مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

الجسد وقضايا الكتابة – فريد الزاهي

رسم تخطيطي لرجل بالغ يرتدي نظارات، مبتسم ويبدو في حالة جيدة.

مدخل: الجسد وأنطولوجيا النص

ليس مقصدنا هنا الاكتفاءَ بدراسة الجسد والمتخيل باعتبارهما موضوعة من الموضوعات الممكنة للنص الأدبي. إن مرمانا يتجاوز في مبتغاه هذا الاختزال للجسد، الذي يجعل منه موضوعًا سلبيًّا للنص الأدبي، يمسك به هذا الأخير كما يمسك بكل المعطيات الماثلة أمامه، ليصوغها في لعبته التخييلية اللامحدودة؛ لذلك نبادر إلى القول بأن الجسد يحيط بالنص من جميع الجهات، ويتخلَّل البناءات السردية والدلالية التي ينبني عليها صيغه الجمالية.١ النص أحد الفضاءات التوليدية والتحويلية للجسد، حتى حين لا يكون موضوعًا مباشرًا له، فالنص مسكن تخييلي للجسد، فيه يتجسَّد ويحقق وجوده المتخيل.

يتدخل الجسد بشكل مباشر في عملية إنتاج النص وكتابته، ويشكل المخزون الذاتي للذات المؤلفة التي تثوي، بشكل أو بآخر، وراء النص، وينقل اللغة من التواصل الشفوي إلى صورتها المكتوبة. فهو بمعنًى ما المنبثَق الضروري للنص، وهو من جانب آخر أحد المصادر الرئيسة لذات النص وهُويته، إن لم نقُل المجاز الضروري لتمثيله.٢ فإذا نحن لم نذهب بعيدًا في المماثلة بين النص والجسد، فإننا على الأقل نقبل بطابع المماثلة التي تجمع بينهما. بهذا المعنى يقبل جسدنا المقارنة بينه وبين العمل الفني. إنه مركب من الدلالات الحية وليس فقط نظامًا من الألفاظ المتغيرة. وتبعًا لهذه العلاقة الحيوية يستعير النص من الجسد حساسيته الدلالية والفنية.

في هذا الترابط المرآوي يشتغل النص كبنية خطابية، ويمرِّر أقوالًا وأحاسيس وعواطف يتمكَّن من خلالها من إنتاج أثره الجمالي.٣ هذا التصور للنص باعتباره فضاءً للجسد، يكون ذاته وموضوعه في الآن، يقودنا إلى وضع كل منزع وضعي عقلاني موضع تساؤل، نظرًا لتصوُّره للجسد كخطاطة يتم فيها الفصل بين الجسد بوصفه بنية عضوية بيولوجية، والجسد بوصفه بناءً ثقافيًّا واجتماعيًّا يتواصل فيه البدني بالتصوُّري٤ ويتعالق فيه بدن chair الجسد ببدن العالم.٥

إن مركزية الجسد هذه في التجربة الفنية والنصية هي التي تحثُّنا على المواجهة بين مجموعة من التصورات الفينومنيولوجية والفلسفية والسيميائية للجسد قصد موقعة المفهوم في صلب الدراسة الأدبية، والبحث عن سند نظري يمكِّن من بناء مفاهيمي ونظري قمين بإرساء القواعد الإجرائية العامة، للتناول النقدي والتحليلي للجسد في النص الأدبي.

فينومينولوجيا الجسد في النص

إذا كان الجسد قد وجد بعضنا من مكانته الفعلية في التحليل النفسي والفينومينولوجيا، وبشكل موازٍ في سوسيولوجيا الحياة اليومية (لدى سيمل وديلتي) والأنثربولوجيا الثقافية (مارغاريت ميد ومارسيل ماوس ومَن حذا حذوهما)، فإن أول عمل نظري في مجال الدراسات الأدبية ندين به لميخائيل باختين في كتابه جمالية الإبداع اللغوي،٦ وهو مؤلف تتناسج فيه الرؤية البنائية مع الفكر الفينومينولوجي الذي سوف يتخلَّى عن مبادئه لاحقًا.

في هذا الكتاب الذي ينتمي إلى المرحلة الأولى من المسير النظري لباختين، يبلور هذا الأخير تصوُّره للعمل الأدبي انطلاقًا من تفحص إشكالية مركزية في الرواية؛ هي العلاقة بين المؤلف والبطل؛ فالعمل الإبداعي فعل معيش، غير أنه معيش غير قابل أن يُرى ويتم الإمساك به في غير المنتَج أو الموضوع قيد الإبداع الذي يتوق إلى بلورته؛ لذلك، وانطلاقًا من تحديد علاقة الاستقبال التي تربط وتفصل بين البطل والمؤلف، يرتهن وجود البطل بمظهره الفيزيقي، الذي يطرحه باختين بشكل فلسفي عمومي تتبدَّى فيه الخلفية الفينومينولوجية للجسد. إن المشكل الذي يطرح هنا يتعلق بحدود وإمكانات رؤية الشخصية (الأنا) وإدراكها لجسدها: «ليس من شكٍّ في أن مظهري الفيزيقي لا يدخل في الأفق الملموس لرؤيتي الفعلية، باستثناء تلك الحالات الخاصة جدًّا التي أقوم فيها، مثل نرسيس بتأمل صورتي في الماء أو في المرآة. إنني أعيش مظهري الفيزيقي وتعبيرية جسدي من الداخل …».٧

إن مفارقة الجسد الشخصي تكمن بالضبط في عدم تطابق الفكر والإدراك. فإذا كان الفكر يجهَد لكي يحدد الجسد في مطلق الفضاء والعالم والأشياء، فإن الإدراك يعجز عن خلق هذه الصورة، ذلك أن الرؤية إذا كانت تستطيع إدراك الآخر في مظهره الشامل، فإنها لا ترى من جسدي غير ما تمكنني إياه وضعيتي الجسدية. تعود هذه المفارقة الأنطولوجية إلى أنني ألاحظ الأشياء الخارجية بجسدي، وأعمل على أن تكون لديَّ نظرية نهائية ومكتملة عنها، غير أنني لا أدرك جسدي بعين خارجية، وإنما بهذه العين التي أملكها. إن إدراك الجسد الشخصي يتم عبر الحواس التي يتم بها إدراك العالم، ولكي أستطيع إدراك جسدي كلية، عليَّ امتلاك جسد ثانٍ يكون بدوره غير قابل للملاحظة.٨

هذا الترابط بين الجسد والحاضر والمقصدية التي تحرك تواشجه بالعالم، هو ما يجعل الجسد يستنبط صورته من خلال ما يسمى خطاطة الجسد، باعتبارها الوعي الأولي الذي ينسق بين مكونات الجسد ويوجه فعلها.٩ بَيْد أن الجسد الشخصي ليس معزولًا عن الآخر. إن وجوده بكامله متجه إليه؛ إذ إن علاقته بالآخر علاقة وجودية؛ لذا لا بد من الانتقال حتمًا من الجسد في ذاته إلى الجسد من أجل الآخر، بل الأحرى بنا القول بأن ليس هناك أي انتقال أبدًا إذ إن كل جسد شخصي هو بالنسبة للآخر جسد قائم من أجله، أو إن دلالة الجسد لا تتحقَّق إلا بهذه التجربة الغيرية التي تخترقه، ويسعى هو إليها عبر الأحاسيس والعواطف وكل أنماط الإدراك التي يقيم بها الجسد في العالم؛ لذلك يشترط باختين هذه العلاقة كمخرج من عزلة الجسد الشخصي: «لكي أمنح الحياة لصورتي الخارجية، ولكي أجعلها فاعلة في الكل المرئي، عليَّ إعادة البناء الجذرية لعالم أحلامي، وذلك بأن أدخل فيه عاملًا جديدًا كل الجدة هو المصادقة validation العاطفية الإدراكية على صورتي، انطلاقًا من الغير ومن أجل الغير؛ ذلك أنني من داخل ذاتي لا أملك سوى المصداقية الداخلية، وهي مصداقية لا يمكنني إسقاطها على تعبيريتي الخارجية بما أن هذه الأخيرة منفصلة عن إدراكي الداخلي، وهو ما يجعلها بالنسبة لي وهمية وغارقة في فراغ من القيم مطلق.»١٠ إن وجود الجسد في الفضاء والزمن يتداخل بنمط وجود الذات والأنا ونوعية انغراسهما في العالم؛ لذا فإن هذا الجسد، كما يوضح ذلك الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي، يرفض الاكتشاف ويقدم نفسه لي دائمًا من الزاوية نفسها؛ فديمومته ليست ديمومةً في العالم، وإنما ديمومة من جهتي؛ فأن أقول بأن جسدي دائمًا من أجلي، ودائمًا حاضر بالنسبة لي، يعني أنه دائمًا أمامي بشكل حقيقي، وأني لا أستطيع بسطه أمام ناظري، وأنه دائمًا على هامش إدراكاتي، وأنه، وهذا هو الأهم، معي.١١

يكون إذن إدراك الكائن للخارج وإدراكه لجسده مُتزاوجًا؛ فهما بالنسبة له وجهان لفعل واحد.١٢ إن جسدي هو ذات الإدراك، القادرة على أن تتحوَّل جزئيًّا، وبشكل شذري، إلى موضوع للإدراك؛ من ثمَّ فإن مقاومة الجسد تعني أنه يرفض أن يمنح للذات المدركة صورة عن جسدها، مما يجعلها تخلق تلك الصورة إما عبر حلم اليقظة أو إدامتها عبر الذاكرة؛ لهذا فإن إدراكي الداخلي وحياتي الخاصة ينتميان لأناي المتخيلة والرائية، وليس إلى الأنا المتخيلة والمرئية. إنني لا أتوفر في داخلي على رد فعل عاطفي إرادي قابل لأن يمنح الحياة، ويتضمن مظهري الخارجي الخاص، ومن هنا ينبع ذلك الفراغ وتلك العزلة اللذان يطبعانه.١٣

وسواء قام المرء بإدراك ذاته عبر المرآة، أو حاول إقامة رسم لنفسه (بورتريه شخصي)، فإن المفارقة التي تحدَّثنا عنها تظل قائمة؛ ففي حالة المرآة تكون صورتنا الجسدية انعكاسًا لنا، أي آخرنا التخييلي الذي يخلقه توسط الصفحة العاكسة. أما في حالة الرسم الشخصي للذات، فإن الأمر يغدو مستعصيًا على الشخصية السيرذاتية، ذلك أن منح صورة مكتملة عن مظهرها الجسدي يتحول إلى مهمَّة شبه مستحيلة، وهي استحالة ناتجة عن انغماس هذه الشخصية في دينامية العمل الحكائي وتوتراته؛ بحيث يصعب عليها عدم إضاعة هُويتها الجسدية في لجَّة السيرورة الحدثية والحكائية: المظهر الجسدي — كما يوضح باختين ذلك — غير قابل للعزل داخل العمل الإبداعي اللغوي؛ فالخصاص الموجود على مستوى الصورة المرسومة يتم تعويضه وملؤه بوقائع تتصل بالمظهر الجسدي، تكون قابلةً لصياغتها في الفنون التشكيلية، مثلًا: طريقة المشي، والحركات المزاجية وتعبيرات الوجه أو الجسم في هذه اللحظة أو تلك من الحياة، التعبير عن الزمن الضائع لحياة ما في جريانه المستمر، والتعبير عن النمو المطَّرد للإنسان الذي يتم بالتعبيرية الخارجية للأعمار …١٤

هذا الموقع الذي يحتله المظهر الجسدي في التعبير الجمالي يجعل من كل جسد (واقعًا كان أو متخيلًا) جسدًا علائقيًّا؛ من ثمَّ فإن شذرية الإدراك الذاتي للجسد تتحوَّل إلى صورةٍ مكتملةٍ إذا تم الانتقال من مقولة الذات أو الأنا إلى مقولة الآخر؛ فالآخر هو خالق فرديتنا، وذاتيتنا لا وجود لها إلا بوجود الآخر في إدراكه لها. إن هذا الطابع الفينومينولوجي للجسد في علاقته بالآخر يذكرنا بتركيز ميرلوبونتي على غيرية الجسد، وبنظرة فيلسوف معاصر للوجه (وهو أحد الأعضاء الخصوصية للجسد) باعتباره تواصلًا غيريًّا.١٥ بل إن تلك الخاصية هي التي تدفع بباختين إلى القول بأن الذاكرة الجمالية ذاكرة منتجة؛ فهي تولد الإنسان الخارجي على مستوًى جديد من الوجود، أي إنها تنقل الذات من الإدراك الداخلي المحدود لنفسها إلى رحابة الإدراك الغيري وغائيته.

بهذا المعنى يحدد التمظهر الفضائي للجسد (أي للشخصية) «التخوم الخارجية التي تبرز مظاهر الإنسان.»١٦ فالفضاء الخارجي يختلف عن الفضاء الجسدي، إنه ليس مجرد مقطع من مقاطعه، وإنما يندمج به إذ لا يمكن لفضاء خارجي ما أن يوجد من غير أن يكون للشخصية جسد. من هنا فإن حدود الجسد تشكل هي نفسها المنطلق لعالم الجسد؛ لذلك يقول باختين: «إنني أوجد في الحد الفاصل لرؤيتي.»١٧ بيد أن هذا لا يلزم أن نفهمه انفصالًا بقدر ما أن الحدَّ بين الجسد والعالم ليس حدًّا فعليًّا، إنه تعيين للتمازج الضروري بينهما، وإلا فسيكون تأويلنا ذا طابع تجريبي حاولت الفينومينولوجيا تجاوز مآزقه وثنائياته. إن ذلك الحد هو في الحقيقة نقطة تبادل بين الشخص والعالم، ومحرك وجهته باتجاه الآخر، بحيث تتبادل الذات والآخر موقع الذات والموضوع.

إن الذات من أجل الذات (ما يقابل لدى سارتر الجسد من أجلي) تعيش تبعًا لهذه العلائقية تموضعًا يجعل منها ذاتًا لا تنغلق في غنوصية غائية أو إطلاقية ميتافيزيقية، إذن ليس ثمة من أجل ذاتها بشكل نهائي ومطلق؛ كما أنه لا وجود لتطابق مع الآخر يكون أداة سلب للاختلاف الذي يتمتع به، إذن الاختلاف الجسدي وسيلة فاعلة للحماية من ذلك؛ فالآخر ليس مرآةً للأنا؛ فأنا لا يمكنني أن أحيا بشكلٍ كامل في جسد الآخر الموجود خارجي، ولا يمكنني أن أتلاءم معه تلاؤمًا تامًّا، فكل ما أعرفه عن الآخر وعن عالمه الداخلي، أعيشه بشكل جزئي وأضعه في الصورة الخارجية التي لي عنه، كما لو كان الأمر يتعلَّق بخزانٍ يتضمَّن أناه وإرادته ومعرفته.

يشكل جسد الآخر بالنسبة للذات مظهر وجوده وعلامته. إنه داله ومدلوله في الآن نفسه، فحين يتعلق الأمر بالآخرين، يمكن للمرء أن يعيش الصورة الخارجية بوصفها صورة مكتملة ونهائية، وكأن ما ينقص صورة الذات يوجد في الآخر واكتمال صورته المدركة؛ فالآخر لا يعيش إلا في الآخر، وثمة تكمن واقعيته.

لا تتحقق فضائية الجسد إلا في الفعل؛ لذا فإن حركية الجسد لا تكتفي بالخضوع لنسقية الفضاء والزمن، بل إنها تُساهم في خلقهما. هكذا تتحدَّد برانية الجسد لدى باختين في ثلاثة مظاهر: برانية الجسد الشخصي من منظور الإدراك الشخصي، وبرانية الجسد الشخصي في علاقته مع الآخر، ثم برانية الفعل. من هنا، فالفضاء الممنوح لي ينحو إلى اللافضائية داخل جسدي، فيما يتخذ صبغته الفضائية الكاملة حين يتعلق الأمر بالآخر.١٨ وإذا كنا نتفق مع باختين في رسم ملامح العلاقة بين الجسد الشخصي والجسد الغيري، فإن إلحاحه المبالغ فيه على المناقضة بين الجسد الذاتي والجسد الغيري، يفصح عن منظور توفيقي يصرح بخلفيته الفلسفية كما يلي: «يمكننا القول بأن المثالية، من وجهة نظر المعيش الشخصي مقنعة من الناحية الحدسية، وأن المادية هي المقنعة حدسيًّا حين يتعلق الأمر بوجهة نظر المعيش الذي لي عن الآخر (وذلك من دون أن نشكَّ في الأسس المعرفية والفلسفية لهذَين التوجُّهَين).»١٩ إن هذه العملية التوفيقية لا تطابق الموقف الأنطولوجي والفينومينولوجي الذي انطلق منه، ذلك أن الفينومينولوجيا، سواء في قضية الجسد أو الخيال أو الذات … نقد وتجاوز للمادية والمثالية معًا؛ فالأمر لا يتعلق بإدراج الذات والجسد الشخصي في حضن المثالية والجسد البراني المعاين في حظيرة المادية، ذلك أنهما معًا يعتبران الفكر والإدراك ذوَي معنًى في ذاتهما، ولا يمكن تفسيرهما٢٠ باعتبارها شكل الظهور الذي يعيِّن وجوده الفضائي. يتأسَّس الفعل على ذلك باعتباره فعلًا موجهًا ومتوجهًا نحو المستقبل؛ لذلك فإن أفعالنا لا تمنح نفسها لنا إلا في شكل وعي داخلي. هذا هو ما يجعل فعل الآخر فعلًا قابلًا لأن يأخذ طابع تشكيل جمالي؛ فأنا لا أستطيع أن أفهم أو أمنح شكلًا فنيًّا إلا لفعل الغير. ومن داخل نفسي لا يمنح فعلي نفسه لأي شكل أو اكتمال فني؛ لأن الأمر يتعلَّق طبعًا بالمفهوم التشكيلي التصويري للفعل.

تتركب العناصر الثلاثة (جسدي وجسد الآخر والفعل) تبعًا لذلك في الطابع الأكسيولوجي (القيَمي) للجسد؛ فجسدي هو بشكل أساس داخلي، فيما يمكن اعتبار جسد الآخرين أساسًا جسدًا خارجيًّا برانيًّا. الجسد الداخلي يعيش إحساساته وآلامه وأفراحه وأهواءه بشكل جواني، وهو بهذا جزءٌ من الوعي الذي تملكه الذات عن نفسها؛ لذلك فإن اعتراف الآخرين بالقيمة الخارجية لجسدي هو ما يجعل مني موضوعًا لأحاسيسهم، وبالإمكان التأكد من هذه القيمة لدى الآخر، لكن المستحيل هو نزوعي لأن أحيا بشكل حدسي بديهي هذه القيمة. إن كل أفعال الاهتمام والمحبة المنتشرة في حياتي، والتي تأتيني من الآخرين وتعترف بي في قيمتي التي أستحقها، يمكن القول بأنها قد شكلت لأجلي القيمة التشكيلية لجسدي البرَّاني.٢١

تنبع الوظيفة الجمالية والعاطفية والإرادية أساسًا من العلاقة مع جسد الآخر، ومن خلال إدراك القيمة الجمالية للجسد الغيري عبر النظر والتأمل؛ فوحدة جسد الآخر تتجسد لي في شكل قيمي وجمالي. هذا التصور هو ما تؤكده، وفي سياقات معرفية مغايرة، تصورات كلٍّ من عمانويل ليفناس والتحليل النفسي للجسد الأنثوي.

يبني ليفناس العلاقة بين الكائنات على لا اختزالية الآخر؛ وذلك انطلاقًا من منظور أخلاقياتي éthique. إن العلاقة مع الآخرين، التي تتم بالملامسة والنظرة، لا تعني أبدًا التطابق بيني وبين الآخر؛ «فالعلاقة مع الآخرين، كما يعبر عن ذلك ليفناس، يمكن البحث عنها كمقصدية غير قابلة للاختزال، حتى ولو انتهى بنا الأمر إلى أن نرى فيها انقطاعًا لتلك المقصدية.»٢٢ بيد أن هذه العلاقة الاختلافية تجد صورتها المثلى في العلاقة الإيروسية؛ ففي الحب الجسدي يتم تمجيد غيرية لا يمكن اختزالها في الاختلاف المنطقي أو العددي، الذي يميز أي فردٍ عن أي آخر، لكن الغيرية الإيروسية لا تنحدُّ مع ذلك في الغيرية، التي تعود بين كائنات متشابهة إلى صفات مختلفة تميز بينهم. إن الأنثوي هو آخر بالنسبة للكائن الذكوري، ليس فقط لأنه من طبيعة مختلفة، ولكن أيضًا لأن الغيرية بشكل ما طبيعة الأنثوي؛ فالأنثوي في منظور من هذا القبيل هو الغيرية في ذاتها، أو إذا شئنا أصل مفهوم الغيرية، ذلك أن من طبيعته أن يكون غير متوقع باستمرار وأن يحافظ على طابعه الملغز، ويعاند كل معرفة لينسحب إلى ظل اللامعرفة. إن جوهر الأنثوي يظلُّ هو الخفاء.٢٣

غير بعيد عن هذا التصور، ولكن هذه المرة من منظور نفساني، ترى باحثة نفسانية أن المرأة لا تعيش رغبتها، وإنما تتشكَّل كذاتٍ راغبةٍ انطلاقًا من الرغبة الذكورية فيها. «إنها أشبه بممثلة تلعب دورًا تم إدماجها فيه: إنها (أي المرأة) واعية (باستيهامات الآخر وبتحويله لِلذَّته إلى رغبة) كل الوعي، بالرغم من كون جزءٍ منها يدَّعي الجهل بذلك، كما أنها واعية بأنه يتصورها راضية أو رافضة، عارفة بفنون الهوى أو بكرًا من كل معرفة، موضوعًا خالصًا للاستعمال، أو على العكس من ذلك يظل الآخر سيد اللعبة وحده، لكنها ستقول لنا إنها «محبة» فيه ستعرف كيف ستلعب الدور المقترح عليها، وكساء عرائها بأثواب رغبة ليست رغبتها، ولكنها مع ذلك تلاقيها من حين لآخر، ذلك أنها تجعل منها الموضوع الذي يمكن اللذة من أن تستجيب لنداء الرغبة. قد يكون الأمر وهمًا، لكنه وهمٌ يتماشى ورغبته ذاته.»٢٤

إن جوهر الرغبة الأنثوية يجعل من الكائن الأنثوي كائنًا من أجل الآخر، وآخر بامتياز، لكن التساؤل الذي يطرح نفسه الآن، هو لماذا لم يُشِر باختين، في حديثه عن جمالية الجسد، للجسد الأنثوي؟ أو على الأقل لهذه الثنائية المركزية في أيِّ تفكيرٍ في الجسد، خاصة حين يتعلق الأمر بتصوُّر فينومينولوجي؟ ثم إذا كان هذا التصور يلامس من دون أي تمييز (ولو إجرائيًّا) بين الجسد كظاهرة واقعية والجسد في التخييل النصي، فهل هذا يعني أن تجربة الإدراك تنسحب من دون أي تعديلٍ خصوصي على النص الأدبي بعامة والنص السردي بخاصة؟

يلزم بدءًا التذكير بأن تصوُّر باختين للجسد المعيش يندرج ضمن تنظير واضح لعلاقة المؤلف بالبطل (الشخصية). وقد أشرنا سابقًا إلى أن المؤلف لدى باختين لا يتم النظر إليه إلا في علاقته بنصه، أي خارج كل مرجعية سيكولوجية أو بيوغرافية. إن مرجعه الأساس هو نصه المنتج الذي يتجسَّد فيه كمؤلف؛ فالمؤلف هو جماع النص الأدبي. وأن نعيش المؤلف لا يعني أبدًا أن نعيش حياته الخاصة، كما نعيش حياة البطل في العلاقة الجمالية العاطفية الإرادية التي تربطنا به، وإنما أن نعيش الغاية التي توجه نشاطه إزاء الموضوع المعبَّر عنه، أي أن نشارك في عملية الخلق هذه.٢٥ إن باختين هنا يعتبر، إلى جانب الشكلانيين الروس، المنطلق النظري والمعرفي للنظرة المعاصرة للمؤلف والنص٢٦ التي تبلورت لاحقًا مع واين بوث ولوتمان، وإيكو وغيرهم. هذا التحديد الذي بلوره باختين يدفعنا إلى طرح تساؤلٍ فرعي: ما علاقة «جسد» المؤلف ﺑ «جسد» البطل؟ يُجيب باختين: «إن المعيش الذي للبطل عن جسده، وهو جسد جواني، يتغلَّف بجسده البراني بالنسبة للآخر وبالنسبة للمؤلف، ويجد ثابته الجمالي في ردة الفعل القيمية لهذا الأخير؛ فمكونات هذا الجسد البراني الذي يغلف الجواني، باعتبارها ظاهرةً جماليةً تتمتع بوظيفة تعبيرية وتأثيرية، يقابلها الهدف النشيط المزدوج للمؤلف والمتفرج.»٢٧

يغدو الجسد لدى باختين مدخلًا لطرح القضايا النظرية العامة للكتابة الأدبية. الجسد، بهذا المعنى، «مدخل نظري» لأنه يُبيح إمكانية تصنيف مغاير، وأساسي هذه المرة، للأدبي. بل إنه يغدو مبدأً تصنيفيًّا حسب كونه جسدًا شخصيًّا أو جسدًا غيريًّا؛ ففي الوظيفة التعبيرية ينتقل مركز الجاذبية من البطل إلى الذات المؤلفة؛ إذ من الخارج تمنح الذات للآخر (البطل) الشكل الذي يعبر عن حياته؛ من ثمَّ فالشكل يعبِّر عن نشاط وفعالية المؤلف في علاقته بالبطل كآخر: إنه نتاج التفاعل بين سكونية البطل (المعبَّر عنه) وبين المعبِّر (المؤلِّف). أما في الوظيفة التأثرية فإن البطل يمارس في النص مجال لعبة مرآوية؛ فهو البطل المؤلف. هنا يقوم المؤلف بالاشتغال على العناصر من غير أي عمل شكلي، أي من دون صياغة لشكلها. فالتأثرية تعني وجود مؤلف بدون بطل، مؤلف يغدو نشاطه موجهًا كلية للمادة الحكائية، وذا صبغة تقنية محضة.

إن ما يسميه باختين «الكل الفضائي للبطل»،٢٨ هو الإطار التركيبي الذي يطرح من خلاله علاقة البطل بأشياء العالم الخارجي. تتم هذه العملية الإدراكية من خلال نمطَين ممكنَين: من داخل البطل، وفي هذه الحالة يمكننا الحديث عن أفقه، ومن الخارج الذي يشكل محيطه؛ فالأفق يكون ذا طابعٍ أخلاقي ومعرفي وعملي، بما أن الأشياء توجد إزائي وتتصل اتصالًا وطيدًا بهدفية حياتي. أما في العمل الفني فإن الأشياء تمر عبر اللغة، وتكون ذات وشائج عميقة مع البطل؛ فهي لا توجد أمامه وإنما تحيط به؛ لأن تمثيلها الفني والأدبي يكون ذا صبغة تشكيلية. العالم هنا كما يرى باختين، يتعالى على وعي البطل.

خلافًا إذن للتصورات الجزئية التي نظَّرت للجسد كمكون من مكونات العمل الأدبي التي يمكن دراستها، كما تدرس العناصر البنائية الأخرى التي تنسج صورته الفنية، سواء كانت موضوعاتية (كما نجد ذلك لدى جان بيير ريشار) أو نفسانية (كما نجد ذلك لدى ددييه أنزيو)، أو تلك التي اختزلت حضوره في عمليات بنائية كالوصفي والشخصي كتلك التي اكتفت باعتباره مجرد عماد لإنتاج العواطف والأهواء والأحاسيس، خلافًا لكل ذلك يؤسس باختين مسألة الفضاء نفسها انطلاقًا من ثنائية الذات والموضوع التي بنى عليها تصوره للجسد، وارتكازًا على المعطى التصنيفي الذي يمنح لمفاهيمه قوتها الإجرائية. إنه يخلخل بشكل واضح الجمالية الشكلانية التي ترجع كل شيء في العمل الأدبي إلى التقنية التخييل، وكأن التخييل والمتخيل مستوًى منفصلٌ انفصالًا مطلقًا عن التجربة الوجودية والجسدية.٢٩

لذا فإن التجربة الفنية، وهي التي تتأسس على معطيات التجربة الجسدية الإدراكية، تجعل من الكتابة حاملة للمقصديات الأكثر عمقًا واكتمالًا في التجربة المعيشة، والتي تساهم اللغة وتوسط عملية الكتابة في منحها خصوصياتها المميزة والمختلفة في المستوى عن التجربة الواقعية.٣٠ فتجربة الجسد تساهم بهذا المعنى في بناء العمل الأدبي. الشخصية صورة من صور الشخص،٣١ والكثير من المفاهيم التي تؤسس التحليل التقني الوظيفي للنص الأدبي الحكائي ترتكز على مقولات ذات مصدر جسدي واضح، كالرؤية٣٢ والحركية، أو لها علاقة مباشرة به كالكلام والفضاء والزمن … وما إلى ذلك. وكل فصل قاطع بين حياة الجسد ومكونات النص يغدو عسفيًّا. انطلاقًا من ذلك يمكننا البرهنة على هذا الاقتراح بناءً على نزع الطابع التقني المحض عن مفهوم الرؤية كما صاغته السرديات، وهو مفهوم تبلور في المجال الفكري الفرنسي، من خلال التفكير الفلسفي الذي منحه بعدًا فكريًّا وسيكولوجيًّا واضحًا عمدت تنظيرات تودوروف وجنيت إلى عزله عنها، وإعطائه صبغة تقنية إجرائية مطلقة.

إن عملية الرؤية أو التبئير، كما انتبه لذلك جاب لينتفلت، انطلاقًا من خلفية فكرية فينومينولوجية واضحة، عملية إدراكية شاملة لا تخصُّ الإبصار وحده، وإنما تتدخل فيها كل الحواس لصياغة الخبر السردي صياغة حكائية.٣٣ أما من منظور أكثر اتساعًا، فإنها ترتبط بوجود الجسد المدرك، ولو على مستوى التخييل السردي، فهي تحمل سماته وتعبر عن نمط وجوده في العالم؛ من ثمَّ فإن أي تغيير في المنظور يؤثر على المعنى النصي بكامله، ولا يتعلق الأمر أبدًا بتغيير الصيغة. هذا ما يؤكده ميرلوبونتي قائلًا: «لا يكمن دور الرواية في عرض الأفكار أو تحليل الطبائع، وإنما في تقديم حدث إنساني، والدفع به إلى النضج من غير أي تعليق أيديولوجي، إلى درجة أن كل تغيير في نظام الحكاية أو اختيار المنظورات يغير من المعنى الروائي للحدث.»٣٤ بالشكل نفسه يغدو أي انتقال من ضمير سردي إلى آخر انتقالًا مولدًا لمقابلاته الدلالية. إنه ليس لعبة تقنية محضة كما سعت التحليلات البنيوية إلى إقناعنا بذلك، وإنما هو انتقال من الجسد والحكاية الشخصيَّيْن إلى الجسد والحكاية الغيريَّين؛ فاندماج السارد في الحكاية والمحكي عبر أناه النصية يخلق من الناحية السردية والدلالية تقاربًا أكيدًا بين المؤلف والراوي، من جهة، وتنطع السارد للحكي عن نفسه (أي عن جسده وكيانه الشخصي) من جهة أخرى؛ وهذا هو بالضبط ما يجعل باختين يتحدث، في حالة السيرة الذاتية، عن استحالة رسم صورة جسدية لسارد من قبله هو، وذلكم ما انتبه له التحليل اللساني للخطاب ولحضور الذات في النص.٣٥

هذا التصور البلاغي التقني للعمل الحكائي هو الذي حظي بنقد الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي حلل مفهوم الحكاية لدى جيرار جنيت، في علاقتها بالصيغة والنوع، بالشكل التالي: «النص أنموذجي، ولن أتسرَّع في القول بأنه حكاية (…). «فالحكاية récit لا توجد فيه على شكل صيغة ونمط يمارس ويختبر كمستحيل فقط. إنه أيضًا اسم موضوع thème، والمضمون الموضوعاتي غير القابل لأن يصبح موضوعًا لشيء ما، ولشكل نصي له علاقة ما بوجهة نظر معينة عن النوع …».٣٦ إن هذا يعني أن الحكاية نصٌّ متكاملٌ يتفاعل فيه الموضوع بالصيغ الشكلية، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال اختزاله في تقنياته السردية، أو في النوع الذي يمكن أن يندرج فيه. وهو الشيء الذي يبدو أن جيرار جنيت قد انصاع إليه حصرًا.

الجسد: من الذات إلى الهوية

إذا كنا قد سعينا إلى قراءة المقترحات الباختينية بصدد الجسد وأنماط وجوده في النص، انطلاقًا من التطورات اللاحقة في مجال الفينومينولوجيا والدراسات الأدبية، فإننا سنعمد الآن إلى استكمالها ومساءلة حدودها عبر التصور الذي يقدمه بول ريكور للجسد في إطار إشكالية متطورة للذات Soi. ولا يخفى أن خصوبة أطروحات ريكور في هذا المجال تنبع من طابعه المتعدد الاختصاصات؛ بحيث راكمت تجربته الفكرية نظريات للهرمينوسيا والنص الأدبي الحكائي وعلاقة النص والدلالة بالفعل، وذلك دائمًا من منظور فينومينولوجي أنطولوجي تأملي.٣٧

ينطلق ريكور من المفاهيم التي يقدمها ستراوسن في كتابة الأفراد،٣٨ حيث يتم تصوُّر الأجساد الفيزيقية والأشخاص (نحن) كخواص particuliers أساسية؛ لأننا لا يُمكننا أن نعين أنفسنا من غير أن نمرَّ من أحد هذَين النمطَين من الخواص. بهذا المعنى فمفهوم الشخص كما مفهوم الجسد هو مفهوم بدائي؛ لذا فمن المتعذَّر أن نغوص إلى أبعد منهما من غير أن نسقط في التصور الذي يجعلهما مشتقَّيْن من شيء آخر غيرهما. إن مفهوم الجسد والشخص كمفهوم بدائي يمكننا من الخروج من شرنقة التصورات الفلسفية الثنائية للجسد والروح، سواء في صيغتها الميكانيكية (كما لدى ديكارت)٣٩ أو في صيغتها التقليدية في الفكر العربي الإسلامي والغربي.

لكن هل بالإمكان الفصل بين الأجساد والأشخاص، من دون أن ندخل في الاعتبار عملية التعيين الذاتي؟ هذه المشكلة هي التي يعبر عنها ريكور بالفكرة التالية: «إنها لَمشكلةٌ كبرى أن نفهم الطريقة التي بها يكون جسدنا الشخصي جسدًا من بين الأجساد، موجودًا بصورة موضوعية بين الأجساد، وفي الآنِ نفسه مظهرًا من مظاهر الذات باعتبارها شكل وجوده في العالم.»٤٠

أما الاقتراح الثاني المهم لستراسون، فهو أن الخواص الأساسية الأولى هي الأجساد والأشخاص. والأولوية الممنوحة للجسد ذات أهمية كبرى؛ لأن الشخص لن يكون مرجعًا ثانيًا معزولًا عن الجسد، كما تنعزل الروح أو النفس الديكارتية عن جسدها؛ لذا فالمشكل يحلُّ بالطريقة التالية: إن الأمر يتعلق بمرجع وحيد يمتلك سلسلتَين من الأوصاف: جسدية ونفسية.٤١ لكن هل الأشخاص أجساد أم يمتلكون أجسادًا؟ إنهم يمتلكون أجسادًا، وفي هذا تكمن هوية وجودهم.

ولأن المرمى الأساس لريكور يتمثَّل في صياغة نظرية فلسفية للذات، تنزاح بشكلٍ واضحٍ عن التصورات المتداولة عن الذات، سواء في التصور الديكارتي للأنا، أو في المنظور الفينومينولوجي للأنا المتعالية،٤٢ أو في التحليل النفسي، اللاكاني منه بالأخص للذات،٤٣ وبإغفال تامٍّ لمفهوم هايدغر عن الهوية والاختلاف٤٤ نراه يقدِّم مسحًا شاملًا للتصوُّرات الثلاثة التي اهتمَّت من الناحية الفلسفية بالجسد:

  • (١) فلسفة مين دو بيران Maine de Biran التي سعَت، انطلاقًا من إشكالية تخص الجسد، إلى بلورة فينومينولوجيا للأنا، وذلك عبر الخروج من دائرة الذاتية الديكارتية. إن الجسد، حسب م. دو بيران ليس جسدًا عضويًّا، وليس كيانًا حيًّا ولا جسدًا إنسانيًّا. إنه جسد يتعالى عن هذه الظواهر التي من خلالها يقدم لنا نفسه. وبما أنه جسد يعيش في العالم، فإنه يوحد بين شكلَين أو نمطَين من أنماط وجوده، أي بين وجوده ومظهره في الجسد الشخصي. تكمن أهمية المنظور البيراني في كونه جعل مشيل هنري يقول: «إن أول فيلسوف، بل في الحقيقة الفيلسوف الوحيد في تاريخ التفكير الإنساني الطويل، الذي أدرك ضرورة التحديد الأصيل لجسدنا بوصفه جسدًا ذاتيًّا هو مين دو بيران؛ هذا هو المبدأ الفكري الذي يجعلنا ننظر إليه، بنفس المستوى الذي ننظر فيه إلى ديكارت وهوسرل، باعتباره أحد المؤسسين الحقيقيين لعلم فينومينولوجي للواقع الإنساني.»٤٥
  • (٢) الفينومينولوجيا المتعالية لهوسرل، التي وإن لم تحدد الإنسان كجسد، كما فعل مين دو بيران، فإن مساهمتها في إنشاء فلسفة للجسد مركزية. لقد سعى هوسرل، وبشكلٍ أكثر عمقًا واتساعًا من هايدغر لاحقًا، إلى إنشاء أنطولوجيا للبدن تنطلق من التمييز بين البدن والجسد. إن البدن هو قطب المرجعية بالنسبة لكل الأجساد التي تنتمي لهذه الطبيعة.٤٦ أما الجسد في تقابله مع البدن، فإنه يمثل تكوُّن الأنا الآخر، ومجال الانتقال من الأنا كبدن التي يكون فيها الفرد لا يزال غارقًا في عالم الحواس ومجال الإحساسات. بيد أن تقاطب البدن والجسد لا يفتحنا، حسب ريكور، نحو فلسفة للذات بقدر ما يسجننا في أنوية ipséité واضحة المعالم.
  • (٣) فلسفة هايدجر التي لم تترك المجال في كتاب الوجود والزمن٤٧ لبلورة الدازاين (الكائن-هنا) باعتباره كائنًا جسديًّا.

إذا كان البدن هو جسدنا الشخصي يمكن أن نبني انطلاقًا منه أنطولوجيا للجسد، فإن ريكور يستثمر هذه المقولة، ويربطها بالإشكالية الهايدغرية للوجود في العالم قصد البحث عن إمكان تلك الأنطولوجيا. انطلاقًا من مفهوم الجسد الشخصي (البدن)، ومن الطابع الملغز لظاهرة الجسد الشخصي، ومن الأشخاص كأجساد؛ ومن ثمَّ المنفتحات التي تبيحها هذه التصورات، يطرح بول ريكور مسألة الذات والهُوية السردية.

إن ما يعنيه هذا المفكر بالهُوية السردية يتعلق بالتمييز بين مدلولَين للهُوية: الهُوية كعينيَّة mêmeté والهوية كذات soi؛ فالهوية بهذا المعنى هي الواحدية باعتبارها المقابلَ الدلاليَّ للتعدُّد.٤٨ وإذا ما نحن أخذنا الهوية في مفهومها السردي، فإنها تعني هُوية الشخصية (لا هُوية المؤلف.)٤٩ تتكوَّن الهُوية السردية بالعلاقة مع الحبكة، لكنها لا تنتمي ببساطةٍ إلى مقولة الحدث؛ فالخطوة الأساسية باتجاه تصوُّر فعلي سردي للهوية الشخصية تتم حين ننتقل من الفعل (الذي اهتمَّ به بشكل ملفت للنظر التصور البنائي والسيميائي لفلادمير. بروب وأ. ج. غريماس) إلى الشخصية المنتجة للفعل: «وتبقى المسألةُ آنذاك في معرفة ما تقدِّمه المقولة السردية للشخصية للنقاش حول الهوية الشخصية. إن الأطروحة التي يتم الدفاع عنها هنا تتمثَّل في كون هُوية الشخصية تفهم حين ننقل إليها عملية حَبْك أحداث النص، التي تم تطبيقها فيما قبل على الفعل المحكي، هكذا تكون الشخصية نفسها قد تمَّت صياغتها في الحبكة.»٥٠ حين يتمُّ فَهْم الشخص كشخصيةٍ في الرواية أو الحكاية، فإنه لا يظل وحدة منعزلة فيها عن «تجاربه». بل إنه بالعكس يتقاسم نظام الهوية الدينامية التي تمتلكها القصة المحكية. إن هُوية القصة المحكية هي التي تؤسس هوية الشخصية؛ من ثمَّ فإن الوظيفة التوسطية التي تمارسها الهوية السردية للشخصية بين تقاطب العينية والأنوية، يتم تأكيدها جوهريًّا من قبل التنويعات التخيلية التي تخضع الحكاية لها الهوية السردية. هكذا، وعلى عكس الأنموذج الأرسطي، تغدو الحبكة في خدمة الشخصية بعد أن كانت هذه الأخيرة ملحقة بها. أما حين تنزع بعض النصوص المعاصرة إلى تحطيم السردي، وفقدان الخواص الحكائية المتوارثة (نصوص مشيل ليريس مثلًا)، فإن الأمر يمكن تأويله حسب ريكور كتعرية للأنوية عبر فقدان مرتكز العينية.

لكن ما موقع الجسد من تفاعلات الهُوية السردية هذه؟ «إن شخصيات المسرح والرواية — كما يقول ريكور — هي كائنات إنسانية مثلنا.»٥١ وبمقدار ما أن الجسد الشخصي بُعد من أبعاد الذات، فإن التنويعات التخييلية حول الشرط الجسدي تنويعات على الذات وأنويتها. بالإضافة إلى ذلك، وتبعًا لوظيفة الجسد الشخصي التوسطية في بنية الوجود في العالم، فإن الخاصية الأنوية للجسدية تنسحب على العالم باعتباره مسكونًا بشكل جسدي. إن هذه الخاصية تمنح للشرط الأرضي طابعه ذاك من حيث هو كذلك، وتمنح للأرض دلالتها الوجودية existential التي اعترف لها بها نيتشه وهوسرل وهايدغر، كلٌّ على طريقته؛ فالأرض هنا أكثر من مجرد كوكب: إنها الاسم الأسطوري لانغراسنا الجسدي في العالم. هذا هو ما تفترضه، في الأخير، الحكاية الأدبية باعتبارها خاضعةً للضرورة التي تجعل منها محاكاة للفعل؛ ذلك أن الفعل المحاكي، في التخييل وبه، يظلُّ هو أيضًا خاضعًا لضرورة الشرط الجسدي والأرضي.»٥٢

هكذا يصوغ بول ريكور تصورًا جديدًا للجسد في النص الأدبي، يرتكز بدوره، بل يتأطَّر، بإشكالية الذات. إلا أن اهتمام ريكور بالنظرية السردية ينبع بالأساس من موقعها الواصل بين نظرية الفعل (التي انتهت إليها كتاباته الأخيرة)٥٣ ونظريته الأخلاقية éthique التي ترتبط ارتباطًا وشيجًا بها.٥٤ ونحن نلاحظ أن تركيز ريكور لجوهر تصوره في الشخصية الحكائية، لا يختلف كثيرًا عن منظور ميخائيل باختين إلا فيما يخصُّ العلاقة بين المؤلف والشخصية. فالبرغم من اتفاقهما معًا على كون المؤلف لا يتبدَّى إلا في النص الذي ينتجه، فإن ريكور الذي عاصر بشكل عميق تطوُّر اللسانيات البنائية والتداولية، وساجلها ووظَّف معطياتها وعاصر أيضًا تبلور سيميائيات نصية وتداولية، لم يكن له أن يظلَّ سجين تصوُّرٍ تقليدي للمؤلف، بل إن بلورته لتصور هيرمينوسي متميز أدى به إلى نحت تصور للنص، يكون في المفترق بين الأدبي والأنطولوجي والفينومينولوجي والأخلاقي والقيمي، وإن بشكل توفيقي واضح أحيانًا. ومع أن ريكور لا يشير بأي حال لباختين، فإن بإمكاننا القولَ بأن النقط الغامضة التي تركتها دراسة باختين وراءها، وقد غدَت أكثر وضوحًا انطلاقًا من نظرية الذات لدى ريكور.

من سيميائيات الإشارة إلى سيميائيات الأهواء والعواطف

قد تكون محاولة المواجهة بين التصور السيميائي للجسد والتصور الفينومينولوجي خصبةً. إنها ستمكننا من الوقوف على الخلفيات النظرية لكلٍّ منهما، وتحليل الانعكاسات النصية والنقدية والنظرية لهما في حقل دراسة النص الأدبي وتأويله. فإذا كان الموقف الذي تتخذه الفينومينولوجيا من الجسد موقفًا أنطولوجيًّا سنجعل منه، بشكل أو بآخر، ركيزة وجودنا في العالم، وانغراسنا في مقصديته الزمانية والمكانية، فإن التطور الذي تقترحه السيميائيات (الغريماسية منها على الأقل) يهدف، انطلاقًا من رؤية عقلانية، الإمساك بالجسد، وفقًا للأنموذج التواصلي اللغوي.

يعتبر غريماس أن العالم المسمَّى محسوسًا عالم البحث عن الدلالة. إنه يَتَمَظْهر باعتباره فقط إمكانية معنًى، ولكي يكتمل معناه لا بد من أن يخضع لشكل معين؛ فالدلالة يمكنها أن تتوارى وراء كل المظاهر المحسوسة، إنها توجد خلف الأصوات والصور والروائح والنكهات، غير أنها ليست في الأصوات أو الصور باعتبارها مدركات؛٥٥ من ثمَّ تأتي ضرورة تجاوز اللسانيات باتجاه سيميائيات عامة. وإن كانت المسألة، كما يعترف غريماس بذلك (سنة ١٩٧٠م)، لا تزال في خطواتها الأولى، فإنها مع ذلك تفصح عن خصوبتها وعن طابعها الثوري. هكذا فإن ظهور السيميائيات يفتح المجال أمام هذا التجاوز، ويكفي للتأكد من ذلك النظر إلى العالم غير اللساني، لا باعتباره مرجعًا مطلقًا وإنما باعتباره مجال ظهور المحسوس القابل لأن يغدو مجال ظهور المعنى الإنساني، وتناول هذا المرجع كمجموعة من الأنساق السيميائية المضمرة إلى هذا الحد أو ذاك. وبالرغم من الأفضلية التي تحظى بها سيميائيات الألسن الطبيعية، فعلينا افتراض وجود سيميائيات للعالم الطبيعي.

يقترح غريماس حصر التفكير السيميائي في العالم المحسوس في مجال المرئي؛ نظرًا لأن تجلِّي المعنى عبر المرئي يبدو الأكثر أهميةً إن كمًّا وإن كيفًا. هكذا يغدو بالإمكان الحديث عن علاماتٍ طبيعيةٍ والتساؤل عن وضعيتها السيميائية؛ وبالتالي «بناء سَنَن سيميائي للتعبير البصري».٥٦ إن اختزال العالم الطبيعي في البصري يعبر، من جهة، عن الصعوبات التي يمكنها أن تعترض في نظرنا تأسيس سيميائياتٍ عامةٍ تأخذ بعين الاعتبار كل مظاهر العالم الطبيعي المرئية منها والمسموعة، المتذوقة والملموسة، وذلك تبعًا لشمولية الظاهرة الإدراكية؛ وتعبر، من جهة أخرى، عن انسياق التصور الغريماسي وراء الحظوة التي يتمتع بها البصري في سنن الإدراك، والتي تتماشى مع الحظوة الميتافيزيقية التي يتمتع بها اللسان والصوت بين الأنظمة الإشارية.٥٧

انطلاقًا من التركيز على البصري سيجد غريماس نفسه في صلب الإشكالية الفينومينولوجية، أعني موقع الجسد (الإنسان) من هذا العالم البصري المحسوس الذي يقبل الانصياع للتحليل والتصنيف السيميائيَّين. يعبر غريماس عن ذلك باعتبار أن: «الإنسان في هذا المتن ليس سوى صورة figure من بين صور أخرى. إنه حجم يوجد في أفق فضائي ويتحرك فيه، وهو يخط في مسعاه عددًا معينًا من التمظهرات. ونحن نعتبر أيضًا أن الإشارة المحاكاتية gestualité mimétique، سواء كانت تواصلية، تعبيرية أو لهوية، تنبع من الجسم الإنساني، باعتباره موضوعًا مدرَكًا ومتموقعًا إلى جانب موضوعات أخرى.»٥٨

لن نلحَّ كثيرًا هنا على أن هذا التصور العضوي الموضوعي للجسد، باعتباره حجمًا وشيئًا من ضمن أشياء وموضوعات العالم، يجد أصله الجينيالوجي في التصور الديكارتي الذي عمل مين دو بيران وهوسرل وميرلوبونتي على نقده، عبر موضوعة الجسد الشخصي، ومفهوم التفاعل بين جسد العالم وجسد الإنسان.٥٩

انطلاقًا من هذا التناول للعلامة الطبيعية وللمرئي، يأخذ الجسد موقعه ضمن الأشياء والموضوعات التي تشكل اللغة في تدخلها لصياغة العالم المحسوس؛ فالإنسان من حيث هو جسد يندمج في العالم صحبة صور وأشكال أخرى؛ من ثمَّ، فإن ما يؤخذ بعين الاعتبار من قِبل السيميائي هو السياق الذي يتم النظر إليه باعتباره حجمًا له أبعاده ومنظوريته الفضائية. إنه كيان مدرك وموضوع إدراك في الآن نفسه. ومنذ أن بَلْور مارسيل ماوس تصورًا أنطولوجيًّا متميزًا لتقنيات الجسد٦٠ لم يعُد بالإمكان الوقوف ولا المراوحة عند المقاربة الآلية للجسم الإنساني، بل غدا من اللازم النظر إلى المحركية motricité الإنسانية كظاهرة إنسانية: «فمع أن الإشارة التي يتعلمها الإنسان ويعلمها للآخرين محدودة من الناحية العضوية، فإنها في ذلك مثل كل الأنساق السيميائية الأخرى ظاهرة اجتماعية (…) تيبولوجية تصنيفية للإشارات ذات البعد الاجتماعي، لن تمكننا فقط من الوقوف على التنوع بين الثقافات، (انظر تقنيات القبلة)، أو الأجناس (…)، إنها سوف تفسر لنا أيضًا وتمكننا من افتراض وجود بُعدٍ سيميائيٍّ مستقل بذاته، يكون على الأقل من خلال الفواصل الاختلافية التي يقيمها بين الثقافات والأجناس والمجموعات الاجتماعية، قابلًا لمنح الأساس الدلالي للثقافات والمجموعات الإنسانية.»٦١

بهذا الشكل تتحوَّل الإشارات الطبيعية إلى إشاراتٍ ثقافية؛ فالإشارات ليست خاصةً بجهة جسدية معينة، إنها عملية شاملة يمارسها الجسم الإنساني. هذا الأخير يشكل العماد والخلفية التي تنتج سُنن التعبير؛ لأنه محدد كتمظهر configuration. إنه بمجرد ما يدخل في سياق معين ذي طابع ثقافي يشتغل كسنن باث. وهذا التجديد هو ما يدفع بغريماس إلى محاولة تطبيق المعطيات اللسانية على التواصل الإشاري الجسدي، مقسمًا إياها إلى تلفُّظٍ وملفوظ وإلى ذاتٍ للتلفظ وذات للملفوظ. إن السيميائيات الطبيعية، بإدماجها للممارسة الإشارية في اهتمامها، تحدُّ وتوسِّع، في الآن نفسه، من اشتغالها. إنها تحدُّ منه؛ ذلك أن العالم الإنساني يغدو بهذا الشكل منتزعًا من كلية العالم «الطبيعي» ولا يتم اعتبار سوى الأحداث التي ينتجها الإنسان في العالم المحسوس، وتوسع من اشتغالها لأنها تفتح السيميائيات نحو كلية السلوك الإنساني.

داخل النشاط الإنساني المبرمج المنتج لخطابات إشارية، يمكن التمييز بين إشارة عملية لا غير، وإشارة أسطورية. تنبني الأولى منهما على الرغبة، فيما يتبدَّى في الثانية عمقها الثقافي الإيحائي؛ فالإشارة الأسطورية ليست مجرد إيحاء للنشاطات العملية، ولا ينبني خلطها لا مع الإشارة التواصلية، ولا مع العمليات المحاكاتية التي تظهر في كل مكان، لكن هذا لا يعني أنها تشكِّل مستوًى سيميائيًّا مستقلًّا بذاته. إن المستويَين العملي والأسطوري يتقاسمان، بصورةٍ غير متساوية حقًّا وحسب الثقافات المدروسة، مجال الممارسة الإشارية.٦٢ بيد أن هذا التمييز بين العملي والأسطوري مختلط فيه الأسطوري والعملي.

تبعًا للثنائيات ذات المصدر اللساني التي يحلل بها غريماس العملية الإشارية (التلفظ-الملفوظ، العملي-الأسطوري) نراه يسعى إلى وضع بعض النظام في مجال الإشارات، باعتباره قد غدا، من الناحية السيميائية، «لغة». صحيح أن لا أحد يجادل في فقر هذه اللغة وطابعها التواصلي الإشاري، إلا أنها بالرغم من ذلك تتطلَّب التصنيف؛ لذا يقسمها غريماس إلى إشارية وصفية attributive وفيها تندرج الإشارة التعيينية déictique، وإشارية صوغية وإشارية محاكاتية، وإشارية لهوية، ليخلص إلى تحديد الإشارة كحضور دالٍّ في العالم.٦٣

إن الجسد، في سيمياء من هذا القبيل، منتج لإشارية ذات طابعَين رمزي ووظيفي. ومن الواضح أن تصنيفًا كهذا يرتكز على الثنائية اللسانية للتقرير والإيحاء، لكن إذا كان الجسد في سيميائيات الإشارة عنصرًا دالًّا، ويشكل بالتالي الجوهر الإشاري الذي يندمج كلية في إنتاج الإشارة ويشكِّل، من ثمَّ، عنصرها الدال، فلمَ نكتفي في المعالجة السيميائية بتصنيف الإشارات؟ ثم إلى أي حدٍّ يمكن أن يشكل الأنموذج اللساني مثالًا لكل دراسة للجسد وللعالم الطبيعي؟

إذا كان موضوع السيميائيات ظاهريًّا، أي من قبيل المتمظهر، فإن الأساس الذي ينهض عليه في ظهوره ذاك، يظل في عداد الوجود الذي يتم الاعتراف بكينونته، لكن يظل مع ذلك بعيد المنال. ولعل هذا ما يفصل بين الموضوع الفلسفي الذي يهتم بالأسس الأنطولوجية، والسيميائي الذي يوجه إلى تحليل وبناء الشروط القبلية للوجود السيميائي.٦٤

وبما أن نمط الوجود السيميائي يكون واقعيًّا ومتخيلًا في الآن نفسه، فإن انتقال التحليل السيميائي من العالم الطبيعي إلى عالم الأحاسيس، أي من سيميائيات الفعل إلى سيميائيات الحالات العاطفية يتم دائمًا من خلال دراسة ما ينتجه الجسد الإنساني في محيط علاقاته بالعالم. يؤكد غريماس (وفونطانيي) على ذلك بقوله: «إن توسط الجسد، بما أن خاصيته المميزة وفاعليته تكمن في الإحساس بعيدة عن أن تكون بريئة: إنها تقوم، خلال عملية تناغم الوجود السيميائي، بإضافة مقولات إحساسية ذاتية thymiques تشكل بمعنًى ما «عطره» الانفعالي ويضفي طابع الحساسية (…) على عالم الأشكال الإدراكية التي ترتسم فيه. ويمكننا، من باب الافتراض، أن نعتبر أن سيرورة التناغم هذه التي يقوم بها الجسد — بنتائجها الانفعالية والحساسة — تطال كل العوالم السيميائية مهما كان نمط تمظهرها؛ إذ لا شيء يدعو إلى التفكير بأنها لا تخصُّ غير الألسن الطبيعية. (…) فصور العالم لا يمكنها أن «تؤسس بالمعنى» إلا عن طريق التحسيس sensibilisation الذي يفرضه عليها توسط الجسد».٦٥

إن هذا يعني أن العالم لا يتحوَّل إلى معنًى إلا بتوسُّط الجسد، وأن الجسد يشكِّل شرطًا لتكونه كلغة؛ لذا فإن السيميائيات لن تهتم بالوسيط وإنما باللغة والمعنى اللذَين لا ينتجهما؛ من ثمَّ فإن دراسة غريماس وفونطانيي، ترتكز نظرها على خطاب الأهواء لا على الوساطة الجسدية، وتهتم بالإحساس بوصفه خطابًا لا بالإدراك؛ لأن عالم الإحساس في الحالة الأهوائية يتجاوز بكثير حدود ما يشكله الإدراك. يكتسي التمظهر الأهوائي طابعًا تمثليًّا، أو بلغة بلاغية، تصويريًّا مبالغًا فيه، فيغدو الجسد، بقدراته التصورية تلك، المركز المرجعي للمسرحية الأهوائية بكاملها. هكذا تنفصم الذات إلى ذات مدركة وذات حاسة، تمكِّن المحلل السيميائي للخطاب الأهوائي من تبرير تخلخل الخطاب، وجذبات الذات التي ترغب في تملك العالم، وإضفاء طابع مجازي وتخييلي عليه.

في دراسةٍ من هذا القبيل تلجأ السيميائيات، في نظرنا، إلى خلق موضوعها الممكن حتى تتفادى «السقوط» في الميدان الذي تتحاشى أن تتداخل معه «الأنطولوجيا»؛ لذا فإن مقولة الإحساس تشكِّل الحد الأدنى الإبيستيمولوجي الذي يتم عليه بناء الموضوع السيميائي: «يقدم الإحساس نفسه بالمرة كشكل للوجود بديهي سابق على كل بصمة وموجود، بفضل تحييد كل أشكال العقلانية؛ فهو، حسب البعض، يتماهى ومبدأ الحياة نفسه. وإذا نحن وضعنا الهوى فيما وراء انبثاق الدلالة، وجعلناه سابقًا على كل تمفصل سيميائي، في شكل «إحساس» خالص، فسيكون الأمر كما لو كنا نمسك بالدرجة الفردية.»٦٦

على الحدود الفاصلة، إذن، بين الإدراك والخطابي — وهي حدود غائمة — يتحدَّد ما يسميه غريماس جسدًا حساسًا. بيد أن التساؤلات التي يطرحها موقع الجسد من عملية إنتاج الخطاب الأهوائي، يجعل الباحث يتردد في ضرورة الاهتمام بهذا الجسد، بما أن موضوع سيميائيات الأهواء يتلخص في دراسة الآثار الخطابية لعملية الإحساس،٦٧ أي خطاب الحسد والغيرة والبخل … إلخ. إن هذا الجسد يظلُّ من هذا المنظور موضوعًا أنثربولوجيًّا وطبيًّا، أو بلغة نظرية أكثر دقة، موضوعًا فيما دون السيميائيات، ولا يُؤخذ بعين الاعتبار إلا في طابعه التوسُّطي، ومن خلال مقولة الحساسية.

أسئلة الجسد والكتابة بين الفينومينولوجيا والسيميائيات

إذا كان الجانب المنهجي البحت ليس هو القاسم المشترك بين التصورات الثلاثة التي حللنا، فإن الجانب المعرفي يبدو أكثر أهمية، خاصة في تصوُّرَي باختين وريكور. فما قام به الأول، منذ زمن، في المستوى الأدبي عمل الثاني على بلورته في المستوى الفكري الفلسفي العام؛ لذا فإن القرابة بينهما كبيرة، وإن كان باختين يسعى إلى إعطاء الجانب المنهجي دورًا محددًا في تناول البطل والشخصية في النص الروائي.

من هذا المنظور، تقترب نظرة باختين مما عمل غريماس على إرسائه من وجهة نظر بنائية شكلانية وتجريدية واضحة، تسعى إلى التصنيف والتأسيس المنهجي النظري. بَيْد أن العمل الأخير لغريماس، بالرغم من انطلاقه دائمًا من منزع كوني وعمومي.٦٨ للسيميائيات واعتماده المستمر على التحليل الداخلي المحايث، يقترب بشكل حثيث من الأسئلة التي تطرحها القضايا الشائكة في النص الأدبي كالحساسية والعواطف، وإن ظل يحتفظ لها بقيمة الموضوع الأدبي فقط.

إن مشكلة سيميائيات شكلانية صارمة من قبيل تلك التي أرساها غريماس، تكمن في إقصائها للذات والتأويل، وإصرارها على نسقية وصلابة البناء النظري، وتجاهلها للمشكلات التجريبية الفردية الخصوصية والطارئة؛ والحال أن شبكة صغيرة وإجرائية من المفاهيم الخصبة قمينةٌ بإحراز نتائج أعمق من نظرية ترزح تحت ثقل مفاهيمها الكثيرة وتضخمها الاصطلاحي.٦٩ غير أن هذا لا ينفي مع ذلك الصلاحية التحليلية التي يمكن أن تكتسبها تلك الخطوات، إذا ما تم إدماجها في نماذج تأويلية دينامية ومتحركة وقابلة لتحطيم أوهامها النظرية إذا ما غدت غير فاعلة. من ناحية أخرى، فإن سيميائيات تعتمد حصرًا على المعطيات اللسانية، وتقصي كل رجوع إلى العلوم الأخرى، ولا تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الذاتية الإدراكية في بلورة الدلالة النصية، لا يمكنها إلا أن تعانيَ من انغلاقها على ترسانتها المفاهيمية والاصطلاحية، وتنتهي إلى نفي العلاقات المتطورة بين الإنتاج والتلقي والتأويل.

من ثمَّ، تغدو هرمينوسيا الذات، كما بلورها بول ريكور، المضمون الفينومينولوجي للتعامل مع الجسد، وتصور باختين منهاجًا لمقاربة النص الأدبي، أما المنظور الغريماسي، فالبرغم من إقصائه للجسد من حقل الدراسة السيميائية، فإن نظريته في الأهواء تمكننا من تحليل العواطف المتصلة بالجسد وَفْق أنموذج سيميائي داخلي، يحتاج إلى تطعيمه بالتأويل الخارجي.٧٠ هذه التركيبة ليسَت مع ذلك وصفة تلفيقية. إنها تخضع في مصداقيتها إلى ما يتطلَّبه التحليل النصي المفرد، من جهة، وإلى خطة تأويلية تبني فاعليتها على الفعل التأويلي للقارئ، والتعليمات التأويلية للنص ونوعية التفاعل بين النصوص.

١  نعتمد هنا التقسيم المقترح من قبل و. إيزر بين الفني الذي يعود للمؤلف، والجمالي الذي يتم إنتاجه في علاقة القارئ بالنص: W. Iser, L’Acte de lecture, op. cit., p. 84.

٢  كما يتوضَّح لدى رولان بارث في مطابقته بين الجسد والمتن. R. Barthes, le Plaisir du Texte, Seuil, Points, 1970, p. 63.

٣  كما يحدِّده إيزر في المرجع المذكور أعلاه، ص٤٧.

٤  دافيد لوبرتون، أنثربولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة م. ع. صاصيلا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٩٣م، ص١٥١.

٥  C. Lefort, “Le Corps, la chair”, in, L’Arc, sp. Merleau-Ponty, Duponchelle, 1990, p. 21.

٦  M. Bakhtine, Esthétique de la création Verbale, Gallimard, Paris, 1980.

٧  المرجع نفسه، ص٤٨.

٨  M. Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Gallimard-Tel, Paris, 1974, p. 107.

٩  P. Schilder, L’Image du corps, Gallimard-Tel, Paris, 1968, p. 35.

١٠  ميخائيل باختين، المرجع المذكور سابقًا، ص٢٩.

١١  نفسه، ص١٠٦.

١٢  نفسه، ص٢٣٧.

١٣  المرجع نفسه، ص٥٠-٥١. من ثمة، تكون الحاجة إلى المرآة التي لا تمنح الجسد إلا معكوسًا، ولا تقدمه إلا بشكل ظرفي عابر، وكذا بشكل متخيل. انظر: M. Le Bot, “Miroir du corps”; in: Traverse, N° 14-15, Minuit, Paris; 1979, p. 43.

١٤  المرجع نفسه، ص٥٥.

١٥  E. Levinas, Ethique et infini, Fyard, Paris 1982, p. 82.
حيث يقول: «الوجه والخطاب مترابطان أَمْتن الترابط، إنه يتكلم. وهو يتكلم باعتبار أنه هو الذي يمنح الإمكان لكل خطاب.»

١٦  باختين، المرجع المذكور آنفًا، ص٥٥.

١٧  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

١٨  M. Merleau-Ponty, Phénoménologie …, op. cit., p. 145.

١٩  باختين، المرجع المذكور، ص٥٩.

٢٠  ميرلوبونتي، المرجع المذكور سابقًا، ص١٥٤–١٩٢.

٢١  باختين، المرجع المذكور، ص٦٧.

٢٢  E. Lévinas, Ethique et infini, op. cit., p. 32.
وانظر أيضًا: E. Lévinas, Le Temps et l’autre, Fata Morgana, Montpellier, 1979, p. 21.

٢٣  المرجع نفسه، ص٥٦–٥٩-٦٠.

٢٤  Piera Aulagnier-Spairani, “La Féminité”, in: Le Désir et la perversion, Seuil-Points, Paris 1967, p. 65.

٢٥  باختين، المرجع المذكور، ص٨١.

٢٦  بخصوص جدة الاقتراحات الباختينية يمكن العودة إلى: T. Todorov, Le Principe diallogique, Seuil, Paris, 1981.

٢٧  باختين، المرجع المذكور، ص٧٧.

٢٨  نفسه، ص١٠٤.

٢٩  M. Blanchot, De Kafka à kafka, éd. Gallimard-Idées, Paris, 1981, p. 29.

٣٠  M. Merleau-Ponty, Signes, Gallimard, Paris, 1960, pp. 110-111.
حيث يقول: «إننا نقول بأن فكرة معينة قد تم التعبير عنها، حين تكون الكلمات المتجهة نحوها، والتي تستهدفها، كثيرة وفصيحة بحيث تعين بدون لبس لي، أنا صاحب تلك الكلمات، أو للآخرين، تلك الفكرة، وبحيث نمتلك جميعًا تجربة حضورها الجسدي في الكلام.» ص١١٤.

٣١  ابن منظور، لسان العرب، مادة شخص، حيث تعني الكلمة، فيما تعنيه الطيف والخيال. انظر تحديدها السردي لدى تودوروف: La Poétique, Seuil-Points, Paris, 1968, p. 56.

٣٢  Jaap Lintvelt, Essai de typologie Narrative, op. cit., p. 25.

٣٣  ومن هنا ضرورة نزع الطابع التقني عن عملية الإدراك في النص، ومنحها طابعها الفينومينولوجي.

٣٤  M. Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, op. cit., p. 186.

٣٥  انظر مثلًا بهذا الصدد: C. Kerbrat-Orecchion, L’Enonciation, op. cit., p. 171.

٣٦  J. Derrida, Parages, Galilée, Paris, 1981, p. 261.

٣٧  وهي تجربة تؤكد تعدُّد اختصاص الفيلسوف، واهتمامه بما يحيط به من تطورات فكرية وأدبية وعلمية.

٣٨  P. F. Strawson, Les Individus, Seuil, Paris, 1973.

٣٩  هذا التصوُّر هو الذي يلخصه ديكارت فيما يلي: «وبالشكل نفسه، إذا أنا اعتبرت الجسد الإنساني آلة مبنية ومكونة من عظام وأعصاب وألياف عضلية وعروق وبشرة، ولم يكن فيه أيُّ روح، فإنه لن يتحرَّك كما يفعل الآن.» R. Descartes, Discours de la méthode, suivi des Méditations, éd. 10–18, Paris, 1951, p. 259.

٤٠  P. Ricour, Soi-même comme un autre, op. cit., p. 46.

٤١  المرجع نفسه، نفس الصفحة.

٤٢  انظر بصدد هذا المفهوم: J. F. Lyotard, La Phénoménologie, PUF, col. Que sais-je? Paris, 2è éd., 1956, p. 30.
حيث يقصد بالتعالي نمط استعراض الموضوعات العامَّة.

٤٣  Cf. Ch. Bouazis, Essais de la sémiotique du sujet, éd. Complexe, Paris, 1977.

٤٤  M. Heidegger, Questions I, Gallimard, 1968, pp. 257–308.

٤٥  M. Herny, Philosophie et phénoménologie du corps, PUF, Paris, 1965, p. 12.

٤٦  P. Ricœur, Soi-même comme un autre, op. cit., p. 374.

٤٧  M. Heidegger, Etre et temps, Gallimard, Paris, 1986.

٤٨  P. Ricœur, “L’identité narrative”, in Esprit, 7-8, 1988, p. 269.

٤٩  لأن ريكور يعتبر أن النصَّ الأدبيَّ يغيِّب حضور المؤلف. انظر: بول ريكور، «النص والتأويل»، العرب والفكر العالمي، ع٣، ١٩٨٨م، ص٣٨.

٥٠  P. Ricœur, “L’identité-narrative”, op. cit., p. 167.

٥١  نفسه، ص١٧٧. قارن مع قَوْلة بارث المشهورة: «الراوي والشخصيات هي، على الأقل في تصوُّرنا، كائنات من ورق.» R. Barthes, “L’Analyse structurale du récit”, in Poétique du récit, Seuil/Points. 1977, p. 40.

٥٢  ريكور، المرجع المذكور سابقًا، ص١٧٣.

٥٣  خاصة: P. Ricœur, Du texte à l’action, Seuil, Paris, 1986، ومقالته المذكورة في مجلة: Esprit المذكورة.

٥٤  يمكن القول بأن بول ريكور من الفلاسفة القلائل الذين حافظوا على الأساس الأخلاقياتي éthique لممارستهم الفلسفية (مثله في ذلك مثل ليفناس)، من دون أن يتخلى عن المتابعة الحثيثة للتطورات التي عرفتها اللسانيات والبلاغة والتداوليات، وإدماجها في صلب نظريته للحكاية والتاريخ والتأويل.

٥٥  A. J. Greimas, Du Sens, op. cit., p. 49.

٥٦  المرجع نفسه، ص٥٥.

٥٧  انظر بصدد ذلك: تحليل جاك دريدا في: مواقع، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال، البيضاء، ١٩٩٢م، ص٢٥ وما يليها.

٥٨  غريماس، المرجع المذكور سابقًا، ص٥٥.

٥٩  C. Lefort, “Le Corps, la Chair”, in: L’Arc, spécial: Merleau-Ponty, op. cit., p. 21.

٦٠  M. Mauss, Sociologie et anthropologie, PUF, Paris, 8è éd., 1983, p. 365.

٦١  A. J. Greimas, Du Sens, op. cit., p. 60.

٦٢  المرجع نفسه، ص٧٠.

٦٣  نفسه، ص٨٣.

٦٤  Greimas-Fontannille, Sémiotique des passions, des états d’âmes aux états de choses, Seuil, Paris, 1989, pp. 10-11.

٦٥  المرجع نفسه، ص١٢-١٣.

٦٦  نفسه، ص٢٢.

٦٧  نفسه، ص١٥٧.

٦٨  F. Rastier, Sens et textualité, PUF, Paris, 1989, p. 5.

٦٩  المرجع نفسه، ص١١.

٧٠  F. Rastier, Sémantique interprétative, op. cit., p. 221.

مؤسسة هنداوي

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading