعورية. يتموضع العمل الفني بوصفه «موضوعًا» ﻟ «الذات»؛ والحاسم في النظر الجمالي هو علاقة الذات/الموضوع بوصفها علاقة شعورية في حقيقة الأمر» (Nietzsche: Vol. One: The Will to Power as Art, p. 78).

ولكي يؤسِّس الشعر تجاوزًا لعلم الجمال، لا بد أن يشتمل على الخصائص الآتية: (١) عليه أن يكون شيئًا آخر سوى أن يكون موضوعًا للوعي. ومن ثَم (٢) لا يُوجِّه نفسَه إلى الذات بالمعنى ما بعد الديكارتي. و(٣) لا يصدر عن فعل تقوم به أي ذات. ولسنا في حاجة إلى القول إن هذه المطالب ثقيلة.

لقد ألحق هيدجر على نحو كلاسيكي نسبيًّا (يمكن مقارنته بمناقشات هيجل Hegel في كتابه عن «علم الجمال» Aesthetics)١ سؤالَ «الفن» بسؤال «الحقيقة» وجعله تابعًا له. وتعمل هذه العلاقة القديمة بين الفن والحقيقة على فصل الفن عن تصورات «الشعور» و«العبقرية المبدعة» و«الوعي الجمالي»، وهي التصورات الاختزالية السائدة في تراث علم الجمال الكانطي الجديد. فوَصَف هيدجر الشعر بأنه الطريقة التي «تحدُث» بها الحقيقة.

وهذا الكلام عن «حدوث» الحقيقة سيكون كلامًا بلا معنى، لو فهم أحدنا «الحقيقة» على أنها تطابق عبارة خبرية مع شيء موجود في الواقع، فعبارة «القطة على السجادة» تكون إما صادقة أو كاذبة (داخل السياق الذي تُقال فيه)؛ فهي لا تعبر عن حدث من أي نوع. ولكن تصوُّر الحقيقة هذا — بما هي صحة القول — يمكن فَهْمه من حيث هو وظيفة التمثيل بمعناه الدقيق. وفي هذا التصور، يَتخفَّى — هكذا يقول هيدجر — تصوُّرٌ أشد أصالة عن «الحقيقة» يتضح من الكلمة اليونانية أليثيا  aletheia، وتُعد كلمة truth [= حقيقة] الترجمة المقبولة لها. ولكن حرف الألفا [أول حروف الهجاء اليونانية] في كلمة «أ–ليثيا  A-letheia» يقترح ترجمة بديلة هي unconcealment [= «عدم الخفاء»] أو dis-closure [= «الكشف»]، وليس truth [= «الحقيقة»] بوصفها صحة التمثيل، بل (lethe) absence of concealment [= «غياب الخفاء»]. إذا لم يُظهِر الشيءُ نفسَه أو يكشفها بما هي عليه، فلن يصبح موضوعًا لأي تمثيل ومن ثَم شيئًا «حقيقيًّا» بمعنى الصحة.

واهتداءً بتحليل هيدجر للكلمتين الألمانيتين schein [= الظاهر، المظهر الخارجي] وscheinen [= الظهور، البُدُو] في كتابيه «الوجود والزمان» (Being and Time, pp. 51–5) (١٩٢٧م)، و«مقدمة إلى الميتافيزيقا» (١٩٥٣م)،٢ قد تجلو الكلمةُ الإنجليزية appearance [= ظهور]، جلاءً وافيًا، هذا التفرعَ الثنائي إلى «الحقيقة» و«الأليثيا». قد يعني «الظهورُ» (١) «ظهورًا»، شيئًا يظهر، كائنًا أو ظاهرة. وقد يعني (٢) «المظهرَ الخارجي» semblance بمعنى الصورة الخادعة، أي الشيء الذي يَتخفَّى أو يخدع، ويمكنه التمثُّل والظهور بمظهر زائف. ولكنَّ هذين المعنيين لا يوجدان إلا على أساس معنى ثالث، (٣) ألا وهو «الظهور» (أو «فعل الظهور») بمعنى العرْض أو الظهور بوجه عام. وتعني كلمة phaenomenon في اليونانية «ذلك الذي يعْرض نفسَه ويُظهرها». وإذا لم يوجد ظهور/عرْض بوجه عام فليس من الممكن التفكير في أي ظواهر، ويقينًا لا توجد ظواهر وهمية. فالأمر أمر عرْض غير محدَّد نسبيًّا، يتساوى فيه «المظهر الخارجي» و«الموضوعية» بقدر ما يظهر كلاهما فحسب. ويُعد هذا الحقل السيَّال شرطًا سابقًا للإدراك الحسي والتمثيل، ويتحدَّى الطريقة التي يغدو معها «الواقعُ» — بعد ديكارت — مرادفًا لليقين. وهذا المعنى الثالث للظهور أقرب إلى الأليثيا في تفسير هيدجر علمَ الظهور phenomenology الكامن في اللغة اليونانية القديمة. وعن الكلمة اليونانية phainesthai [= يبدو بُدُوًّا]، يلاحظ أحد المتحاورين، في «محاورة عن اللغة» A Dialogue on Language (١٩٥٩م) (On the Way to Language, pp. 1–54):

«أن اليونانيين أولُ مَن جربوا الظواهر  phainomena وفكروا فيها بوصفها ظواهر phenomena. وكان من الغريب على اليونانيين غرابة تامة، في تلك التجربة، أن يجعلوا من الموجودات الحاضرة كيانات موضوعية تنتصب مقابلةً لهم؛ إذ تعني كلمة phainesthai عندهم أن كائنًا يُشرق ويَسطع. وبذلك الإشراق والسطوع يظهر ويبدو. ويظل هذا الظهور السمة الأساسية لكل الموجودات الحاضرة، فهي تُسفِر عن نفسها بزوال احتجابها» (On the Way to Language, p. 38).

وبالقدر نفسه، لعله من الزيف نقل المشكلات الحديثة في فلسفة الإدراك الحسي أو التمثيل إلى الفكر اليوناني القديم. ففي ذلك الفكر، لا يواجه الإنسانُ العالمَ، بل الأصح أن الظواهر نفسها تلقاه بانكشافها له وزوال احتجابها.

ويلاحظ دريدا، أيضًا، أنه لا يوجد في اليونانية القديمة كلمة تعادل كلمة representation [= التمثيل] بمعناها الحديث.٣ ومع ذلك، ليس الغرض الضمني في هذه المحاورة العودة إلى اليونانيين؛ فالمحاورة تتحدث عن التفكير في «ما كان يفكر فيه اليونانيون بطريقتهم اليونانية المميِّزة لهم» (p. 39). وينطبق الحال نفسه — مثلًا — على الكلمة اليونانية المهمة mimesis [= المحاكاة]، وهي الكلمة التي ننتقل إلى الحديث عنها الآن من حيث إنها حاملة تصور يعارض التصور الذي تحمله كلمة التمثيل،٤ بل الأكثر أنها تحدد سياق التمثيل نفسه.

في بدايات مقال «جلسة مزدوجة» The Double Session، يقدم دريدا خلاصة موجزة لوصف هيدجر لتاريخ مفهوم المحاكاة  mimesis ومعناها، من حيث هي الإطار الذي كان يجري على أساسه، وضمنه، تحديد تصور الأدب باستمرار. أولًا، يلخص دريدا مفهوم المحاكاة الذي أعطاه هيدجر امتيازًا في تفسيره الفينومينولوجي لليونانية القديمة:

«حتى قبل أن تُترجَم كلمة mimesis إلى imitation، كانت تدل على تقديم الشيء نفسه وعرْضه، تقديم الطبيعة nature وعرْضها، تقديم الفيزيس [الطبيعة] physis التي تُسفِر عن نفسها، وتولد نفسَها بنفسها، وتَظهر (إلى نفسها) على النحو الذي هي عليه في الواقع، بحضورها إلى صورتها ومظهرها المرئي ووجهها» (Dissemination, p. 193).

وتتطابق المحاكاة، المعتبرة على هذا النحو، مع تصور الحقيقة بوصفها أليثيا: إزالة غطاء، فعل ظهور بسيط لما يحضر في ظهوره. والحق إن هذه البساطة — كما يبين هيدجر — ليست بسيطة (انظر أدناه). وثانيًا، يشير دريدا إلى معنى المحاكاة  mimesis الأكثر اعتيادًا، ألا وهو التقليد imitation. وبقدر ما يكون المعنى الضمني في هذا التصور هو التقليد — أو إعادة تقديم re-presentation شيء موجود سلفًا بطريقة ظاهرة — فلن يمكن التفكير في معنى المحاكاة التقليدي إلا على الأساس الكامن في المحاكاة بوصفها ظهورًا.

ولتوظيف هذه الاستراتيجية التي ستغدو أمرًا حتميًّا كلما تقدمت هذه الدراسة، من الأفضل المضي قدمًا في تحليل هيدجر بالرجوع إلى فعل التفكير وتأمله الذي عرضنا له في الفقرات السابقة، لا بدافع تأكيد ما ينطوي عليه من نتائج، بل بدافع الانتباه إلى المضمَرات الأخرى الفاعلة في عملية التفكير، على نحو يُمكِّننا من الإمساك بها. حين يستعمل دريدا كلمة واحدة على سبيل التورية أو على سبيل ازدواج المعنى (mimesis/mimesis)، فهو يُحاكي شيئًا شبيهًا بممارسة هيدجر ﻟ «الانعطاف» خارج الفكر التمثيلي، أقصد بذلك التأمل العميق في كلمة «المحاكاة» mimesis على نحو يؤدي إلى استنباط معنيين منها (على الأقل)، ينشأ أولهما (ألا وهو المحاكاة من حيث هي ظهور apparentness) بوصفه فرضًا قبليًّا محجوبًا في المفهوم الآخر عينه (ألا وهو المحاكاة من حيث هي تقليد imitation)، كما لو أن مصطلحَي الظهور والتقليد يحمل أحدهما للآخر علاقة المظهر figure والأساس ground، والغريب هنا أن الأساس يختفي بوصفه مقدمة المظهر. وكما سنرى أدناه، يحرص هيدجر على هذه البنية المزدوِجة المؤلفة من المظهر والأساس، والمظهر بوصفه أساسًا، في تصوره عن اللغة نفسها.

ويرتبط سؤال ماهية اللغة ارتباطًا وثيقًا بما يُسمَّى المنعطف، أو التحول، في فكر هيدجر بعد كتابه «الوجود والزمان» (١٩٢٧م).٥ ففي هذا الكتاب يعالج هيدجر سؤال الوجود عبر تحليل اقتراب الدازاين قبل الانعكاسي من العالم. إذ من خلال أحوال الدازاين واهتماماته المتنوعة يُنار العالمُ وتَظهر الأشياء على ما هي عليه. ولكن مثل هذه الفلسفة، برغم قوتها الراديكالية، لا تنفصل عن النزعة الذاتية الديكارتية كما قد يبدو للوهلة الأولى. فلا يزال الفَهْم قبل الانعكاسي لدى الدازاين جزءًا من الميتافيزيقا المتمركزة حول الذات.٦ إذ يظل «الوجود» يُفهَم على أساس موقف الإنسان من الموجودات (على نحو ما تُعرِّيها اهتماماتنا من تحجُّبها، سواء كانت عملية أو نظرية). ومع ذلك، يَتعيَّن على السؤال الأكثر تأسيسيةً أن يزيح الدازاين عن هذا الموقع المركزي، ويعتني بذلك الانفتاح، أو الانفراج الساطع clearing، الذي من خلاله تَعْرض الموجوداتُ نفسَها، حيث يُوهَب الدازاين عالمًا، فيظهر إلى نفسه على أساس ذلك العالم.

ومع المنعطف، لم يَعد سؤال الوجود والعالَم يتناول الدازاين بوصفه نقطة المرجع المركزية؛ فمقالات هيدجر تشغل نفسَها بانتقال الوجود إلى عالَمٍ عبر اللغة التي لا تُعد في جوهرها أداة بشرية، ولكن الأكثر من هذا أن هيدجر لا يعني ﺑ اللغة  Sprache — من حيث هي «القول» الأصلي — ذلك الحقل الذي هو في العادة موضوع علم اللغة. يقول كوكلمانس:

«يعني هيدجر ﺑ اللغة كل ما [يَحْضُر] من خلاله المعنى إلى دائرة الضوء بطريقة إفصاحية، بِغَضِّ النظر عما إذا كان ذلك يحدث بشكل مادي، بواسطة عبارات اللغة بالمعنى الضيق للمصطلح، أو بواسطة عمل فني، أو مؤسسة اجتماعية أو دينية، وهَلُمَّ جرًّا».٧

إن «العالَم» — المفهوم بوصفه كلية المرجعيات والمعاني الممكنة السارية في ثقافة من الثقافات — لَهو أساسًا وظيفةُ «اللغة» بالمعنى الهيدجري: «فالإنسان والشيء لا يمكن أن «يَرتَبِطَا» ارتباطًا ذا مغزى إلا ضمن حدود العالم الذي يقدم نفسَه إلينا في اللغة ومن خلالها».٨

ويبدو زعم هيدجر بأن «اللغة تتكلم»، لا الإنسان، زعمًا غير معقول للوهلة الأولى. وما من شك في أن هيدجر يزعم أن اللغة يمكن أن تظل بطريقة ما، أو تكون، فعالةً من دون كلام بشري. ومع ذلك، فهي «ليست مجرد نتاج فعل الكلام البشري وثمرته».٩

إن اللغة بوصفها انفراجًا ساطعًا وكشفًا لعالَمٍ هي التي تغزل ضفيرة الوجود والإنسان وكذلك إفصاح الأشياء في عالَمٍ. لذا، تحتل اللغة منزلة متعالية. اللغة هي قول ولغة  Sprache and Sprache (قول وشرط القول؛ مظهر وأساس). ولكن هذه المنزلة «المتعالية» التي تحتلها اللغة مركبة في حد ذاتها، وفي الوقت نفسه موضع شك من بعض النواحي فيما يقول ليفيناس وبلانشو وآخرون. وتُعد طبيعةُ هذه العلاقة بين التجريبي والمتعالي، بين الكلام البشري واللغة المفترض أنها «أصلية»، القضيةَ الرئيسية على امتداد هذه الدراسة بين يدي القارئ.

وعند المجازفة بتبسيط كبير، يمكننا المغامرة بأن العلاقة بين ما يُطلق عليه هيدجر الشعر واللغة — التي تُعد بالمعنى الأعم تمثيلًا؛ هي علاقة «أساس» ﺑ «مظهر»، على شاكلة العلاقة بين شكلَي المحاكاة الأول والثاني، أو شكلَي القول. فمن ناحية أولى، توجد اللغة التي يُنظَر إليها ببساطة على أنها لغة مقلِّدة لما يوجد سلفًا، أو دالة على ما يُوجَد سلفًا، وذلك ضرب من اللغة التي لا تسمح سوى بالاختصار أو الترجمة إلى منطق شكلي. ومن ناحية ثانية، يوجد — فيما يزعم هيدجر — عنصر «شعري» في اللغة يجلب إلى الحضور ما تُسميه اللغةُ قوةً تجلب الظاهر إلى نفسه حتى ينتصب أمامنا من دون احتجاب أو خفاء. والأكثر من هذا أن الناحية الأولى تُعد ثانوية لأنها طريقة اختزالية للناحية الثانية. يقول هيدجر في مقاله «الشيء» The Thing (١٩٥١م) (Poetry, Language, Thought, pp. 165–86): «لا يقدر الإنسان إلا على تمثيل ما قد ظهر من تلقاء نفسه سابقًا، وأظهر نفسَه له في الضوء الذي جلبه معه، وذلك بِغَضِّ النظر عن الكيفية» (Poetry, Language, Thought, p. 171) ولا تُفهَم اللغة أو تُتَصوَّر بوصفها موضوعًا (كما يجري في التصور التمثيلي للغة)، لأنه من خلال اللغة على وجه التحديد تظهر الموضوعات وتقف في انفتاح الحضور. وحين يُنظَر إلى اللغة طبقًا للمعنى الفينومينولوجي (أو اليوناني) للحقيقة من حيث هي أليثيا (كشف) (بما يعارض الحقيقة من حيث هي كفاية التمثيل وملاءمته وتطابقه)؛ لن تدل اللغة كثيرًا بوصفها عرْضًا،١٠ أو بالأحرى بوصفها تَهبُ الظهورَ:

«تتحدث اللغة، بوصفها عرْضًا، حين تُوغِل في كل جوانب الحضور وأشكاله، فتستدعي منها ما يكون حاضرًا لكي يظهر ولكي يخبو. وعلى هذا الأساس، نصغي إلى اللغة بهذه الطريقة، فنتركها تقول قولها saying [Sage] لنا» (On the Way to Language, p. 124).

تستند اللغة التي تُعد إعادة تقديم إلى اللغة بما هي طريقة في الانتماء المتبادل وتُواريها في آنٍ، فتُحْضِر الأشياءَ إلى الوجود، والوجودَ إلى الأشياء. فهي غير مستقلة بنفسها؛ لأنه من دون المظاهر الناتجة عن الاستحضار الأكثر أوليةً لا شيء يمكنه أن يظهر ليصبح — لاحقًا — موضوعَ أي تمثيل. وهي تُواري، ما ظل التصورُ الأداتي للغة بوصفها وسيلة تواصل، لا بمعنى الوهم باستقلالها عن تقديمٍ أكثر أصالةً فحسب، وإنما بمعنى الانقسام الثنائي إلى ذات وموضوع أيضًا، وهو تعارض ينمحي أساسه في «مُكَوِّن» عام (ألا وهو الظهور بوجه عام، إذا جاز التعبير). وإذا استعملنا مجازًا قَلَّ أن يستعمله هيدجر، برغم فائدته، لن تكون اللغة مجرد كيان على مسرح العالم، بل هي نفسها ذلك المسرح، فهي «الفضاء» الذي فيه وحده تصبح الأشياء ظاهرةً. ومن ثَم، تكون «طبيعة» اللغة هي إحداث تقاطع أو تشابك متميز بين ما يتعلق بالموجودات في تَحقُّقها العيني [موجودية الكائنات] ontic وما يتعلق بالوجود  ontological.

ولْنعُد، الآن، إلى الشعر نفسه في تصوُّر هيدجر، الذي يُعد طريقة في اللغة يربطها هيدجر ربطًا حميمًا — مع أشكال بعينها من الفكر — بقوة أساسية في اللغة من حيث هي قول لا يرتبط ارتباطًا بسيطًا، من ثَم، ﺑ «الخيال» fiction أو «الشعر» poetry. كيف يميز هيدجر بين الشعر ومجال الفن والآداب بوجه عام؟ الشعر  Dichtung عند هيدجر أبعد من أن يكون «الشعر» poetry بالمعنى المتعارف عليه، بل هو بالأحرى تصوُّر جديد للشعري يُحوِّل وجودَ اللغة: «اللغة نفسها هي شعر في معناها الأساسي».١١

ويُقِيم هيدجر في محاضراته عن الشعر والفن تسلسلًا هرميًّا ضمنيًّا، بحجة أن طرائق الحضور في غيرهما من الفنون والعمارة والتكنولوجيا يُحددها الكشف الحاصل في اللغة أساسًا. ولعل ما يمكن الإشارة إليه أولًا هنا تلك الأعمال (الحِرَفية أو الأدبية) التي لا تجسد إلا سيادة التشييء في الميتافيزيقا الحديثة: الأعمال التي يُظهِر فيها الوجودُ نفسَه بوصفه «واقعًا»، بوصفه موضوع تمثيل سميوطيقي … إلخ. ففي هذا السياق، يظهر قدْح هيدجر فيما يدعوه «الأدب» في مقاله «ما يُسمى التفكير» What is Called Thinking (١٩٥٤م)، وكذلك قدْحه في الكثير من أعمال الفن الحديث، في غير هذا المقال:١٢

«الناس في كل مكان، تقتفي انحطاط العالم ودماره وزواله الوشيك، وتسجل ذلك. فتنهال علينا روايات تقريرية لا تقدم شيئًا سوى الإغراق في هذا التدهور والانحطاط ومسايرته. هذا النوع من الأدب أيسر من الأدب الذي يقول شيئًا أساسيًّا ويتعمق في التفكير الحقيقي، ناهيك عن أنه أدب يثير الملل حقًّا» (What is Called Thinking, p. 29).

وليس «الأدب» من ذلك النوع سوى إظهار آخر لسيادة ميتافيزيقا الذات، فلا يقدم إلا تمثيلات ورؤى للعالم متنوعة. كما تُعد الطريقة السائدة في قراءة النصوص بوصفها تعبيرًا عن آراء المؤلف ومكانته التاريخية، إنْ لم تكن مغلوطة أو غير مهمة، فيما يرى هيدجر، فهي على الأقل «غير جوهرية». وهيدجر إذ ينتقد الفَهْم التقني أو الأداتي للغة (وهو الفَهْم الذي يجعلها جزءًا من تكنولوجيا الاتصال) ينتقد ضمنًا كذلك علوم اللغة والسيبرنطيقا والذكاء الاصطناعي … إلخ. فهذه المجالات النطاقية — حالها من حال الميتافيزيقا الديكارتية بوجه عام — تُعد مستحيلة من دون المجال الأكثر أوليةً، السابق على الانعكاس، الذي يُربَط به الشعر ربطًا أصيلًا. هذا المجال هو اللغة التي تفتتح «العالم»، وتعطي الأشياءَ مظهرها ومعناها:

«هوميروس Homer، صافو Sappho، بندار Pindar، سوفوكليس Sophocles، هل ما يقدمونه أدب؟ كلا! غير أن تلك هي الطريقة التي يظهرون بها لنا، الطريقة الوحيدة، حتى عندما ننخرط — من خلال التاريخ الأدبي — في إثبات أن هذه الأعمال الشعرية ليست في حقيقة أمرها أدبًا» (What is Called Thinking, p. 29).١٣

ولْنَعُد، الآن، إلى قراءة هيدجر لقصيدة محددة، هي قصيدة جورج تراكل Georg Trakl «مساء شتوي A Winter Evening»، (“Language” (1959), Poetry, Language, Thought, pp. 189–230). في هذه القراءة، يعتني هيدجر اعتناءً بالسطرين الشعريين الآتيين: «اكتست النافذة بندف الثلج المتساقط/وَدَقَّ ناقوس الكنيسة طويلًا يعلن عن صلاة المساء»، فيقول الآتي:

«يُسمِّي الكلامُ وقتَ المساء في الشتاء، فما هذه التسمية؟ هل هي مجرد زخرفة أدبية لموضوعات وأحداث يعرفها كل الناس ويمكن تصويرها بكلمات اللغة: الثلج، الناقوس، النافذة، تساقط المطر، قرع الناقوس؟» (Poetry, Language, Thought, p. 198).

«كلا» بكل تأكيد، فهيدجر يلح على إعطاء اللغة مكانة أنطولوجية:

«فهذه التسمية لا توزِّع نعوتًا، لا ولا هي تعني استعمال كلمات، بل هي دعوة إلى الكلمة. التسمية تدعو وتنادي. والنداء يجعل ما يناديه أقرب. ولكن هذا التقريب لا يجلب ما يناديه ليجعله أقرب إلى ما هو حاضر، فيُوجِد له مكانًا فحسب. الحق أن النداء ينادي. وبذلك يجلب الحضورَ إلى ما لم يكن مدعوًّا من قبل إلى مقام القرب» (Poetry, Language, Thought, p. 198).

من الواضح أن المنادَى لن يصبح حاضرًا على الشاكلة التي تكون بها الأشياء في الغرفة حاضرة في متناول اليد. إذ يلح هيدجر على أن القصيدة لا تصف مساءً شتويًّا يوجد فعليًّا بطريقة من الطرق، لا ولا هي «تحاول أن تبرز المظهر الخارجي لحضور المساء الشتوي فتترك انطباعًا عنه حيث لا يوجد مثل هذا المساء الشتوي» (Poetry, Language, Thought, p. 197). فما نطلق عليه، تقليديًّا، الحالة التخييلية في هذه اللغة، قد آلَ عند هيدجر إلى تصور مستغرب عن «دعوة» و«نداء» إلى «الدُّنُوِّ» و«القرب».

وإذا تحدثنا بطريقة بسيطة، يُسمِّي «القربُ» متضمَّنًا سابقًا على التفكير النظري يشمل الدازاين والعالم، كما وُصِفَا في المقدمة. وبهذه الطريقة، يضطلع الشعر بإحضار الأشياء إلى العالم، والعالم إلى الأشياء: نداء الشعر «يدعو الشيءَ، على نحو يحمل به الشيءُ الإنسانَ على النظر إليه بوصفه شيئًا … فالشيء يكشف الحجاب عن العالم الذي يقيم فيه الشيء» (Poetry, Language, Thought, pp. 199-200). وفي الشعر تفعل الأشياء فعْلَها فينا، لا بوصفها موضوعات تبدو للوعي بل بوصفها مدعوَّة — مؤقتًا — إلى «معناها»،١٤ فنفهمها بوصفها إرهاصًا بالرابطة الكلية — نسبيًّا — الأصيلة في عالمٍ يكتسب فيه أي شيء تفرده بمشاركته فيه. ومن ثَم، لا يتعلق هذا «القرب» بمسافة مكانية أو زمنية يمكن قياسها بالياردات أو الساعات. فبمقدور منجزات وسائل الاتصال عن بُعْد الحديثة تقليص المسافة من القارات وإليها على ظهر هذا الكوكب، ولكن هذا التواصل السريع يفتقر إلى معنى «القرب». فليس القرب تصورًا للموجودية بالمرة، يُعيِّن هذا أو ذاك من الموجودات أو العلاقة بينها. إن تعبير القرب تعبير أنطولوجي يتعلق بالوجود، ويُسمِّي — على نحو ينطوي على مفارقة — شيئًا هو الأبعد وقَل أن يُلاحَظ من جهة موجوديته. ولكن هذا بالنسبة إلى هيدجر، يؤسس ما يشكل تعريفًا أساسيًّا للإنسان بوصفه دازاين. وتلخص ملاحظة كوكلمانس تعقيد الأمر، فيقول: «لسنا نحن الذين نفترض سلفًا عدم خفاء الموجودات، بل إن عدم خفاء الموجودات (أي الوجود) يضعنا في حالة تظل معها كل عباراتنا التقريرية ضمن حدود عدم الخفاء».١٥ والقرب الذي به يُوهَب حدثُ عدم الخفاء في العالم هو، على وجه التحديد، «نطاق منفتح» يجب على التمثيل الديكارتي (وبدرجة ما، الدازاين كما أوضحه كتاب «الوجود والزمان») أن يفترضه سلفًا: «يضع التمثيلُ نفسَه في نطاق منفتح يمر من خلاله التمثيل بوصفه تمثيلًا» (Nietzsche: Vol. Four: Nihilism, p. 109). والأكثر من هذا، لا يعني ذلك الافتراضُ القبْلي فرضًا سابقًا لأي مفهوم، بل هو نفسه شرط التمثيل السابق على التمثيل، المُتجاهَل في التمثيل.

ولعل الأكثر استعصاءً في مناقشات هيدجر عن الشعر — لا سيما عند وضع السياق الأنجلوسكسوني في الحسبان — إغراؤها بالتشابه مع صيغ بعينها في الفكر التجريبي. فيُظَن أن هيدجر يرفض الفكر التمثيلي المفاهيمي لصالح العناية بالفكر أو اللغة بوصفهما تجربة؛ إلى درجة أن مُتَرْجِمَ هيدجر، ديفيد كريل، وهو يناقش هيدجر بشأن «الإيقاع»، يبدو منجذبًا إلى هذا التثمين التقليدي ﻟ «العيني» أو «الحي» على حساب «المجرد» أو «المشتق»، وفي مقابله.١٦ والحق إن بعض وصف كريل يبدو انحرافًا بهيدجر إلى مجرد ميتافيزيقا «التجسد» [في المسيحية]؛ وذلكم ما يطلق عليه دريدا «إعادة مواءمة ميتافيزيقية للكتابة في أشد حالاتها نمطيةً وجاذبيةً» (Dissemination, p. 206). وباختصار، القصيدة بوصفها تمثيلًا تفسح المجال للقصيدة بوصفها أداءً. لذا، يستشهد كريل بقول ماكليش MacLeish الشائع: «القصيدة لا تعني/بل تُوجَد»، من دون اعتراف بأن تلك صيغة معروفة في الجماليات الرومانسية. ويواصل كريل قائلًا: «إن المقاطع الشعرية الأولى في قصيدة ماكليش، التي تؤدي وجودَ القصيدة، تُحرض من ثَم على التفكير أكثر مما تُقر نتيجة جازمة!» (p. 31). ويُعد كريل، هنا، نموذجًا على نهج يُسيء — غالبًا — مواءمة هيدجر. ولعل فحص القضية المثارة في عدد مجلة «الحد» Boundary (١٩٧٦م) المكرَّس لهيدجر يثبت ذلك. فمثلًا، بينما يشير آلفين إتش روزنفيلد إلى الخطوات الأولية في رؤية هيدجر للغة، سرعان ما ينتقل إلى وصف شعر دينيس ليفيرتوف Denise Levertov؛ فيؤكد سهولة الدمج بين الصورة الشعرية والوجود. وعن قصيدة ليفيرتوف «تعلُّم الأبجدية من جديد» Relearning the Alphapet (١٩٧٠م)، يقول روزنفيلد «إنها تسجل التجربة الأولى وتبرزها في لحظة الذروة».١٧ وهذا القول أقرب إلى كتاب كولريدج «السيرة الأدبية» Biographia literaria (١٨١٧م) منه إلى مارتن هيدجر. فبينما يؤكد هيدجر الاختلاف بين الموجودي والوجودي، يتغنى روزنفيلد بالوحدة والاندماج:

«بين اللغة والوجود حدود مشتركة: «وجود اللغة» و«لغة الوجود» يندمجان. والشعر هو الذي يوحدهما، فيُقدِّس الوحدة ويحتفي بها، ثم ينسحب من العالم إلى حيث يهجع، حتى يأتي أورفيوس جديد يستدعيه مرة أخرى من مرقده» (p. 546).

وقد كان هذا النوع من تلقي قراءة هيدجر للشعر سببًا رئيسيًّا في عدم استكشاف التقارب بين رؤيتي هيدجر ودريدا للأدبي، حتى سنوات قليلة ماضية. وقد غدا ضروريًّا تأكيد المضامين الراديكالية في عمل هيدجر لمواجهة هذا النوع من التلقي.

كان محور مناقشة هيدجر للميتافيزيقا هو عجزها عن التفكير في الاختلاف بين الوجود والموجود. وعلى نحو أدق، لم يُنظَر إلى وجود الموجود، الذي به تَظهر الأشياءُ، إلا طبقًا لنموذج موجود آخر أو أعلى، مثلًا جوهر وعلة أولى أعلى وجودًا، كما لو كان للعالم طريقة وجود شيء نصادفه في العالم. هكذا، سقط الاختلاف بين الوجود والموجود في غياهب النسيان.

بنية الاختلاف بين الموجودي والوجودي هي بالضرورة بنية أشد تميزًا؛ فالفرق بين الوردة ووجود/ها يثير مشكلة تختلف اختلافًا كليًّا واضحًا عن المشكلة التي يثيرها الاختلاف بين وردة وأخرى، أو بين أي موجودين آخرين، وتنشأ بنية هذا الاختلاف عن الاعتبارات الآتية: أولًا، (في) الوجود وحده، وبه، يمكن أن تحضر الموجودات أو تُوجَد. ثانيًا، الوجود، الذي يُفكر فيه بصرامة على أساس اختلافه عن أي موجود، هو لا شيء، ولا نتمكن من إدراكه على نحو ما ندرك أي موجود. فالكل، إذا جاز التعبير، شيء آخر غير مجموع أجزائه، ولكنه لا يوجد منفصلًا عنها.

وقد أوضح دريدا في الأقسام الأولى من مقالِه «جلسة مزدوجة» ذلك التفاعل الغريب بوصفه «التباسًا أو ازدواجًا في حضور الحاضر ومظهره — ذلك الذي يظهر و إظهاره — في طَية  fold اسم الفاعل» (Dissemination, p. 192). فالوجود بوصفه إظهارًا (بوصفه يختلف عن الموجود الذي يصبح ظاهرًا)، يختفي بالضرورة في انكشاف ذلك الذي يجعله الوجودُ حاضرًا. ينسحب الوجود فلا يصبح حاضرًا، على الرغم من أن بنية الحضور الماثلة أمامنا هو الذي أحدثها. وتلكم، إذن، بنية التصور البسيط المخادع ﻟ المحاكاة  mimesis بوصفها مجيئًا — إلى — انفتاح ذلك الذي يكون ظاهرًا. وترتيبًا على تحليل هيدجر الكلمة اليونانية فوزيس Phusis المرادفة لكلمة الوجود being، لا بد أن يُمرِّر المرءُ، خفيةً، طَيةَ اسم الفاعل إلى مشهد المحاكاة الأول:

«ومن ثَم، المحاكاة هي حركة الفوزيس، حركة طبيعية على نحو ما (بالمعنى غير الاشتقاقي لهذه الكلمة)، لا بد أن يتضاعف من خلالها الفوزيس، بلا خارج وبلا آخر، حتى يقدم ظهوره، حتى يظهر (لنفسه)، حتى يبرز (نفسَه)، حتى يكشف (نفسَه)؛ لكي يظهر من الخفاء الذي يؤثِر به نفسَه؛ لكي يشرق في كشفه» (Dissemination, p. 193).

وكما توحي الأقواس السابقة، فالوجود بصفته كشفًا هو — على وجه التحديد — ذلك الذي لا يظهر في ذلك الذي ينكشف (الموجودات). ومن ثَم، ينطوي الحضور أو الكشف — بمفارقةٍ — على بنية انسحاب. ﻓ فيما ينكشف يُمْحَى الكشفُ نفسُه.

وعلى هذا النحو، تشارك اللغة — التي تُعد طريقة في تمرير الوجود إلى الموجودات — في بنية الكشف أو الإظهار التي لن تغدو هي نفسها شيئًا. وعلى وجه التحديد، في كشف شيء مادي يُمحَى فعلُ الإظهار فيما يصبح ظاهرًا. ولن تصبح اللغة — بوصفها طريقة في الحضور — موضوع تمثيل بسيط. إنها أفق متعالٍ. ولذا، نظل — فيما يقول هيدجر في مقالِه «طريق اللغة» (١٩٥٩م) (The Way of Language, pp. 111–36) — «موكولين إلى الوجود في اللغة، وضمن حدودها، فلا نقدر على الخطو خارجها والنظر إليها من أي موضع آخر سواها» (The Way of Language, p. 134) وبالإضافة إلى ذلك، يُعد «نداء» الشعر و«أمْره» — بوصفه ندائيًّا آمِرًا – طريقتين في اللغة تتأبَّيان على المعالجة الفلسفية الشاملة — تقريبًا — التي ترى اللغةَ كما لو أن طبيعتها وصفية تقريرية فحسب. فماهية اللغة ليست شكلًا تقريريًّا، بل انفتاح على رنين وشيجة من العلاقات والمعاني التي تظهر من «الواقع» و«الإنسان». تضطلع اللغة بالاختلاف بين الموجودي والوجودي الذي فيه تنتصب الأشياء منكشفةً في وجودها عبر اللغة. ولكن كلمة «منكشفة» هي بالضرورة كلمة معقدة إلى حد كبير. وإذا استعملنا مصطلحات دريدا في مقاله «جلسة مزدوجة» لأمكننا وصف بنية الاختلاف بين الموجودي والوجودي بأنها «طَية». يصبح الموجود ظاهرًا في الظهور (الوجود) الذي ينسحب في بنية المحو بوصفها رجوعًا عن الطي. واللغة نفسها طَية هذه البنية التي فيها تَسحب نفسَها فلا تَظهر بوصفها موضوعًا وهي تحمل موجودًا على المجيء إلى الحضور. ويخبرنا مقال «طبيعة اللغة» The Nature of Language (١٩٥٩م) (The Way of Language, pp. 57–108) بالآتي:

«يوجد دليل على أن الطبيعة الجوهرية للغة تتأبَّى بشكل قاطع على التعبير عن نفسها بالكلمات: في اللغة، أي بالعبارات التي نستعملها في الحديث عن اللغة. وما دامت اللغة تحجب طبيعتها، بهذا المعنى، في كل مرة، فإن هذا الحجب من طبيعة اللغة حقًّا» (The Way of Language, p. 81).

ولذا، فإن أي اهتمام مفاهيميٍّ باللغة يجب التخلي عنه منذ البداية؛ «فنحن لا نتحدث اللغة وكفى، بل نتحدث بطريقتها» (The Way of Language, p. 81). والسؤال الأهم: إلى أين تفضي بنا هذه «الانعطافة» خارج الفكر التمثيلي؟ وما طرائق التماسك الأخرى، «الأعمق»، التي تحكم الفكر، ما إن نتجاوز الأشكال النسقية المنطقية؟ يكمن اقتراح هيدجر في أن الأمر كله يتعلق، في المقام الأول، بتحويل اللغة نفسها وتحويل علاقتنا بها؛ على أنه من الضروري — قبل كل شيء — أن نتعلم عدم محاولة جَعْل اللغة موضوعًا أو شيئًا، وأن نتعلم طريقة الانتباه الفينومينولوجي اليقظ لها: تَرْك اللغة تُوجَد:

«بدلًا من تفسير اللغة وإيضاحها بوصفها هذا الشيء أو ذاك، فنبتعد حينئذٍ عنها، يحملنا الطريقُ إلى اللغة على تَرْك اللغة أن نجربها من حيث هي لغة. وليكن معلومًا أنه من الممكن، في طبيعة اللغة، إدراك اللغة نفسها من الناحية المفاهيمية، لكن ما سندركه شيء آخر غير اللغة نفسها» (The Way of Language, p. 119).

والانتباه إلى اللغة، بهذا المعنى، هو الإصغاء إلى ندائها أو أمْرها؛ إلى قولها عن الاختلاف الذي به يُحمَل العالمُ والشيءُ أحدهما إلى الآخر، ويُجْعَل به أحدهما منتميًا إلى الآخر في حركة الكشف بوصفه انسحابًا. ومن ثَم، يفترض هيدجر أن الشعر طريقة في اللغة لا نستطيع اختراعها بأنفسنا، وإنما بمستطاعنا الإصغاء إليه بوصفه تَرْك اللغة تُوجَد، وبوصفه أيضًا ترك الوجود يجيء أو العالم، وذلكم هو الانفتاح الذي يجد الوعيُ نفسَه داخله.

وهذا التفسير للغة الشعرية بوصفها طريقة في إحضار العالم إلى الكشف هو الذي يقال دائمًا تقريبًا عند الحديث عن هيدجر والشعر. ولكن بالرجوع إلى العديد من مقالات هيدجر عن الشعراء، بعد قراءة — لنقل — الحديث عن الشعر في «أصل العمل الفني» The Origin of the Work of Art (محاضرة عام ١٩٣٥م)، نجد شيئًا غير متوقع. فغالبًا لا نجد وصفًا تفصيليًّا لطريقة انبساط العالم في الشعر أو من خلاله (كما نرى في وصفه المساء الشتوي في قصيدة تراكل). فعِوضًا عن ذلك، يقرأ هيدجر القصيدة على نحو يؤسِّس شكلًا من التأويل الانعكاسي، أعني من جهة ما تؤديه القصيدة للشعر نفسه. فَهَمُّه الشاغل حركةُ الانتماء المتبادل في الشعر، وليس أي عالم يُجلَب إليه.

في مقالِه عن قصيدة شتيفان جورجه Stefan George، وعنوانها «الكلمة» The Word، (“Words” 1959, The Way of Language, pp. 139–56)، يروي هيدجر تجربة معاناة جورجه مع اللغة، تجربةً تَعلمَ فيها «التخلي» بوصفه موقفًا أصيلًا يقفه الشاعر. ويتبين أن «الكنز» الذي يبحث عنه الشاعر داخل القصيدة ليس شيئًا سوى الكلمة أو الشعر نفسه. وبشكل ينطوي على مفارقة، لا يكون هذا الكنز ثمينًا إلا بقدر تخلي الشاعر عن أي محاولة لامتلاكه، عن وضع «الكلمات تحت تصرفه بوصفها أسماء تُصور ما هو مُقدر سلفًا» (The Way of Language, p. 147). والحق إن جورجه يتعلم قوة — وضرورة — «الانعطاف» إلى نداء اللغة نفسها: «وحدها الكلمة التي تحت تصرفنا تهب الشيءَ وجودًا» (The Way of Language, p. 141). وفيما يقول هيدجر، يشهد على فعالية هذا التخلي قوةُ قصيدة جورجه نفسها، فهي ليست قصيدة عن اللغة التي يجب التخلي عنها، وإنما هي غنائية أيضًا، غنائية حركة التخلي نفسها:

«لا بد أن تعاني العلاقة بالكلمة أيضًا تحويلًا. فالقول يحقق إفصاحًا مختلفًا، لحنًا مختلفًا، نغمة مختلفة. والقصيدة نفسها التي تتحدث عن التخلي تشهد على أن الشاعر يجرب التخلي بهذا المعنى: عبر التغني بالتخلي. لذا، فهذه القصيدة غنائية» (The Way of Language, p. 147).

ويرجع افتتان هيدجر الشديد بهولدرلن Hölderlin إلى فَهْمه شعرَ هولدرلن بوصفه طريقة في التخلي بما هو غنائية. يفضل هيدجر هولدرلن، لأن شعره يتناسب تناسبًا فريدًا مع التفكير العميق في ماهية الشعر، لا بوصفه مسألة في علم الشعر، بل بوصفه قولًا شعريًّا عن ماهية الشعر، فذلكم — على وجه التحديد — هَم هولدرلن من الشعر. وبالمثل، فلعل أحد أسباب أن كلمة شعر عند هيدجر كلمة مراوغة على هذا النحو، راجع غالبًا إلى أنها تُفسَّر تفسيرًا دقيقًا على أنها شعر الشعر   Dichtung of Dichtung؛ كما هو الحال حين يقيم هيدجر هولدرلن على أنه شاعر الشعراء المفترَض، الذي يتحدث شعريًّا عن ماهية الشعر (لاحِظْ تكرار صيغة المضاف إليه). وعلى فرض أن الشعر لا يمكن تصوُّره مفاهيميًّا من دون اختزاله إلى ما يجعله ممكنًا، فإن هذه الاستراتيجية — التي يظهر للوهلة الأولى أنها مميزة — تبدو الخيار الأصيل الوحيد عندما يكون التفكير مدخلًا إلى الشعر.

يُسمِّي الشعرُ شيئًا لا يمكن وصفه من دون اللجوء المستمر إلى صيغ النفي؛ فهو ليس لغة وظيفية بالمعنى التصويري أو التمثيلي من أي نوع كان، لا ولا هو منطوق أي مؤلف كان. وحتى لو سلَّمَ أحدنا بأن الإنسان مخترع اللغة، فلا يمكن وصفه بأنه مخترع طبيعة اللغة. «اللغة الشعرية لغة تتحدث بنفسها، لكيلا تقول شيئًا سوى قول اللغة نفسها».١٨

من المفهوم أن يكون كل الشعراء الذين يناقشهم هيدجر يكتبون بالألمانية. ولكن مع الاعتراف بأن هيدجر يشير، أيضًا، إلى صافو Sappho وكُتَّاب يونانيين آخرين فيما يتعلق بالشعر، فإن هذا الامتياز الذي يمنحه هيدجر للألمانية يستدعي، أيضًا، تأكيده أن قدماء الألمان واليونانيين كانت لديهم علاقة حميمة وفريدة بجوهر اللغة نفسها.١٩ وبرغم تحيز هيدجر الواضح، فلا يحتاج هذا التأكيد — فيما أعتقد — إلى نقاش من حيث المبدأ؛ فمحل النقاش في تصور الشعر هو طريقة اللغة التي تلتفت إلى نفسها ﻟ «تقول» ماهيتها، وما من سبب يدعو إلى الاعتقاد في أن أي لغة تاريخية بعينها أكثر «شعريةً» أو أقل من غيرها. ومع ذلك، ليس تأكيد هيدجر المتعلق بالألمانية غير مُمحص فقط، وإنما لا ينفصل عن نزعة القومية الألمانية عنده، كما أوضح فيليب لاكو-لابارت: احتذاء ثقافي باليونانية القديمة التي شكلت أساس ولاء هيدجر الطويل للنازية.٢٠ ولعل أحد الردود على هذه القضايا الهائلة المثارة، هنا، ستكون استدعاء مناقشة موريس بلانشو المتعلقة بأن النصوص التي تؤسِّس شكلًا من الفكر المتعالي فتتكلم عن منابع وجودها، قد صارت سمة مميزة للأدب في القرنين الأخيرين (انظر أدناه). وأما الرد الآخر — المتبع الآن غالبًا — فيقدم تحليلات دقيقة لقراءات هيدجر التي يتناول فيها تراكل وهولدرلن وآخرين. وتلفِت هذه التحليلات الانتباه، عادةً، إلى عُقد المقاومة في نصوص هيدجر، المرتبطة في كثير من الأحيان بسياسة الفيلسوف، إما في مرحلته النازية أو في مرحلة الهدوء المراوغ التي ميزت أعماله المتأخرة.٢١ ولكنني أقترح المضي وراء احتمال ثالث، ألا وهو الوقوف بهيدجر عند هذه النقطة واعتبار ما يقوله عن الشعر مُطبقًا على شاعر لم يناقشه هيدجر. ولأن الفرضية — محل البحث — تركز على الشعر بوصفه شيئًا فاعلًا أبعد من هولدرلن وتراكل وغيرهما، فإن هذه الخطوة (التي يمكن القول إنها مجرد وثبة قام بها بلانشو ودريدا في أعمالهما المتعلقة بالأدبي) تسلط الضوء على القضايا محل النقاش بطريقة مباشرة.

أنتقل الآن إلى نص قصير من نصوص تشارلز توملينسون، بوصفه مثالًا تعليميًّا مبسطًا من اللغة الإنجليزية، ينطوي على مطامح تتوازى مع مطامح قصيدة جورجه من بعض النواحي، ويحمل هذا النص القصير عنوانًا بسيطًا هو «قصيدة».٢٢ ويتألف هذا النص، الذي أقترح استثماره بوصفه حالة اختبار، من خمسة مقاطع شعرية تبدأ على النحو الآتي:

قصيدة

مكان

نافذة

تنظر إلى نفسها

يتواجهان

كلاهما و

بكل طريقة

نقطتان رأسيتان

بين تفاحة خضراء:

مزهرية خضراء

توجد ملاحظتان تمهيديتان ضروريتان قبل النظر في هذا النص بالتفصيل. تتعلق الأولى بأن العناية الهيدجرية ﺑ الشعر لا تعني «القراءة» بأي معنى كان من المعاني التي تحدد تجربة القراءة سيكولوجيًّا. فبقدر ما تكون اللغة موجودية ووجودية، لا تكون كيانًا ولا موضوعًا ممكنًا لأي سيكولوجيا. والأكثر من هذا، يُتجاوَز تصورُ «التجربة» نفسه، على الأقل بمعنى تقديم شيء إلى أي «أنا». وأما الملاحظة الثانية فتتعلق بأنه لا يوجد تفسير.٢٣ فما من شيء يحيل إلى أي مجال آخر في أي محاولة لإخضاع غنائية اللغة لأي مفهوم. فالانتباه إلى حضور اللغة نفسها يعني قراءة قصيدة «قصيدة» على نحو يُبقي نافذتَها مفتوحة كلما أمكن: «نافذة/تنظر إلى نفسها».

ويُعد هذا «الانفتاح» — إعادة توجيه اللاخفاء في اللغة نفسها — تأثيرًا مميزًا ﻟ الشعر. ولعل أحدنا يقارنه بإحدى محاولات هيدجر ضرْب مثل باللغة من حيث هي حدث التمالك المتبادل الذي من خلاله يصير المكان والزمان موجودين. يقول هيدجر: «يمكن القول عن المكان إن المكان يَتَمَاكَن space spaces» (The Way of Language, p. 147). تبدأ قصيدة «قصيدة» على النحو الآتي:

مكان

نافذة

تنظر إلى نفسها

يتواجهان

كلاهما و

بكل طريقة

يفترض الانفتاحُ الخارق والتأثير غير المتمركز الناتج عن هذين المقطعين فعاليةَ الشعر بوصفه طريقة في الانتماء المتبادل. والأكثر من هذا أن المقطعين «كالأغنية» على الأخص، إلى درجة أن شيئًا آخر يحدث بخلاف تمثيل أي موضوع كان. ويوحي العنوان «قصيدة» — الذي يقترب من أن يكون إطنابًا — بمقام يغدو فيه تأثير انفتاح هذين المقطعين هو نفسه مادة القصيدة. وإلى هذا الحد، لن يكون «معنى» اﻟ «قصيدة» وصف مكان، بل أثر القصيدة بوصفه مجانسًا لانفتاح المكان نفسه. ولا يعني الاهتمامُ ﺑ «المكان» جَعْلَه كائنًا وإعادة تقديمه؛ فالمكان نفسه لا يمكن جعله موضوعًا بتلك الطريقة. وبالقدر نفسه، تغدو هيئة اللغة — التي لا تتعلق بالموجودات وحدها — مؤثرة تأثيرًا غير عادي.

ولا بد أن نفرق بشكل قاطع بين «القراءة» المقترحة أعلاه وأي فَهْم مغلوط محتمَل؛ فليس مهمًّا القول إن «معنى» قصيدة «قصيدة» هو نفسها، أو أن معناها هو «الشعر»، الأمر الذي يؤسس إيحائِيَّتها تبعًا لفَهْم هيدجر على هذا الأساس. ومن ثَم، فعند اتباع نموذج «التفكيك» الذي تحدثتُ عنه في المقدمة، ربما يقرأ أحدنا المقاطع الشعرية الأخيرة بوصفها «قصيدة» تمثل نفسَها:

غير مرئي

سريرٌ ونَفَسٌ

شهيق الهواء وزفيره

تحت نسيج عنكبوت

تُرَى خيوطُه بفعل انعكاس الضوء عليه

بلا شائبة تشوبه.

يمكننا فَهْم «بيت العنكبوت» — من حيث هو نص شعري — بوصفه مكانًا ينتمي تبادليًّا، بمعنى جَعْل استتاره مُدرَكًا مفهومًا. ولكن هذا النوع من القراءة الأمثولية allegorical reading لا صلة له بما يقصده هيدجر من الشعر. ﻓ «المعنى» الذي تؤديه القصيدة من حيث العلاقة ﺑ الشعر، ليس مادة تمثيل ذاتي، لا ولا وَهْمًا بمحاكاة صوتية، أو أي مظهر آخر من مظاهر التجربة الذاتية في القراءة. ﻓ «المعنى» لا يزيد عن كونه أداءً لغويًّا؛ وإذا جاز التعبير مرجعًا من دون مشار إليه. والأكثر من هذا وذاك، بقدر ما لا يتمكن أحدنا — فعليًّا — من الإجابة عن السؤال «ما المؤدَّى؟» يظل «الأداء» تعبيرًا غير مقنع، والحاصل، كما لو أن قصيدة «قصيدة» لا تستحضر شيئًا في النهاية سوى استحضارها وحالتها بوصفها غنائية: «نافذة/ تنظر إلى نفسها//يتواجهان/كلاهما و/بكل طريقة»، إذا فهمنا الشعر بوصفه تحقيق الاختلاف بين الموجود والوجود، وانفتاحًا متبادلًا بين العالم والشيء، فقد يمكن قراءة «قصيدة» بوصفها شعر الشعر من جهة أن هذا الانفتاح مباين في حد ذاته لأي موضوع.

وعلى نحو مماثل، يبتعد مشروع تحديد «معنى» الوجود ابتعادًا كاملًا عن أي تصوُّرِ ﻟ «المعنى» متداولٍ في الفلسفة الأنجلوأمريكية. وتماشيًا مع موقف هيدجر العام من الفينومينولوجيا، ليس الأمر قضية فَهْم معنى الظواهر فَهْمًا فعالًا بقدر ما هو تَرْك وجود ذلك الفَهْم يتحدث٢٤ بنفسه في حركة اللغة نحو «ﻓﻌﻠ»ﻬﺎ. يقول هنري بيرولت عن هذا القول:

«هذه اللغة بلا هُوية ولا صوت، كلا ولا هي بالمنسجمة، إنها سيدة نفسها. وما من شيء وراءها لأن كل شيء لا يزال أمامها. فهي تَعْرض من دون برهان، وتعطي من دون تنظيم، تدعو من دون أمْر، وتدل من دون تعيين».٢٥

فبدلًا من أن تدل اللغة على أي شيء، تكون هي المجال الذي ربما ينشأ فيه إمكان أي دلالة. ومن ثَم، ليست «قراءات» هيدجر لهولدرلن وتراكل وآخرين قراءات بالمعنى المتعارف عليه؛ بما أنها تتحاشى الحديث عن حالة نصوصهم لصالح الإنصات والتلقي والصمت. والأكثر من هذا، لا يسعى هذا التلقي إلى المبادرة بشيء من قبيل تأسيس معنى أو تفسير، والاقتياد إليه. إذ يزعم هيدجر أننا مقودون فحسب إلى حيث نوجد حقًّا، ذلك «الدنو» أو «القرب» الذي به يمتلك الدازاين عالمًا، ويظهر إلى نفسه.

وضرورةُ تحاشي أي لغة شارحة أمرٌ ظاهر في الابتكارات الأسلوبية الغريبة في أعمال هيدجر، مع ما تنطوي عليه هذه الابتكارات من تأملات عميقة في عبارات مفتاحية مثل «وجود اللغة: لغة الوجود»، أو تعسفات مجازية من قبيل: world worlds [= العالم يَتعَالم]، أو space spaces [= المكان يَتَماكن]، أو time times [= الزمن يَتزمَّن]. فعبارة من قبيل «المكان يتماكن» ليست عبارة «عن» المكان بأي كيفية وضعية. وإنْ هي إلا محاولة لإدخال أسبقية هبة المكان/الزمن في حدث الوجود من خلال الشعر /بوصفه شعرًا. لذا، يمكن وصف الشعر، بالمعنى الذي شرحه به فيليب لاكو-لابارت، بأنه «الخالص البسيط المتعالي».٢٦ وإذا تَوَخَّيْنَا الدقة، لا ينطوي الشعر المفهوم بهذه الطريقة على طبيعة تلائمه في حد ذاته. ومن ثَم، لا يمكن إخضاعه للسؤال «ما هذا؟» [ما هو؟] what is?؛ فهو لا شيء. إنه إفصاح الموجود في وجوده، وبوساطته يظهر الموجود بوصفه ما يَكونه as what it is. فما يهتم به الشعر في النهاية حالة هذه اﻟ as في حد ذاتها، وما يرتبط بها من مُسَلَّمَات تتكئ عليها كالهُوية والاختلاف والتناقض.

وهنا، يقدم مؤشران إجماليان نفسهما، ويُبرِزان كلاهما الفرق الشاسع بين الشعر [عند هيدجر] والتصورات المتعارف عليها عن الأدبي أو «التجربة الجمالية»،٢٧ سواء أكانت «تجربة» خلق العمل أم «تجربة» تلقيه.

المؤشر الأول: لا يمكن بوضوح وصف الشعر بأنه موضوع قصدي؛ فالتصور الفينومينولوجي للقصدية، وإنْ كان هو نفسه غير قابل للاختزال إلى ثنائية ذات/موضوع، يصون بمقتضى التعريف ثنائيته القطبية. ﻓ الشعر الذي يُعين انفتاح الانفراج الساطع الذي بوساطته يمكن أن يظهر أي موضوع لأي ذات، لا يمكن اختزاله إلى حالة ذلك الذي يجعله ممكنًا.

ويرتبط بذلك ألا ينشأ الشعر عن أي فعل يمنح المعنى، فهو بكل بساطة ليس شيئًا مخلوقًا. الشعر روح حارسة غير بشرية، إذا جاز التعبير، تسري في نشاط الشعراء؛ شيء نتلقاه ولا نعطيه. ومع اختلاف الشروط والأحوال، من اليسير تخيل جمهور من النقاد تعتريه صدمة مزاعم ﮐ «موت المؤلف» في كتابات هيدجر. ولا تكمن أهمية الشعر في دَيْنه للفاعلية الإنسانية فقط، وإنما شيء آخر، أعني حركة النشوة التي يكابد فيها الوعي استعمال تعسفات مجازية من قبيل «المكان يَتماكن»، أو السطور المتنوعة في قصيدة «قصيدة».

ولعله قد اتضح أن إحدى أهم النتائج المترتبة على مناقشة هيدجر، تنقيح الكثير من المصطلحات التقنية المستعملة في تحليل اللغة. فمثلًا، لن يستطيع أحدنا الإشارة إلى الصور البلاغية المفهومة في الكلام («الاستعارة»، «التشبيه»، «المبالغة» … إلخ) من دون التنبيه فورًا إلى أن معناها المضمر في تصور اللغة القائم قد جرى تجاوزه؛ ﻓ «الاستعارة» مثلًا تُعرَّف على وجه التحديد بطريقة تمايزها عن التمثيل الحَرْفي. ومن هنا، استعمالي المتردد لتعبير التعسف المجازي.

ومن ثَم، لا بد أن تقدم أفضليةُ أي «شعرية هيدجرية» مفترَضة، مخططًا لبلاغة الشعر. ومن الواضح أن تعريف هذه البلاغة سيختلف عن التعريفات المتوارثة، حالها في ذلك من حال الأليثيا التي تختلف عن مفهوم الحقيقة بوصفها المطابقة. وعلى بلاغة الشعر هذه، أن تتصدى أيضًا للمناقشات الحديثة التي ترى أن تصوُّرَ الأليثيا تصوُّرٌ خاوٍ. فقد يقول قائل إن الأليثيا عند مقارنتها بتصور الحقيقة من حيث هي مطابقة؛ مبدأ عام يخلو من المعنى. والقضية هنا قضية التعدد. فطبقًا للمفهوم التقليدي، تكمن حقيقة العبارة الخبرية في مدى تطابقها مع الموجودات في الواقع (أي إذا اختلف أي من هذه الموجودات عن وصفه المعطى في العبارة الخبرية فستكون العبارة كاذبة). ومن ثَم، يتساوى بالضرورة تعدد تصور الحقيقة بوصفها التطابق مع تعدد الواقع نفسه بكل تنوعه وفروقه الدقيقة. ومن ناحية أخرى، قد يقول قائل إن الأليثيا — أو «عدم الخفاء» — لا تنطوي على مثل هذا التعدد؛ ﻓ «الظهور» يظل مجرد مبدأ عام. بل يذهب ريتشارد فولن بعيدًا، إلى حد أنه يرى أن «كل ما يتبقى لنا، هو إثبات «العطاء» بطريقة وضعية غير متسامية، أي «الموجودات في مباشرتها» و«الانكشاف بحد ذاته».»٢٨ ومجمل القول، سيَحول قبول رأي فولن دون أي بلاغة مفترَضة ﻟ الشعر حتى قبل أن يوضع تخطيط إجمالي لها؛ إذ ستنطوي كل صورة بلاغية على الإجراء الممل نفسه: عدم الخفاء.

يوجد وجهان للرد على فولن: الأول، يعني القول إن الأليثيا مجرد مبدأ عام الافتراض — بشكل خاطئ — أنها توجد منفصلة عن نطاق الموجودات التي تنكشف، وسابقة عليها، ولكن ما من إنارة أو انفتاح إلا في قيامه في الأشياء أو العمل الفني. ويترتب على ذلك أن الأليثيا ليست في تعددها بأقل من الحقيقة بوصفها تطابقًا: الأليثيا ليست واحدة. غير أنه يمكن القول إن هيدجر لم يفكر في كل هذه المؤديات (انظر أدناه). وثانيًا، لا يوجد شعر واحد. وكما هو حال الصدع أو التشقق  Riss أو الاختلاف نفسه في الاختلاف بين ما يتعلق بالموجود وما يتعلق بالوجود، فكذلك الشعر ليس حاضرًا، وإنما هو الذي يعطي الحضورَ، من دون أن يُدرَك منفصلًا عما حققه. ومن المفترض أن ذلك أساس من الأسس التي يقوم عليها إصرار هيدجر على أن كل لغة هي في الأصل لهجة أو فرع عن لغة أخرى. يقول هيدجر: «من خواص اللغة الإصاتة والجرس والاهتزاز والتأرجح والارتعاش، وتنقل كلماتُ اللغة المنطوقة معنًى» (The Way of Language, p. 98). وسأعود إلى مناقشة قضايا مادية اللغة وتعددها في الفصل الثالث من هذا الكتاب بين يدي القارئ.

وإذا رجعنا، الآن، إلى قضية بلاغة الشعر المفترَضة، سنجد هيدجر في قراءاته يستعمل مصطلحات من قبيل «استعارة» metaphor أو «صورة شعرية» image، ولكنه يتحفظ دائمًا تحفُّظات جديرة بالاعتبار على معانيها المتداولة. وتميل مقالاته عن الشعراء إلى تقطيع النص تقطيعًا متأنيًا، فيتأمله كلمةً كلمةً وعبارةً عبارةً. وتجد هذه الطريقة في القراءة سندًا ضمنيًّا في قسم من مقالِه «ما يُسمَّى التفكير»، حيث يدافع هيدجر عن العمق لدى البقية الباقية من فلاسفة ما قبل سقراط، برغم ما تبدو عليه تراكيبهم من «بدائية» أو تشظية وتشذير لا ترابط فيه. إذ يستعمل هؤلاء الفلاسفة بنيات إردافية٢٩ تتراصف فيها الكلمات على نحو متماسك من دون اللجوء إلى روابط نحوية تضمها إلى بعضها البعض. وتدل على هذه الروابط «المفقودة» — إذا جاز التعبير — علامات الوقف مثل (:) في الطبعات الحديثة لهذه الشذرات، كما هو الحال في شذرة بارمنيدس Parmenides الآتية: «الشيء الضروري: القول تفكير أيضًا: الوجود: يُوجَد». ويؤكد هيدجر هذا الافتقار الظاهر إلى التماسك فيقول: «وأما القول فيتحدث حيثما لا تُوجَد كلمات، في المسافة التي تشير إليها علامات الوقف بين الكلمات» (What is Called Thinking, p. 186). وتقوم قراءات هيدجر للشعر بتشظية النصوص عبر حركة متأنية، الأمر الذي يجعل هذه القراءات إردافية على شاكلة النصوص التي تتناولها؛ فتتمكن من استخلاص قوة «شعرية» مميزة من الكلمات والعبارات المفردة. وتلك طريقة من طرائق الإقامة التأملية مع النص أو «فيه»، على نحو من شأنه جَعْل قراءات هيدجر غامضة غموضًا لا خلاف عليه. كما أن هذه القراءات ترفض ترجمة كلمات النص إلى تعبيرات أعم، الأمر الذي يجعلها مضادة للتعليقات الشارحة من هذه الناحية.

في مقالِه «اللغة في القصيدة» Language in the Poem (١٩٥٣م) (On the Way to Language, pp. 159–98)، يصف هيدجر العلاقة بين صورة (زرقة السماء) عند تراكل وما يسميه تراكل «المقدس» (الذي يمكن قراءته بوصفه هيئة مخصوصة للوجود):

وجه حيواني

يتجمد بزرقة، وقداسة

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة