📰 آخر الأخبار
اعرّج على جسدي / سونيا الفرجاني-تونسأربع قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالصالة المكيّفة ولسعات البعوض: حوار متخيّل فوق رصيف كونيّ/بلال خبيزفي مئوية ولادته... رشدي أباظة الذي خرج من مأزق البطل الوسيم/وائل سعيدموضوع الشاعر... وموضوع القصيدة/جودت فخر الدينالنص والضرورة التأويلية/ فريد الزاهياستعباد النساء:قانون القوة/جون ستيوارت مل-ترجمة إمام عبد الفتاح إمامالأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنة/سيّار الجميلOne Art Poem by Elizabeth BishopCourage Poem by Anne Sextonطائر الكركي - قصيدة هايبونية/سالم الياس مدالوأنياب ناعمة / سميرة جدي - الجزائرالشاعر ت. س. إليوت - سلامة موسىالدين كما يؤمن به شو/سلامة موسىالمسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف/أنور المعداويإذا أشرق الشعاع وضحكت الكلمات/ ثروت أباظةتجاوز علم الجمال: الشعر عند هيدجر/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلالعدالةُ حَقٌّ.. وليست امْتِيَازاً/ملفينا توفيق ابو مرادروتين الفيلسوف/هيبتن الحيرشMirrors Of Nature - Haiku Poems By Salim Elias Madaloسـرديات العشـق(7) جواني عبدالشعور الإنسان بالضياع بين جلال برجس وفرانز كافكا/إبراهيم أبو عواد / الأردندينامية النص الديني/حميد المصباحيIF I COULD BE THERE By Photini Karamouzis chalkiasمحفوظ في مرآة النقد الإنجليزي/محمد عناني وماهر شفيق فريد
اعرّج على جسدي / سونيا الفرجاني-تونسأربع قصائد سينريو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالصالة المكيّفة ولسعات البعوض: حوار متخيّل فوق رصيف كونيّ/بلال خبيزفي مئوية ولادته... رشدي أباظة الذي خرج من مأزق البطل الوسيم/وائل سعيدموضوع الشاعر... وموضوع القصيدة/جودت فخر الدينالنص والضرورة التأويلية/ فريد الزاهياستعباد النساء:قانون القوة/جون ستيوارت مل-ترجمة إمام عبد الفتاح إمامالأيديولوجيات والمطلقات حين تدمّر الأخلاقيات والمعرفة والرؤية المتمدنة/سيّار الجميلOne Art Poem by Elizabeth BishopCourage Poem by Anne Sextonطائر الكركي - قصيدة هايبونية/سالم الياس مدالوأنياب ناعمة / سميرة جدي - الجزائرالشاعر ت. س. إليوت - سلامة موسىالدين كما يؤمن به شو/سلامة موسىالمسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف/أنور المعداويإذا أشرق الشعاع وضحكت الكلمات/ ثروت أباظةتجاوز علم الجمال: الشعر عند هيدجر/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايلالعدالةُ حَقٌّ.. وليست امْتِيَازاً/ملفينا توفيق ابو مرادروتين الفيلسوف/هيبتن الحيرشMirrors Of Nature - Haiku Poems By Salim Elias Madaloسـرديات العشـق(7) جواني عبدالشعور الإنسان بالضياع بين جلال برجس وفرانز كافكا/إبراهيم أبو عواد / الأردندينامية النص الديني/حميد المصباحيIF I COULD BE THERE By Photini Karamouzis chalkiasمحفوظ في مرآة النقد الإنجليزي/محمد عناني وماهر شفيق فريد

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

النص والضرورة التأويلية/ فريد الزاهي

square crop 1 1 1

مدخل

ما الذي يفرض ضرورة التأويل؟ هل هو «معنى المؤلف» ومقصديته النصية، أم النص بوصفه كيانًا ملتبس الدلالة ومعطًى ذا طابع رمزي؟ أم هو القارئ باعتباره ذاتًا تمتلك معنى النص أو تمنح له معانيه الشخصية؟ ثم، إذا كان الأمر يتجاوز هذه القسمة الأحادية، ما هي نوعية العلاقات التي تنسج بين هذه المكونات المشكلة للعملية الفنية والجمالية؟

انطلاقًا من هذه الأسئلة التي تحكمت ولا زالت تتحكم في العمل التأويلي، تبلورت، ولا تنفكُّ تتبلور، تصورات ساهمت في بناء منظور تأويلي متكامل، غير أن له مفارقاته المعرفية والمنهجية. بيد أن الإجابة عن السؤال الأول تتجاوز من بعيد الحديث عن النص الأدبي. إنها تطرح ماهية التأويل في بُعده الأنطولوجي والفلسفي.

لذلك فإن الضرورة التأويلية تتوزَّع حسب اتساع أو ضيق بواعثها:

  • فهي تنبع من النص إذا ما تم تمثله كبناء رمزي. وذلك هو تصور المتصوفة ومؤولي النصوص المقدَّسة عمومًا.
  • وهي تنبع من مقاصد القارئ ونشاطه في التأويل والقراءة، إذا ما تم اعتباره طرفًا أساسًا في بناء المعنى النصي وتشكليه. وهذا المنحى هو الذي انتهجته السيميائيات التأويلية وجمالية التلقي، وما يسمَّى في النقد الأمريكي بالنقد الموجه للقارئ.
  • وهي تنبع من مقاصد المؤلف، إذا ما تم تصوُّره أصلًا للمعنى النصي، وسلطة دلالية مؤسسة وموجهة للمعنى النصي. وهو ما تبنته وبلورته الرومانسية الألمانية، خاصة مع شليرماخر، وفي الفلسفة الكانطية الجديدة خاصة مع دلثي Dilthey.
  • وهي تغدو مسألة وجود شامل، حين يتعلق الأمر بنظرة فلسفية ذات بعد أنطولوجي أو فينومينولوجي تجعل من التأويل مسألة علاقة الكائن بكينونته لا بالنصوص فقط. وهذا المنظور يجد موقعه في الاتجاه الأنطولوجي الذي يبدأ بنيتشه ونجد امتداداته لدى هايدغر وجاك دريدا.

التأويل ضرورة شاملة

لن نغوص بعيدًا في تاريخ الفكر، وبالأخص في الهرمينوسيا الكلاسيكية، وفي التصوُّرات الهرمسية والباطنية للبحث في جذور التصور القائل بعمومية المسألة التأويلية؛ لذا سنكتفي بمقاربة هذا التوجه في تجلياته الحديثة والمعاصرة، بدءًا من نيتشه، مرورًا بهايدغر ووصولًا إلى غادامير، باعتبار كتابتهم لا تزال فاعلة في خلفية الكثير من التصورات والممارسات النقدية والتأويلية المعاصرة.

إن المنحى الذي يأخذه التأويل لدى منظِّري التأويل اللامحدود (كجاك دريدا مثلًا) يمكن أن يفهم كاستجابة كلية أو جزئية لهذه التصورات التي تعتبر الوجود تأويلًا، وبالأخص لأكثرها جذرية لدى نيتشه؛ فالوجود لدى هذا الأخير مسألة قابلة للتأويل. إنه تخييل يأخذ أهميته الجوهرية من غموض مكوناته والتباسها. يقول نيتشه بهذا الصدد: «فالعالم قد غدا بالنسبة لنا لا نهائيًّا، بمعنى أننا لا نستطيع أن نرفض له إمكان انفتاحه على لا نهاية من التأويلات.»١

يأخذ العالم شكله ليس فقط من تعدُّد معانيه، وإنما أساسًا من إمكانية تأويله بشكلٍ متعدد؛ من ثمَّ فإن مهمة الكائن تكمن في رؤية الأشياء كما هي، يتأمَّلها بمئات الأعين ومن خلال نظرات أناس عديدين. إن هذه المنظورية perspectivisme ليست سوى تأكيد لمحدودية المعنى الوحيد واستحالته فضاءً ونظرًا؛ لذا يرتبط العمل التأويلي لدى نيتشه بالتحقيق والإنجاز الفني الإبداعي، أي بعملية تحويل تشبه التحويل الإنجازي الذي يقوم به الممثل والموسيقي interprète.

لقد استبدل نيتشه مفهوم الوجود بالحياة أساسًا ليعين أن الوجود ليس سوى تأويل.٢ يقودنا هذا الاعتبار إلى النظر إلى الكائن المؤول من حيث انتماؤه للحياة باعتباره معنًى ممكنًا لها، بل هو معناها المتعدد والقابل دومًا للتأويل. فهذا الأخير يشكل مهمة الوجود الكلية، وليس يعتبر فقط إحدى مهامه، إذ الوجود هو التأويل، ولا مسافة، بل لا تراتبية أو أسبقية علِّية بينهما. وبما أن طبيعة الوجود طبيعة اختلافية وتناحرية (لا على الطريقة الجدلية الهيجيلية ذات الطابع التركيبي) فإن عملية التأويل تغدو مخاطرة في عالم المعنى. يوضح جان غرانييه J. Granier هذا الأمر، لدى نيتشه، بقوله: «إن التأويل يعني المخاطرة بالنفس والمراهنة، ذلك أن الكائن لا يشبه فيلسوفًا متيقظ الضمير، منهمكًا في فك رموز مخطوطة ما، إنه يرمي بنفسه في التأويل عبر الحركة نفسها التي يبلور بها شهيته في الحياة؛ فانبثاق الحياة هو بالضبط فعل تأويل (…)؛ من ثمَّ فعلاقة التأويل بالنص ليسَت من قبيل التأمل، وإنما من قبيل الصراع والغزو.»٣

تستدعي فكرة التأويل هذه ما يسميه نيتشه المنزع الظاهري، باعتباره الشكل الذي تبدو به الظواهر والوقائع كما تم تنظيمها من منظور معين. هذه الفكرة تقودنا إلى اعتبار التأويل مسئولًا عن «عقلنة» واقع سديمي، لا يمنح معناه ولا يكتسب قيمته إلا عبر منظور المؤول وذاتيته. بل إن هذا هو ما يجعل هذا الفيلسوف يؤكد على التأويل الفيلولوجي، بوصفه عودة إلى الطبيعة الأولى للنص بعد تحريره من كل المعتقدات التي علقت به، ومنحه من جديد لتعدد تأويلاته. ولا شك أن هذه العودة تماثل بشكل غريب المعنى الأصل الذي يجعل، في اللغة العربية، كل تأويل إوالة، أي عودة للأول أو المعنى الأصل.

وإذا كنا نجد صدًى لهذا التوجُّه لدى هايدغر، ثم فيما بعد لدى بول ريكور، فإن هذا الأخير، بالرغم من اعتباره أن التأويل الرمزي لا يستحق أن يسمى هرمينوسيا إلا بمقدار ما يكون جزءًا من فهم الذات وفهم الوجود،٤ إلا أن التأويل لا يقوم، لديه، إلا إذا وضع المؤول نفسه في الإطار الدلالي نفسه الذي يوجد فيه موضوع فهمه وتأويله. بل إن هذا ما يدفعه إلى طرح حدود التأويل بتساوق مع جهويته: إن الوعي بصلاحية validité منهج ما لا يمكن فصله عن الوعي بحدوده.٥

مع أن نيتشه، في تصوُّره المنظوري، يعتبر أن فهم موضوع التأويل عملية لا يمكن أن تنفصل عن الإحاطة به من جميع جوانبه بعد تجريدها مما علق به من تأويلات سابقة، فإنه لا يدعو إلى إطلاقية التأويل بقدر ما يدعو إلى نسبيته،٦ منتحيًا بذلك إمكانًا لا نهائيًّا من التأويلات تستهدف الإمساك بالموضوع من جميع مظاهره. بَيْد أن هذا المنحى لا يتحقق إلا بوضع المؤول في موقع رئيس يجعل منه مصدرًا لوجود النص و«حقيقته». ذلك ما تبرره النظرة التي ميزت إعادة كتابة نيتشه لتاريخ الفكر الغربي بشكل جذري وساخر، لكن إذا كان القول بعمومية التأويل قابلًا لأن يمتلك مشروعيته النظرية، فهل يعني هذا أن التأويلات كلها ممكنة الصحة؟ هذا السؤال يطرحه تودوروف ليعتبر أن القول بأن كل شيء تأويل لا يعني بأن التأويلات كلها صالحة.٧ ومعنى هذا أن مركزية المؤول هذه، التي تبدو قريبة مما يسمى في النقد الأمريكي والأنجلوساكسوني نقد القارئ الموجِّه Reader Oriented Criticism،٨ تتطلَّب إعادة النظر. هذا ما يقوم به إيكو في نقاشه لأطروحات ج. دريدا حول شروط التفاعل بيننا وبين الأشياء المعطاة، خاصة وأنها تخضع في بنائها لبعض الإكراهات.

وبما أن إيكو ينطلق من ضرورة التواؤم بين مبادرة المؤول وما يمكن اعتباره أمانة للنص، ومن ضرورة المزاوجة بين القطبَين وإعادة الاعتبار للنص وللتحديات التي يفرضها، فإنه يطرح مسألة الحدود التأويلية بهذا الشكل: «إن الأسباب التي تدفعنا إلى الاهتمام بشروط حدود التأويل أصبحت (…) بديهية، فإن كانت مبادرة القراءة، في إطار الهرمينوسيا أو نظرية الأدب، تقع كلية جهة الذات المؤولة، وتبدو لذلك مثيرة للقلق ومع ذلك قابلة للدفاع عنها، فإنه يبدو أكثر خطورة إثبات ذلك بصدد العملية التي تقودنا إلى التعرف على شخص أو ذات معينة في الزمن، وفي وضعيات مختلفة، وإلى التمييز بين كلب أو حصان، أو التعرف يوميًّا على طريق العودة إلى البيت. ففي حالات مثل هذه يكون التوكيد على أن القرار الأساس يعود إلى المدلول، قابلًا لأن يحمل اسمًا معروفًا في تاريخ الفكر هو المثالية السحرية.»٩ بهذا التدليل السيميائي، يفصل إيكو — عبر أطروحة شروط التأويل وحدوده — بين التأويل الثقافي والتأويل العلمي من جهة، وبين التأويل اللانهائي المرتكز على المبادرة المطلقة للمؤول، والتأويل الذي يأخذ بعين الاعتبار الاستراتيجيات النصية، ويكون معتمدًا على تعاون القارئ الأنموذج ومشاركته.١٠

يحق لنا القول إذن بأن عمومية التأويل النيتشية ترتكز على منظور أنطولوجي واضح. فهل ثمة فرق بين «نص الحياة» في ظواهره المرئية والمدركة والمفكرة وبين النص، في معناه الضيق وفي طابعه اللغوي؟ إن المنظورية النيتشية لا تعفينا مع ذلك من التعامل الحذر مع النصوص، كما من القول بأن عمومية التأويل لا تعني أبدًا أن كل التأويلات صالحة. بيد أن المنظورية من ناحية ثانية تجعلنا نتفادى أحادية القراءة التي تحجب عن المؤول المناطق النصية التي لا يصل إليها نظره ووعيه وإدراكه.

وإذا كان نيتشه في نظر هايدغر آخر عمالقة الفلسفة الميتافيزيقية الغربية، فإن تصوُّر هذا الأخير يجد في عمومية التأويل النيتشية أصلًا ومنطلقًا؛ ذلك أن هايدغر سوف يعود إلى طرح العلاقة بين المظهر والظاهرة والتأويل ولو بشكل مغاير؛ فالمشروع الفكري الهايدغري يقوم على مسألة الفهم وتحليل إمكانه؛ ومن ثم دعوته المؤقتة١١ إلى فينومينولوجيا هرمينوسية.

اعتمادًا على تحليل إيتيمولوجي لكلمة هرمينوسيا يعتبر هايدغر أن «ما هو هرمينوسي» لا يعني أولًا التأويل وإنما التبشير والبشارة والإعلام والإخبار donner annonce et porter connaissance،١٢ أي إعلان المدلولات والرسالة التي يحملها النص، وتعريف الآخرين بها. وهي الوظائف التي كان يقوم بها هرمس (علمًا أن هايدغر يربط الهرمينوسيا اشتقاقًا بهرمس).١٣

لماذا هذا التركيز من جانب هايدغر على الأصل الاشتقاقي لكلمة هرمينوسيا؟ يجيبنا الفيلسوف قائلًا: «لأن المعنى الأصل هو الذي دفعني، وبمساعدته، إلى تشخيص الفينومينولوجيا التي فتحت لي الطريق إلى الوجود والزمن.»١٤

إن العملية التي يقوم بها هرمس، تغدو الوظيفة الهرمينوسية لكل ظاهرة تعلن عن نفسها، وتربط مع الآخر علاقة وجود ومعنًى. وفي المنظومة الهايدغرية، لا يمكن لتلك الوظيفة أن تتم إلا عبر العبارة parole التي يمنح العلاقة الهرمينوسية صوتها الخاص وتجعل منها مسكنًا للكائن. وهنا يكمن الطابع العام للهرمينوسيا؛ إذ هي ليست منهجية للتأويل بل هي التأويل ذاته. إن هذا الاعتبار يشكل قطعًا ضروريًّا، من الناحية الفلسفية، مع التقليد الهرمينوسي الذي ساد القرون الوسطى، بل مع ذلك الذي تبلور مع الرومانسيين الألمان وشليرماخر بالأساس. هذا التصور الأخير جعل من الهرمينوسيا منهجًا ذا وجهَين: قاعدي وتقني، وميز بين تأويل النصوص بشكل تراتبي. لقد حافظت الهرمينوسيا الرومانسية على ذلك الطابع المنهجي الإجرائي للتأويل، بالرغم من البعد الحياتي والفكري الذي تم منحه له باعتباره فعلًا نقديًّا.١٥

إن الضرورة الكامنة في التخلِّي عن كون الهرمينوسيا منهجًا يعني تجاوز الإرث الرومانسي في هذا المضمار؛ ومن ثمَّ محاولة الخروج من إشكالية الذات والموضوع كما نظرت لها الفلسفة الكانطية؛ وبالتالي التساؤل عن الوجود في صورته كدازاين أي كوجود هنا. هكذا يمكن القول بأن الطرح الهايدغري للفهم والتأويل سوف يسعى إلى الانفصال عن مشكلة المعرفة، وخلفياتها الإبستيمولوجية والفلسفية التي قعدها الإرث الرومانسي سابقًا؛ فالفهم، ومعه التأويل، لم يعودا نمطًا للمعرفة وإنما نمطًا للوجود، أي نمطًا للوجود وهو يمارس الفهم بعيدًا عن كل انفصام عن الذات. على هذا النحو تكون أنطولوجيا الفهم سابقة على التأويل المعرفي؛ وتكون لحظة تفسير الأشياء والعالم سابقةً على الثالوث المتمثل في المقام والفهم والتأويل، أي على تفسير النصوص.

انطلاقًا من الإشكالية الهايدغرية للفهم والتأويل يمكننا أن نعتبر أن الأمر يتعلق بتأسيس للهرمينوسيا في الفينومنولوجيا. بيد أن بول ريكور، في نقده لهايدغر، يعتبر هذا الطريق قصيرًا ومباشرًا؛ لأنه يشك في إمكانية أنطولوجيا مباشرة للفهم والتأويل تكون فقط جزءًا من تحليلية الوجود-الدازاين الذي يمارس وجوده بالفهم، وتكون متنصلة تنصُّلًا كاملًا من أي ضرورة منهاجية؛ فأنطولوجيا الفهم تظلُّ متورطةً في ميتودولوجيا التأويل وذلك تبعًا لمعطيات الحلقة الهرمينوسية التي لا يمكن تلافيها.١٦ فحسب مقتضيات تلك الحلقة، يغدو التأويل وسيلة إبصار لوجود المؤول وإدراكًا له، أي انعكاسًا للموضوع في الذات وتواشجًا بينهما، فيما وراء أي قسمة صارمة لهما.

إن ذاك الفصل بين المنهجي والمعرفي، الذي ينتقده بول ريكور لدى هايدغر، من غير أن ينفي مشروعيته، هو الذي يمثل الأساس الحاسم الذي بنى عليه المفكر الألماني هانز جورج غادامير (بوصفه تلميذًا لهايدغر) تصوره الفكري العام للفهم والتأويل، وغدا، من ثمَّ، المبرر الفكري الذي بنى عليه عمومية المسألة التأويلية. فليس الفهم والتأويل مسألة تخص العلم فقط، إنها تعود بداهة إلى التجربة الكلية التي يعيشها كل إنسان في العالم. إن الظاهرة الهرمينوسية ليست أصلًا مشكلًا ميتودولوجيًّا.١٧

ينطلق هذا المنظور التأويلي بدءًا من تصور أنطولوجي خاص للعمل الفني ولوظيفته التأويلية؛ فالممارسة الفنية لدى غادمير لعبة جديدة مفتوحة على الواقع عبر عملية محاكاة أولى، وعلى المنجز-القارئ عبر عملية محاكاة ثانية. هذه المحاكاة المضاعفة هي ما يجعل من عملية التأويل (في مفهومه الموسيقي والمسرحي كأداء)١٨ فعل خلق. ففعل التأويل هو بمعنًى من المعاني فعل إعادة الخلق. وليس من الغريب في شيء أن يركز غادامير كما نيتشه قبله، على الإنجاز performance (في صورته كتأويل موسيقي ومسرحي)؛ وذلك لأن إنجاز العمل الفني يغدو المصير والتأويل النهائي لكل عمل. إنه يمتح وجوده الفعلي من ذاك الإنجاز.

بموازاة مع ذلك، تكون قراءة العمل الفني، سواء كانت صامتة أو بصوت مرتفع، إعادة إنتاج. وبما أن كل إعادة «إنتاج خلق يمارس فيها القارئ فعله في النص المتلقي، فإن فعل القراءة يغدو، في معناه الضيق، فعل تأويل».١٩ بيد أن غادامير يظل وفيًّا لمنحاه الهايدغري عبر إعادة توظيف مصطلح الفهم المسبق précompréhension كما صاغه أستاذه. فإذا كان هايدغر يعتبر أن المشكل الهرمينوسي يقود إلى مشكلة الفهم، فإن غادامير سوف يعتبر المسألة مرتبطة بالمقابل بالتحرير من العوائق الأنطولوجية لمفهوم الموضوعية، ذلك أن هذا الأمر هو وحده القابل لتأكيد مصداقية تاريخ الفهم.

إن عملية الفهم الحق صراع مستمر ضد كل أنواع التصورات المسبقة الخاطئة التي لم تختبر نفسها في العالم؛ ومن ثمَّ فهي امتلاك فعلي للنص ودعوة له كي يمنح معناه للمؤول، بوصفه ذاتًا ساهرة على وجود النص. هكذا يغدو الفهم المسبق بنية أحكام مسبقة préjugés تكون شرطًا أساسًا للفهم لدى غادامير الذي يعتبر أن الحكم المسبق لا يعني مطلقًا الحكم الخاطئ، وإنما هو مفهوم قابل لتلقي تقويم سلبي أو إيجابي. إن هذا المفهوم هو المقابل المجالي لكلمة «الحرية». وحين يتم إرساء هذا التصور القبلي، فإن ذلك لا يكون إلا انطلاقًا من قراءة أولية للنص تتحكم بشكل أو بآخر في عملية التأويل. فإحياء مفهوم «الحكم المسبق» يأتي تأكيدًا لحاجة التجربة التأويلية إلى أحكام مسبقة صائبة ومشروعة، تسهم بشكل مباشر في بلورة حركة الفهم والتأويل: «الفهم — كما يقول غادامير — هو أولًا التفاهم حول الشيء، ثم ثانيًا استخراج رأي الآخر بما هو كذلك وفهمه. وهكذا، فإن أول شرط من بين الشروط الهرمينوسية يظلُّ هو الفهم المسبق، الذي يتولَّد من التعامل مع الشيء نفسه.»٢٠

إذا كان الفهم يفترض عملًا سابقًا عليه يشكل توافقًا أنطولوجيًّا وتاريخيًّا مع النص-الآخر، فإن كل علاقة بالنص (خاصة إذا كان نصًّا تراثيًّا) تفترض خلق وضعية هرمينوسية ينصهر فيها أفقان:

  • أفق المؤول المرتبط بحاضره التاريخي والمتحرك فيه، وهو أفق تلعب فيه الآراء المسبقة دورًا مركزيًّا؛ ومن ثمَّ طابعه الإشكالي باعتباره بؤرة توتر وصراع.
  • أفق الماضي الذي يمنح للأفق السابق وجوده، وهو يتشكل من مجموع الأسئلة التي يطرحها التراث عبر النص.

يؤسس الانصهار الضروري بين الأفقَين الفهمَ،٢١ الذي يستدعي بدوره انصهارًا آخر ووحدة داخلية أخرى بين الفهم والتأويل تمكِّن من تجاوز تراتبيتها أو علِّية أحدهما، أو انفصالهما الممكن؛ فالتأويل ليس فعلًا ينضاف مؤقتًا إلى الفهم. إن الفهم هو دومًا تأويل. من هنا فالتأويل هو الشكل المعلن للفهم.٢٢

لقد نظرت الهرمينوسيا الكلاسيكية لثلاث عمليات منفصلة ومتتابعة هي الفهم والتأويل والتطبيق؛ لذا فإن وحدة هذه الخطوات أساس وجودها الفعلي كممارسة هيرمينوسية متناسقة؛ بحيث إن تراتبية زمنية أو عملية غائية تتحكم فيها يمكن أن تحول التأويل إلى عملية تعليمية مدرسية؛ فالفهم والفهم المسبق إمساك ضروري بموضوع التأويل. إنهما يشكلان العملية الإدراكية المباشرة للموضوع. أما التأويل فهو العملية التي تجسد هذه السيرورة وتمنحها شكلها وصيغتها. بيد أن هذه العلاقة لا تفترض أي طغيان مطلق لذاتية المؤول، ذلك أن هذا الأخير ينتمي إلى النص، أي إن معنى هذا الأخير هو الذي يستعيده المؤول باعتباره ذاتًا رهينة بتحققها كمؤول بممارسة علاقة هرمينوسية مع النص ذات أفق مزدوج. هكذا يظل فعل التأويل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالنص. ولأن النص لا يمكنه أن يمنح معناه مباشرة عبر عملية الفهم وحدها، فإنه يستدعي بالضرورة عمل التأويل؛ لهذا يعتبر غادامير أن التأويل متضمَّن في الفهم بحيث لا ينفصل الأول عن الثاني بتاتًا، ذلك أن الفهم يمثل الأفق الذي يمنح لمقصدية نص ما قيمتها.٢٣ ففهم نص ما يعني أولًا وقبل كل شيء تطبيقه على أنفسنا وإدراك طابعه الأحادي، بالرغم من كونه يمنح نفسه كل مرة بصورة مختلفة، ويُفهم بطرق مغايرة.٢٤

يرتبط الفهم والتأويل بالنص، لأن المكتوب، خلافًا للشفهي هو الشكل الذي يمكن أن يكون معاصرًا للمؤول. فبالكتابة يكتسب النص إمكان الانفصال عن أصله وفعل خلقه وتشكله. إنه استمرار الذاكرة التي يغدو بها التراث جزءًا من عالمنا الخاص؛ من ثمَّ يغدو المكتوب طريق نقل الهرمينوسيا إلى عموميتها الكونية. فمهمة التأويل تكمن إذن في وجوب حمل النص إلى اللغة. انطلاقًا من ذلك، فالارتباط الجوهري بين الجانب اللغوي والتأويلي يوضح بجلاء أن طموح كل تأويل إلى الحقيقة لا يخضع أبدًا للنسبية. بيد أن هذا الطموح لا يعني أبدًا أن ثمة تأويلًا صائبًا في ذاته؛ لأن ذلك سيكون مثالًا فارغًا من أي فكر ويتجاهل حقيقة التراث. فكل تأويل مطالب بالتلاؤم مع الوضعية الهرمينوسية التي ينتمي إليها. وهذا ما يفسر كون المفاهيم التأويلية التي تبلور الفهم منذورة أساسًا إلى الانمحاء أمام ما تحمله إلى اللغة بفعل التأويل. وهنا بالضبط تكمن المفارقة، ذلك أن تأويلًا ما لا يكون صائبًا إلا باستعداده للانمحاء والغياب التام.٢٥ وهذا لا يتم إلا في التأويل ذي الطابع اللغوي لكونه أرقى أشكال التأويل وشكله الخاص بامتياز.

هذا التوكيد الأخير يجعل فكر غادامير وتصوره للتأويل والفهم يفلت من النقد السجالي الذي مورس عليه، وبالأخص من قبل هيرش الذي اعتبر تعامل هذا المفكر مع الماضي، عبر التمازج والانصهار بين أفقي الذات والموضوع، وهمًا وخطأً تاريخيًّا historicist fallacy.٢٦ فبما أن هيرش يتصور أن تأويل النص لا يخضع لتغير موقع المؤول، وإنما لأحادية التماثل مع مقصد المؤلف، فإن موقف غادامير، ومن قبله «أستاذه هايدغر» (كما يحلو لهيرش القول)، هو ضرب من النزعة النسبية التي تحول دون تحديد وثبات أحادية التأويل.

من موقع لآخر يعلق سونغ T. K. Seung على هذا التصور بقوله: «إن الادعاء بأن كل تأويل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمؤول يمكن تسميته نسبية سياقية.»٢٧ وذلك في إطار إشارته إلى تلاقح الأفق التاريخي للنص التراثي مع الأفق الراهن للذات المؤولة؛ لذلك يلجأ سونغ، بنوع من المكر النقدي، إلى تطبيق المقولة نفسها على فكر غادامير ليخلص إلى أن نظرية غادمير إذا كانت حقيقية، فإن حقيقتها الخاصة هي فقط حقيقة تاريخية مرحلية.٢٨ وكأن الحقيقة التي ينادي بها هذا الأخير ليست سوى بعث للمطلق الهيجيلي المثالي. إن الطابع السجالي لكتابات سونغ، ومن قبله هيرش، يدفع بهما إلى محاربة التأويل الفينومينولوجي بأدواته نفسها، وعبر فهم خاطئ لما يطرحه هذا المنظور. أليس الانصهار الذي يتحدث عنه غادامير ربطًا لحقيقة النص باللقاء بين النص والمؤول؟ وبالرغم من أن مفهوم الحقيقة ظل دائمًا مفهومًا قيميًّا يتعرض للنقد في الفكر الغربي المعاصر، فإن الموقع الذي يحتله المؤول من العملية التأويلية برمتها يجعل الحقيقة (حقيقة التأويل) تاريخية؛ إذ هي ترتبط بالحاضر بوصفه مفهومًا مركزيًّا في الخلفية الفلسفية الهايدغرية لغادامير.

إن الدرس الذي تركه لنا غادامير في هذا المجال هو أن عمومية المسألة التأويلية وكونيتها لا تلغي مع ذلك تميز التأويل النصي الذي يفترض تواصلًا معينًا بين الذات النصية والذات المؤولة، ويفترض من ثمَّ وحدة صميمة بين الفهم والتأويل.

المعنى الأصل ومرجعية المؤلف

بالمقابل، كيف يمكن الحدُّ من عمومية وكونية التأويل مع الحفاظ على ضرورته؟ وكيف يتمُّ بناء هذه الضرورة نظريًّا ومعرفيًّا عبر الانتقال من مقدرة المؤول على إنتاج معنى النص إلى البحث عن المعنى الأصل، معنى المؤلف ومقاصده؟

لن نتطرق هنا لموقع المؤلف في النظريات النقدية السوسيولوجية والسيكولوجية والبيوغرافية، ولمركزيته في التناول النقدي في هذه التوجهات، بحيث يخضع فيها النص لمحددات خارجية، تنبني على مبدأ الواقع الموضوعي أو مبدأ اللاوعي أو جوهرية الذات المؤلفة. بل سنعمد إلى إثارة هذه القضية من خلال تصور معاصر غير معروف لدى القارئ العربي هو تصور دافيد هيرش D. E. Hirsch نظرًا لخاصيته النقدية والمعرفية، من جهة، ولطابعها السجالي الحجاجي من جهة ثانية؛ فكتابات هيرش، التي ظلَّت مجهولة في النقد الأدبي الفرنسي والعربي معًا.٢٩ تكتسب أصالتها من كونها تحاول التنظير لمفهوم لمؤلف من موقع معرفي معاصر، وبأدوات راهنة ووفق موقف عقلاني منطقي، وهو موقف يتجاوز بكثير موقف اللانسونية واللانسونية الجديدة في فرنسا، والتي حظيت من قبل رولان بارث في الستينيات بإفحام نقدي موفق. ومع أن موقف هيرش من النقد الجديد في أمريكا يذكرنا بموقف بيكار في فرنسا من النقد البنيوي (الذي كان آنذاك يسمى النقد الجديد في فرنسا)، فإن التصور النظري الذي يبلوره هيرش أبعد من أن يقارن بالنقد البيوغرافي (أو تاريخ الأدب) الذي كان يمارسه النقد الجامعي في فرنسا. إن أصول هذا التصور توجد — بالرغم من أن المؤلف لا يصرح بذلك البتة — في الهرمينوسيا الألمانية، وبالأخص في منظورها للمعنى الأصل ومعنى المؤلف. أما الخصم اللدود لهيرش، كما ألمحنا لذلك سابقًا، فليس غير هايدغر ومن حذا حذوه، وبشكل سجالي مبالغ فيه يجعل منه أصل الأزمة النقدية وإقصاء المؤلف من حقل الدراسة الأدبية.٣٠

إن النقطة المركزية التي يختار هيرش الانطلاق منها هي «الدفاع عن المؤلف»، وذلك عبر تحليل وتفنيد مجموع القواعد التي ينطلق منها النقاد والبنيويون، ومعهم كل التصورات النقدية المرتكزة على ما يسميه هذا الناقد ﺑ «نظرية الاستقلال الدلالي» للنص، والتي تقود في نظره إلى نوع من الشكلية الأكاديمية، تنادي بعدم وجاهة المؤلف authorial irrelevance، وترمي به خارج العملية النقدية برمتها. يرتبط الطابع الشكلي لهذه التصورات في نظر هيرش باعتبار النص كيانًا ملتبس المعنى والدلالة، ويفترض من ثمَّ قراءات وتأويلات متعددة. فمن خصائص هذا المنزع دراسة النص العجائبي بطريقة عجائبية، والنص الأسطوري بطريقة أسطورية. وهو ما يعني نفي إمكان وجود تأويل وحيد لكل النصوص، ويمتلك صلاحية موضوعية: لقد تم بالمرة طرد المؤلف ونفيه، باعتباره المحدد للمعنى النصي، لكن تبيَّن، شيئًا فشيئًا، أن ليس هناك من مبدأ قمين بتوجيه صلاحية تأويل ما. من هذا المنظور يعتبر هيرش المؤلف المحدد الأوحد للمعنى النصي ولصلاحية التأويل وصوابه؛ بذلك فمهمة الفعل التأويلي تكمن في إعادة بناء هذا المعنى الأصل الذي تقف وراءه ذات مبدعة مجردة وأولية، بحيث يكتسب النص مشروعية وجوده ومعناه من وجودها خلفه. إن هذا يعني أن «الديمقراطية السديمية للقراءات»٣١ لا تروم سوى اغتيال المؤلف واستيلاء القارئ على عدد وافر من المؤلفين يتوفر كل واحد منهم، حسب هيرش، على السلطة نفسها التي كانت للمؤلف.

ضدًّا على هذه التعددية التي تمنح للقارئ حق إبداع معنى النص، والتي سيسميها هيرش لاحقًا منظورية،٣٢ يعتبر أن معنى المؤلف ليس من إنتاج نشاط القارئ وأن النص في أحاديته لا يخضع لنزوات القارئ، وإنما يتطلب الاستجابة الفريدة والعامة نفسها من كل القراء. هذه الأحادية النصية المتناغمة والمتراصة تفترض بالضرورة سلطة معنوية كبرى وراءها نابعة من إرادة المؤلف ومقصده. وبما أن هيرش ينتمي إلى هيرمينوسيا عامة قابلة لتناول كل النصوص، من دون تمييز في الجنس أو السجل اللغوي، فإنه يبحث لذلك عن صياغة دقيقة لنظريته في معنى المؤلف والمقصدية النصية، سيرًا على خطى شليرماخر وديلثي في هذا المجال، وبانتقائية واضحة في التعامل مع تعاليمها؛ ذلك أن ما يهم هيرش منهما هو المستوى المنهجي والإبستمولوجي وأطروحة المعنى الأصل للمؤلف؛ فمنطلق هيرش هنا، يحيل بصورة مباشرة على الهرمينوسيا الرومانسية في صورتها الخاصة لدى شليرماخلر. ومع أنه لا يأخذ بها حرفيًّا فإنه يعتقد بتاريخية الفعل التأويلي، أي بانطلاق المؤول من المجال اللغوي المشترك للمؤلف وجمهوره الأصل، كما دعا لذلك شليرماخر. فلا يمكن لنص ما حسب هذا التصور، أن يقول راهنًا ما لم يقُله أصلًا في صورته التاريخية الأولى.٣٣ وهنا يكمن الاختبار الأخلاقي القيمي الذي يتمثله هيرش تمثُّلًا واضحًا في منظوره للتأويل، والذي تُمنح بمقتضاه الأولوية للمعنى «الأفضل» باعتباره المعنى الأكثر شرعية وصلاحية من الناحية التأويلية، بالرغم من النقاش الذي قد تثيره مسألة الأفضلية هذه.

إن مهمة التأويل تغدو، وفقًا لذلك، إعادة تجريب وعيش للمعنى الأصل للنص؛ بحيث يبني المؤول الشروط الأولى للتواصل النصي ليقترب من التأويل الصائب المتماشي مع مقاصد المؤلف ومبتغياته الدلالية.٣٤ من ثمَّ، يمكن القول بأن أفق القراءة هو المعنى الأصل. أما النص فلا أفق له. بل إن أفق القراءة يغدو هنا — مقارنة مع أطروحة غادامير — أفقًا ارتداديًّا يسعى إلى التماهي مع صورة المؤلف الضائعة في ثنايا نصه، والتي تبتغي سنَّ مَعين وحيد للنص قابل لأن يظل محافظًا على هُويته ووجوده بشكل لا تاريخي. وقد أحس هيرش بهذا المشكل فحاول حلَّه بالتمييز بين المؤلف الواقعي باعتباره ذاتًا تاريخية، والمتكلم في النص بوصفه محددًا للمعنى النصي (اللغوي): «ليست الذات المتكلمة، مع ذلك، مطابقة لذاتية المؤلف بوصفه شخصًا متحددًا تاريخيًّا، بل إنها تقابل مظهرًا محددًا وخاصًّا من الذاتية الكلية للمؤلف: إنها، إن شئنا القول، تلك الحصة من المؤلف التي تخصص المعنى اللغوي في النص وتحدده.»٣٥ هذه الازدواجية في ذات المؤلف ليست سوى تعبيرٍ عن ثنائيات أخرى سوف نتطرَّق لها في حينها، يلجأ إليها هذا الناقد لإضفاء طابع منطقي عقلاني على حجاجه وتحليله؛ ومن ثمَّ على صلاحية التأويل الذي يكشف عن معنى المؤلف وأحادية النص والقراءة. من هذه الثنائيات ما يتعلق بالفهم والتقويم والتأويل والنقد، وما يتعلق بالدور المركزي للمعنى والدلالة في هذا التحليل في بناء صلاحية التأويل وجوهرية معنى المؤلف. إن المعنى تبعًا لذلك مسألة وعي وليس قضية تركيبات لغوية، وكل وعي يحيل بالضرورة إلى الشخص، والأشخاص الذين يتضمنهم هما المؤلف والقارئ. وتستهدف هذه العملية الاستدلالية المبنية على أولوية الوعي على الوجود، التأكيد على العلاقة الجوهرية التي تربط بين الوعي وقصدية المعنى والتي يرتكز فيها هيرش، بشكل اختزالي، على المقولة الفينومينولوجية للوعي والمقصدية، بيد أنه لا يتحمل ما يقتضيه ذلك من كون كل وعي هو وعي بشيء ما، وأن المقصدية هي تحويل ومنح الظواهر المعنى الذي كانت تفتقد إليه فيما قبل.

ليس ثمَّة من شك في أن الحديث عن المعنى لا يمكن إلا أن يثير، بشكل أو بآخر، إحدى القضايا الفينومينولوجية الأساسية. وحين يتم البحث في المعنى تغدو غائية اللغة (والنص الأدبي) تعبيرًا.٣٦ إن هذا يعني أن أولوية المعنى التي يتحدث عنها هيرش تجد أصلها في مفهوم المقصدية لدى هوسرل؛ لذا فمهمة الخطاب، أي خطاب، تكمن في تحقيق فعل التعبير من حيث هو إرادة قول أو مقصدية: «… إننا نعني بالمقصدية، كما يقول هوسرل، تلك الخاصية التي تجعل من المعيشات «وعيًا بشيء ما»؛ فالمقصدية هي التي تطبع الوعي، في معناه القوي، وتسمح له في الوقت نفسه بالتعامل مع حركة المعيش باعتباره حركة للوعي، وباعتبار هذا الأخير وحدة لوعي محدد.»٣٧ يتبدَّى إذن أن المقصدية هي أولًا فعل وعلاقة ذاتية توجه نظرها نحو «موضوع» ما، سواء كان حاضرًا أو غائبًا أو ماضيًا أو واقعيًّا أو متخيلًا: فالوعي بالأشياء لا يتم فقط عبر الإدراك، وإنما أيضًا في الذكريات والاستحضارات الشبيهة بالتذكر، وأيضًا في تداعي الصور.٣٨

يمكن القول بأن المتخيل الأدبي يخضع بدوره لتشكيل، يكون معناه القصدي النابع من «أنا متعالية» أساس تشكله ذاك؛ فالانتقال من مجال الوعي، واللغة عمومًا، إلى مجال العمل الأدبي انتقال يبرر لدى هيرش بحرصه الكبير على العمومية النظرية لتصوره من ناحية، ومن بنائه لذاك التصور العام على مقدمات مستقاة من المجال المنطقي واللغوي، من ناحية ثانية. يتبدَّى الأساس اللغوي ذو الأصل الهوسرلي في ثنائية المعنى والدلالة، والتي سوف تبلورها بشكل مغاير الوضعية المنطقية، خاصة مع الفيلسوف الألماني فريج.

فبعد أن طابق هيرش في كتابه الأول بين المعنى (عمومًا) والمعنى النصي الأصل، عاد في كتابه الثاني «مرامي التأويل» إلى اعتبار المعنى بكل بساطة ما يكون على النص تمثيله؛ فالمعنى دائمًا معنًى لمؤول معين. وهكذا أصبح المعنى لا يرتبط زمنًا وتاريخًا وضرورة بالأصل (المؤلف). أما الدلالة فيحددها باعتبارها معنًى يحيل على شيء غيره (وهو ما يعرف في اللسانيات بالمرجع). هكذا يكون المعنى مبدأ ثبات في التأويل، فيما تعانق الدلالة مبدأ التغيير والتحويل. يقول هيرش موضحًا علاقة المؤول بهذه الثنائية: «في الحالة الأولى، يمكن للعمل النقدي أن يتوجه أولًا نحو معنى العمل، وفي الحالة الثانية يتجه نحو إدراك دلالته أخذًا بعين الاعتبار هذا السياق أو ذاك، لكن مَعين الدلالة يؤكد أن بناءً أوليًّا للمعنى قد تم القيام به، ثم يقوم معين المعنى باكتشاف علاقة يمكن القول بأنها علاقة دلالة. هاتان الوظيفتان أو هذان الهدفان متمايزان، بيد أنهما لا يخضعان أبدًا للانفصال في التحليل الأدبي.»٣٩ ينتمي المعنى إذن إلى مقصدية المؤلف، وهو يحيل إلى هذا الوجود الشخصي والعام للذات المتكلمة في تلافيف اللغة. إنه النص مجردًا من كل علاقة سياقية تاريخية، ومخصوصًا بانتمائه الخالص إلى مصدره، أي إلى الوعي الذي ينبع منه. وسواء تطابق المعنى مع مقصدية المؤلف أم لم يتطابق، فإن المعنى يكمن فيما يربط المؤلف بالنص، وهما معًا بالمؤول.

انطلاقًا من هذه الثنائية التي تقيم توازنًا بين المؤلف والمؤول، وتجعل هذا الأخير خاضعًا لسلطة المعنى حتى وهو يتشبث بالدلالة، تتأسس ثنائية الفهم / التقويم. يتعارض الفهم باعتباره إدراكًا وبناءً للمعنى اللفظي للمؤلف مع التقويم الذي يشكل مجموعة الأحكام الوضعية المعيارية التي يعيِّن بها المؤول النص. وإذا كان اهتمام هيرش، في كتابه الأول قد انصب على العلاقة بين المعنى وصلاحية التأويل وصوابه، فإنه في كتابه الثاني، وبعد أن أضفى طابع النسبة على سلطة المؤلف على معنى النص، بدأ يهتم بعلاقة الدلالة بالتأويل والتقويم.٤٠ فإذا كان الفهم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنص، فإن التقويم يغدو مجمل الأحكام التي تجد مبررها في النص.

في المسير نفسه، يميز هيرش بين التأويل والنقد. فإذا كان الأول يتصل بالمعنى الأصل ويختص به خارج كل تقويم، فلأنه إعادة بناء للنمط الخصوصي أو النوع الداخلي الذي يشكل إرادة المؤلف في صياغة معناه النصي. أما النقد فهو الفعل الذي يمكننا من معرفة ما إذا كان النص قابلًا أو غير قابل للتقويم في حدود معينة؛ فالتأويل بهذا المعنى محايث أما النقد فبرانيته تكمن في خلق مسافة تقويمية مع الفكر المؤلف ومعناه النصي.٤١

يتبدَّى إذن ما يرتبط بالدلالة والنقد والتقويم يعيش نوعًا من الحرية إزاء معنى المؤلف ومقاصده. إن هذه الحرية ليست سوى المسافة الضرورية القابلة لإنتاج تقويم ونقد ملائمَين يحققان للنص وجوده الفعلي، الحقيقي والصائب. وتلك الملاءمة هي الصورة المطلوبة لتحقق صلاحية التأويل، باعتبارها نتيجة للتطابق المفترض بين القراءة والمعنى الأولي. ومع أن هيرش راجع الكثير من مواقفه في كتابه مرامي التأويل، غير أن الأساس المعياري والأخلاقي الذي انطلقت منه نظريته في التأويل لم يتغير جوهريًّا. لم يعُد مقصد المؤلف المعيار الوحيد الممكن للتأويل، لكنه ظل يلح على ضرورة احترام المعنى الأصل وأخذه بعين الاعتبار. وظل المؤلف يحظى بالقوة المحدِّدة للمعنى النصي نفسها. وإذا كان صواب التأويل لم يعُد لصيقًا لصوقًا ضروريًّا بمعنى المؤلف، فلأنه لم يعُد معيارًا خارجيًّا بل اندمج في عملية الفهم نظرًا وعملًا.

إن الإشكالات النظرية والمنهجية التي يطرحها هذا التصور، والتي ظل يطرحها البحث في موقع المؤلف من العمل الإبداعي الفني، هي التي دفعت بمنظرين كثيرين إلى البحث عن حل نظري ونصي للمسألة، حتى تنحل معها مشكلة المعنى النصي وشروط التأويل النصي وحدوده. فبما أن الذات المتكلمة تنفصل إجرائيًّا عن المؤلف بوصفه ذاتًا واقعية وتاريخية، اقترح الباحث الإنجليزي واين بوث — وفي مرحلة سابقة على كتابات هيرش — مفهوم المؤلف الضمني، باعتباره أنا ثانية للمؤلف. فحتى لو تعلق الأمر برواية لا يتم فيها تمثيل أي سارد، فهي تقترح صورة ضمنية لمؤلف مختفٍ في الكواليس، يأخذ صفة مخرج ومحرك للدمى، أو صفة إله غير مبالٍ بمصير مخلوقاته. هذا المؤلف الضمني يكون على الدوام مخالفًا للإنسان الواقعي، وهو، في الآن ذاته الذي يقوم فيه بخلق العمل الأدبي، ويقوم بخلق نسخة أو صورة أكبر عن نفسه.٤٢ هذا المقترح شبه السحري هو الذي حل إشكالات كثيرة كان قد انتبه إليها مفكرون آخرون من قبل، من غير أن يمنحوها صفة مفاهيمية وإجرائية محددة. وهو الذي سيكون في أصل صيغ أخرى في السيميائيات والسرديات، كمفهوم المؤلف المجرد الذي اقترحه جاب لينتفلت في مقابل المؤلف الواقعي.

يخصص جاب لينتفلت Jaap Lintvelt القول، معطِّلا إلى حد كبير مفهوم المؤلف؛ فالمؤلف الضمني لا يمكنه، في رأيه، أن يتدخل بصورة مباشرة في عمله الأدبي كذات متلفظة. إنه يستطيع فقط التخفِّي وراء الخطاب الأيديولوجي الخيالي، وفي هذه الحال يكون الراوي هو الذي يعلن عن نفسه تلفظيًّا، ويعين المؤلف الضمني.٤٣ وحين يثير هيرش الفرق بين الذات المتكلمة في النص والمؤلف المرجعي، فكأنه يحيل على ما يسمِّيه منظرو التلفظ أو تداولية الخطاب بذات التلفظ. بيد أن هؤلاء يبدون تحفظهم الشديد حين يتعلق الأمر بالنص الأدبي التخييلي الذي يتجاوز الجملة الملفوظة، في الحديث عن ذات الخطاب أو الكلام.٤٤ والحقيقة أن مقترح هيرش ذاك يؤدي إلى تطابق عسفي بين الشفهي والمكتوب، كان غادامير قد حذر منه، وإلى منح الحظوة للشفهي على طريقة شليرماخر. والحال أن هذه العلاقة المباشرة التي تربط بين الذات المتكلمة بكلامها الخاص تختفي حين يحل النص محل الكلام؛ ليتم تعويضه بعلاقة معقدة تجمع بين المؤلف وبين النص؛ وهي علاقة تسمح لنا بالقول بأن المؤلف يتم تأسيسه من قِبل النص، وأنه يسكن داخل الفضاء الدلالي الذي تخطُّه الكتابة وتنسجه؛ فالنص هو المكان الذي يحضر فيه المؤلف. إن التباعد الذي يخلقه النص نفسه مع مؤلفه ينبئ عن مجموع المشاكل التي نواجهها، والمتعلقة بالعلاقة بين التفسير والتأويل.

يبدو أن الاختلاف بين التصورات الفلسفية المحضة (كما لدى بول ريكو) والسيميائيات التأويلية (أمبرتو إيكو) قد تقلَّص بشكل كبير، خاصة في النظر إلى قضايا شائكة من قبيل المؤلف وموقعه من نصه التخييلي؛ فوجهة نظر إيكو تسير في الاتجاه نفسه الذي خطه لنفسه بول ريكور، مع خاصيات تحليلية بلورها انطلاقًا من مفهومه للتعاون النصي بين القارئ والمؤلف / النص. فإذا كان المؤلف يتبدى في الخطابات ذات الوظيفية المرجعية عبر آثاره النحوية التي تعينه كذات مرجعية، فإنه يحضر في النصوص التخييلية مثله في ذلك مثل المرسل إليه كدور عاملي للملفوظ: «ففي هذه الحالة يظهر المؤلف فقط: (١) كأسلوب قابل للتعرف عليه، قد يكون لغة خاصة به ذات طابع نصي لها علاقة بالمتن، أو بالحقبة التاريخية التي ينتمي إليها النص. (٢) باعتباره وضعية عاملية (أنا – ذات الملفوظ). (٣) أو بوصفه حالة تكلمية (أقسم – ثمة ذات تقوم بفعل القسم) وفاعل للقوة التكميلية، يدين محفل التلفظ، أو باعتباره تدخلًا لذات غريبة عن الملفوظ، لكنها حاضرة بشكل ما في النسيج الأوسع للنص …».٤٥

إن هذا التحديد لأنماط حضور المؤلف في النص هو ما يجعل منه، إلى جانب القارئ، استراتيجية نصية قابلة لإقامة ترابطات دلالية. ويقوم المؤلف الواقعي، باعتباره ذات التلفُّظ النصي، بصياغة افتراض قارئ أنموذج. وبما أنه يترجم هذه الفرضية إلى استراتيجية خاصة به، فإنه يقوم برسم ملامحه باعتباره ذات الملفوظ أي نمطًا للفعل النصي يشتغل بوصفه استراتيجية. وبين استراتيجية المؤلف واستراتيجية القارئ يتم تعاون نصي لا يستهدف تحيين مقاصد الذات الإمبيريقية للتلفظ، وإنما المقاصد الموجودة افتراضًا في النص (الملفوظ)؛ فالتعاون ظاهرة تتحقَّق بين استراتيجيتَين خطابيتَين لا بين ذاتيتَين فرديتَين. أو بعبارة أخرى، فإن العلاقة بين النص والقارئ لا تقبل المقارنة أبدًا بعلاقة الذات بالموضوع في عملية الإدراك مثلًا، ذلك أن موقع القارئ موقع نشيط ومتحرك ودينامي؛ لذا فإن النص التخييلي، بخلاف النص المرجعي، يتم إعادة خلقه كموضوع وتكوينه من حيث هو كذلك بعيدًا عن لحظة وشرط تكونه ومرجعيته.٤٦

إذا كان الأمر كذلك، فإن مشكلة النص، كما يتبدَّى ذلك واضحًا، لا ترتبط بالمؤلف الواقعي بقدر ما تتصل بصور لغوية وتنظيمية في النص؛ لأن المؤلف، تبعًا لذلك، يغدو حضورًا قصديًّا يعلن عنه النص ويكوِّن شكله الدلالي واللغوي لدى القارئ؛ وبذلك فهو يتحوَّل إلى مكون من ضمن مكونات عديدة ومعقدة تكون أبعد من أن تتحول إلى مرجعية في المعنى، أو أن تحدد مصير النص في القراءة والتلقي.

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة