دريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايل
في التحليل الأولي لمعنيَي المحاكاة mimesis، كان من الممكن القول (بعد هيدجر) إن معناها الثاني — ألا وهو إعادة التقديم — مشتق من معناها الأول، ألا وهو الحضور ومظهر الحاضر في ظهوره. ولكن نص مالارمه «محاكاة» Mimique لا يكتفي بتحدي هذا الاشتقاق، وإنما يشوش الفرق بين التقديم presentation والتمثيل representation. ولذا، يسائل نص مالارمه تثمين هيدجر للمعنى الأول في مقابل الثاني، كما يسائل ثنائيةَ الشعر والأدب بمعناه المعتاد، وهي الثنائية المضادة للحداثة عند هيدجر. عندما كتب هيدجر عن هولدرلن، قارَن بين مجرد «النُّسَخ والتقليد» من ناحية و«الصورة الأصيلة» التي تُعد تنويعات منها. الصور الشعرية تحتفظ بقوة فينومينولوجية مميزة. ﻓ «الصورة الأصيلة» «تجعل غير المرئي مرئيًّا، كما تصور غيرَ المرئي بشيء أجنبي عنه» (Poetry, Language, Thought, p. 226). وفي بنية الظهور/الإخفاء هذه، يبرز إلى الوجود شيء. أما في نص مالارمه «محاكاة»، فمن الضروري القول إنه لا شيء يحدث أو يُقدَّم، ويتحدى عمل دريدا «الصورة الأصيلة» بوصفها أثر لعبة المرآة ليس إلا. ﻓ «لا حاضر في الحقيقة يَعْرض نفسَه هناك، كلا ولا حتى في شكل إخفاء نفسه» (Dissemination, p. 230).
وبالنسبة إلى هيدجر، تنطوي اللغة على وظيفة أنطولوجية غير ثابتة في تحقيقها ظهور العالم بوجودها. لذا، تحظى اللغة بامتياز كبير، أقوى فاعلية في الشعر، حين تتيح معنى الوجود، حتى لو كان هذا المعنى بنية مركبة مراوغة كبنية الإخفاء/الكشف التي ناقشناها من قبل.١٠ وأما بالنسبة إلى دريدا، فإن الطية:
«لا توجد في الحاضر، فهي لا تنطوي على معنى حَرْفي يلائمها، ولم تَعد تُولَد من المعنى بحد ذاته، أي المعنى بما هو معنى الوجود. الطية تجعل نفسها متشعبة وليست طية واحدة» (Dissemination, p. 229).
وذلكم يفضي إلى جعل الأدب littérature شيئًا لا يمكن إخضاعه لأي ميتافيزيقا أو فلسفة أدب literature محتملة. وتُعد مناقشة دريدا المناهضة للنقد الثيماتي، في مقاله «جلسة مزدوجة»، أساسًا مألوفًا نسبيًّا، ومن الممكن الحديث عنها بإيجاز هنا. إذا كان الأدب ينأى بجانبه حقًّا عن الوجود، وإذا كان لا شيء يُقدَّم ببساطة في بنية لعبة التمثيل الصامت، فإن تحديد مادة الموضوع في النص الأدبي تتقوض بالضرورة لسببين؛ الأول: لا ينجح مثل هذا التحديد إلا بتجاهل البعد الأدبي في النص على وجه التحديد. والثاني: يغدو هذا التحديدُ، بأفقه القاصر، فعلَ عنف غير علمي بسبب مقاومة المجال المبهم الذي يحتاج إليه المحتوى الثيماتي المحتمل حتى يظهر. «لا توجد ماهية للأدب أو جوهر، كلا ولا حقيقة في الأدب، لا ولا وجود لأدبية الأدب أو وجود أدبي» (Dissemination, p. 233).
وتظل إعادة كتابة دريدا ﻟ الشعر أبعد من مجرد تناوله حالة مالارمه الخاصة في نصه «محاكاة». ولعل ما لا يثير الدهشة أن تزودنا مقالات هيدجر بنقطة النقاش الرئيسية هنا.
«اللغة في حد ذاتها شعر بالمعنى الجوهري» (Poetry, Language, Thought, p. 74). لقد صارت هذه العبارة المقتبسة من «أصل العمل الفني» (١٩٣٥م) مألوفة. ومع ذلك، ما حالة هذه العبارة نفسها؟ من الواضح أنها ليست عبارة شعرية. وأي تفكير في قضية الفرق بين لغة المفكر ولغة الشاعر لا بد أن يصطدم، في النهاية، بقضية حالة لغة هيدجر في أعماله. وفضلًا عن ذلك، تُعد لغته وسطًا (إذا كانت هذه هي الكلمة المناسبة) لا ينفتح سؤال الوجود إلا من خلاله.
ولا مفر من الاعتراف بفضل كتاب إيراسموس شوفر «عن لغة هيدجر» (١٩٦٢م)١١ عند التفكير في مسألة نصية أعمال هيدجر. إن محاولة الإنصات إلى معنى الوجود (على نحو ما هو حاصل ﻟ «المعنى» الذي أوجدته قصيدة توملينسون «قصيدة») لا تلائم الإجراءات المنطقية المعتادة في النقاش. يحلل شوفر استعمال هيدجر غير العادي للغة، لا سيما «دَوَر الحُجج»، والألفاظ المتناقضة، والإطناب … إلخ، ومن ثَم، يفتتح كتاب شوفر نوعًا من الأعمال الأكثر إلحاحًا بشأن هيدجر: صياغة «بلاغة» الشعر بقدر ما تحاول لغة المفكر الدخول إلى هذا الجوهر الشعري في اللغة. وطبقًا لمناقشتي في الفصل الأول، لا مفر من فصل «البلاغة» فصلًا واضحًا عن الإيحاءات المتعارف عليها؛ إذ لا تنشغل هذه البلاغة بصياغة مجازات لغوية للإقناع، لأنها لا تعبِّر عن ذاتية. ستنطوي «البلاغة» بالأحرى على حركة إيقاعية — وُصِفت في الفصل الأول من الكتاب بين يدي القارئ — تتعلق باللغة من حيث هي طريقة استملاك متبادل، فاعلة في «عبارات مفتاحية» عند هيدجر من قبيل: «اللغة منزل الوجود»، «الزمن يتزمن»، «المكان يتماكن»، «وجود اللغة: لغة الوجود». أما المجال الذي يمكن فيه رسم المعالم الأكمل لهذه البلاغة المفترضة فهو مجال «الاستعارة»، كما هو حاصل على الأخص في كتاب بول ريكور «وظيفة الاستعارة» (١٩٧٥م)،١٢ وبطريقة أشمل في مقال دريدا «انسحاب الاستعارة» The Retrait of Metaphor (١٩٧٨م).
إن عبارة هيدجر المفتاحية المتكررة في أعماله — «اللغة منزل الوجود»١٣ — ليست عبارة استعارية بأي معنى متعارف عليه. فالمرء لا يفهم ببساطة غير المعروف (الوجود) عبر مقارنته بمعروف (المنزل)، إذ لا يغدو الوجود أكثر «تعينًا» أو «مباشَرة» من خلال علاقته بالمنزل. وأما الوجود بمفرده فيعطي ألفة المنزل بوصفها مادة للفكر، على قدر فعاليته بوصفه قوة اللغة الاستملاكية. غير أن ذلك لا يعني القول إن العلاقة «الاستعارية» بين المنزل والوجود علاقة مقلوبة ببساطة، بمعنى أن الوجود هو ما يتحدث عن المنزل وينيره. ولا يكاد الوجود يغدو أقل غرابة من خلال عملية لغوية غريبة يعمل على أساسها الاستملاك في لغة — إذا جاز القول — تُحمَل على التعلق بنفسها. وأما العبارات الإطنابية الواضحة ببساطة — من قبيل «اللغة لغة»، «المكان يتماكن»، «الزمن يتزمن» — فلَسوف تلعب أيضًا دورًا ضمن حدود طريقة «إيقاع» الاستملاك الغريبة على نحو أوضح قليلًا في عبارة «اللغة منزل الوجود».
ولكن مقال «انسحاب الاستعارة» لا يقتصر على تقديم شرح بسيط لهيدجر؛ إذ يثير أسئلة بعينها — لا سيما المتعلقة بالنصية — على نحو تزداد معه صعوبة استيعابها في عبارات هيدجر عن اللغة. وبدايةً، يتحرك دريدا في هذا الاتجاه بتأكيده المفارقة الناشئة عن الاحتواء المتبادل بين «الاستعارة» و«الميتافيزيقا»، متخذًا نقطة البداية حجة هيدجر القائلة إن «الاستعارة» لا توجد إلا ضمن حدود الميتافيزيقا وفَهْمها الأداتي للغة.
وثمة نقطتان تفرضان نفسهما؛ الأولى: ما دامت الميتافيزيقا ممتدة تاريخيًّا امتداد نسيان الوجود، أفلا يمكن القول إن كل التعبيرات التي تُعيِّن بها الميتافيزيقا وجود الموجود، فتحدده بوصفه الكائن الأعلى والعلة الأولى … إلخ، هي تعبيرات استعارية؛ بمعنى أنها لا تدخل إلا في علاقة مجازية مع ما تمثله (وتخطئ في تمثيله)؟ ثانيًا: وبرغم ذلك، لا بد في الوقت نفسه من تأكيد أن كلمتي «مجازي» و«استعاري» تظلان غير ملائمتين تمامًا، إذ تنتميان إلى العالم الميتافيزيقي نفسه الذي صُمِّمَتَا لتعيين حدوده. إن الوجود من حيث هو لا شيء، لا يوصف حَرْفيًّا، كلا ولا استعاريًّا: «إن الوجود لكونه لا شيء، أي ليس كونه وجودًا، لا يمكن التعبير عنه أو تسميته بطريقة أشد مجازية» (The Retrait of Metaphor, p. 21). والبنية الإيقاعية الموصوفة أعلاه المتعلقة بما يبدو أنه حالة «استعارية» في عبارة «اللغة منزل الوجود»، لا بد من ثَم أن تكون مركبة. وحين يُقر أحدنا بالدرجة التي تؤثر بها تحولات اللغة في الدخول إلى حضور اللغة نفسها، فلا مفر مع ذلك من إقرار أن حركتها غير الملائمة تشهد أيضًا نوعًا من ازدواج الاستعارة.
«ولأن هذا الانسحاب الاستعاري لا يترك مجالًا خاليًا لخطاب الحقيقي الشرعي السليم والسالم proper؛ أو الحَرْفي literal؛ فلَسوف ينطوي في الوقت نفسه على معنى الطي من جديد re-fold (re-pli)، على معنى ما يتراجع كموجة على الشاطئ، معنى الرجْعة re-turn (re-tour)، معنى التكرار المفرط لسمة تكميلية، معنى استعارة أخرى برغم ذلك، معنى سمة ازدواج الاستعارة (إعادة وَسْم/انسحاب re-trait)، وإنه لَخطاب لم يَعد حده البلاغي يقبل التحديد طبقًا لخط فاصل بسيط لا ينقسم، طبقًا للخطية وسمة عدم التحلل أو التفكك» (The Retrait of Metaphor, p. 22).
وستكون الإحالة الأوثق صلة هنا إلى نصية مقالات هيدجر نفسها: إلى اللغة عينها التي في محاولتها إرجاع الصدى — بوصفه صمتًا جوهريًّا وقول الاستملاك المتبادل في اللغة — لا مفر أمامها لعمل ذلك إلا عبر تكاثر النصوص وعبر القول البشري.١٤ وستكون المسألة الملحة هنا مسألة تناهي الوجود، علاقة المتعالي بالتجريبي أو ضرورتها: الحركة بين نص وما يجعله ممكنًا حتى عندما يحاول ذلك النصُّ الحديثَ عنه.
في مقال «جلسة مزدوجة»، يتتبع دريدا ضرورة السمة التكميلية (أي ضرورة المزيد من إعادة التقديم re-presentation حتى في التقديم presentation نفسه) من خلال فكرته اللافتة عن «إعادة الوَسْم» re-mark، وهي فكرة تُسمِّي الطريقة التي يجري بها طي مفهومي المحاكاة أحدهما في الآخر طيًّا يتجنب التعلق بتصورات الحقيقة سواء أكانت ملاءمة أم أليثيا (Dissemination, p. 193). وفي مقال «قانون النوع» (١٩٧٩م) توصف إعادة الوَسْم بمزيد من التدقيق عند الحديث عن إجراءات النقد الأدبي. ولعله يمكن مؤقتًا تعريف إعادة الوَسْم بأنها واسِم تكويني. ويُعرِّف مقالُ «قانون النوع» إعادةَ الوسم بأنها عنصر في النص يميزه بقابلية القراءة والمقروئية بوصفه نصًّا من هذا النوع أو ذاك، علاوة على وظائف التمثيل أو الدلالة. وهكذا، فإعادة الوسم ضرورية للغاية، ومؤسِّسة لما ندعوه فنًّا أو شعرًا أو أدبًا.
«ويمكن أن تتخذ إعادة الوسم هذه عددًا كبيرًا من الأشكال، ويمكن أن تتعلق في حد ذاتها بأنواع متباينة للغاية. ولا يلزم أن يكون تعيينًا أو «ذكرًا» للنوع الموجود أسفل عنوان بعض الكتب (رواية، سرد، دراما)» (The Law of Genre, p. 211).
وتتخلل إعادةُ وسم النص هذه، بحكم الضرورة، كليةَ النص الذي نقرأه بوصفه كذا أو كذا. فهي ضرورية دائمًا، ما دامت مقروئية النص ممكنة، ولا يلزم أن تكون صريحة.
وكما ناقشت أعلاه، يهتم الشعر ببنية الاختلاف الأنطولوجي التي تصبح الأشياء بواسطتها حاضرة بحد ذاتها أو بوصفها كذا as such. ويسكن الشعر بل يؤسِّس تلك اﻟ «بوصفها» as. ومن الممكن أيضًا فَهْم إعادة الوسم عند دريدا على أساس أنها تهتم بهذه اﻟ as. فتمييز نص بوصفه as نصًّا من نوع بعينه وبوصفه قابلًا للقراءة، يدل على إمكان القراءة أو المقروئية أو التجربة نفسها القابلة للإفصاح. غير أن ميزة إعادة الوسم أو خصوصيتها تكمن في علاقتها بما تُعيِّنه:
«ولنضرب مثلًا بتسمية «الرواية». فهي ينبغي أن تُوسَم بطريقة أو أخرى، حتى لو لم يظهر الوسم … بصورة صريحة في عنوان جانبي يحدد النوع، وحتى لو ثبت أنها تسمية مضللة أو ساخرة. هذه التسمية ليست روائية، فهي لا تشارك كليًّا أو جزئيًّا في الجسم الذي تسميه، كلا وليست دخيلة بكل بساطة على هذا الجسم» (The Law of Genre, p. 212).
إن إعادة الوسم، وهي تَسِم نصًّا بوصفه كذا أو كذا، تؤسس «سمة تكميلية وتمييزية؛ علامة انتماء أو احتواء لا تنتمي حقيقةً» إلى ذلك الذي تقدمه: «إعادة وَسْم الانتماء لا تنتمي» (The Law of Genre, p. 212). وفي حالة عدم الانتماء هذه، لا مفر من القطيعة مع تثمين هيدجر ﻟ الشعر. والأكثر من هذا أن الاضطراب أو التفكك الذي يجلبه دريدا إلى بنية اﻟ «بوصفه» as يجسد تصوره ﻟ الأدب من منظور «اتجاهات بعينها تعمل حول حدود مفاهيمنا المنطقية».١٥
ويبقى أن نعود إلى قصيدة «قصيدة» للمرة الأخيرة، حيث يمكن طرح الأسئلة المتعلقة بإعادة الوسم وإيضاح معناها. وعلى الفور، يلاحظ القارئ المقروئية النسبية في مفتتح النص وعنوانه:
قصيدة
مكان
نافذة
تنظر إلى نفسها
يتواجهان
كلاهما و
بكل طريقة
يتألف النص من سلسلة إسنادات، تسقط — إذا جاز التعبير — من أعلى الصفحة في عمود رأسي، وذلك على النحو الذي يتسع معه «المكان — الإيقاع» (s)pace مع كل سطر جديد. غير أنه كما لاحظنا من قبل، تجد السلسلةُ رأسَها في العنوان ذاته — «قصيدة» — بالقدر نفسه الذي يغدو معه «المكان» هو الإسناد الأول في سلسلة إسنادات الشعر. وبطبيعة الحال، تؤثر هذه البدائل في كل شيء آخر في القصيدة.
وكما ناقشنا في الفصل الأول، من الممكن قراءة القصيدة باعتبارها مؤثرة تأثيرًا غير عادي في علاقتها ﺑ «القول»؛ أي هيئة اللغة بوصفها عرضًا استملاكيًّا يتجاهل نفسَه تمامًا ليُحرر ذلك الذي يُعرَض، فيَظهر في ظهوره الأصيل» (On the Way to Language, p. 131). ويبدو أن نص «قصيدة» يؤكد اللغة بوصفها شعرًا لا بوصفها تمثيلًا لأي كيان ظاهر: يؤكد اللغة بوصفها عالَم الظهور نفسه. أما النقطتان الرأسيتان في المقطع الشعري التالي فتنشغلان، على وجه الدقة، بالاستملاك في اللغة نفسها:
نقطتان رأسيتان
بين تفاحة خضراء:
وفازة خضراء
وكما يظهر الآن، لا يتخذ هذا الوصف هيئة مثالية، حتى عندما يحاول التطابق مع كل ما يكون أشد مراوغة في تصور هيدجر ﻟ الشعر. يوجد ضرب من إعادة التقديم، ولا بد من إدراكه — على نحو فيه مفارقة — بوصفه شرطًا لأي تقديم أو عدم خفاء مؤثر في كلمات نص «قصيدة». وتتكرر هنا بعض الحركات النصية المتبعة في نص مالارمه «محاكاة»، ولكنها تتكرر بطريقة تسمح بقدر من التعميم فيما يخص علاقة الأدب littérature بالأدب literature.١٦ إعادة الوَسْم المقروءة بوصفها القراءة البديلة المحتملة التي من شأنها أن تتضمن العنوان في أعلى النص، تُغلف مشهد الأليثيا، كما يجب أن تُغلف المقروئيةُ نفسُها اللغةَ في قوتها الإيحائية. وعلى سبيل المثال، يمكن مقارنة النقطتين الرأسيتين في المقطع الشعري الثالث بالنقاط الرأسية التي يناقشها هيدجر عند بارمنيدس أو التي توجد في عباراته المفتاحية من قبيل: «وجود اللغة: لغة الوجود».١٧ الاختلاف نفسه هو الذي يُعاد وسمه: ذلك اﻟ «بين» الذي يؤدي إلى ظهور العالم والشيء، الوجود في الموجود، ولا يوجد منفصلًا برغم ذلك عن الذي يؤدي إليه. وستكون النقطتان الرأسيتان علامة على هذا الاقتران بوصفه انشطارًا واستملاكًا وتجريدًا من الملكية. ولكنَّ النقطتين الرأسيتين من حيث هما علامة من علامات الترقيم (:) ليستا مؤثرتين فحسب في نص «قصيدة»، وإنما تتسميان في القصيدة (colon) أيضًا، كما تتسميان في كل تعليقات هيدجر، وإن بطريقة تفترض دومًا إعادة وسمهما من جديد بوصفهما أمرًا طارئًا على الاستملاك نفسه. وذلكم ليس مجرد مسألة سيكولوجية: أن أحدنا لن ينتبه إلى اللعبة الاستملاكية ما لم يقم هيدجر ﺑ إعادة وسمها في تعليق أو قراءة. كلا وليست إعادةُ الوسم التي يظهر بواسطتها الشعر بوصفه مُمثلًا، سمةً نوعية لنصوص كنص «قصيدة» أو نص مالارمه «محاكاة». إعادة الوسم سمة ضرورية لأي نص، وتؤسس النصيةَ بحد ذاتها. وإلى هذا الحد، لا تكتفي إعادة الوسم بكونها حالة الشعر الذي يظهر مُمثلًا، وإنما هي أيضًا حالة الشعر الذي يقيم في نوع بعينه من إعادة التقديم لكي يظهر.
وعلى نحو فيه مفارقة، من الممكن الإلماح إلى أن قصيدة «قصيدة» تقدم سبيلًا يمكن معه مساءلة فَهْم هيدجر للشعر، وعلى وجه التحديد في مداه الذي بدا معه جليًّا ظاهرًا أو ملائمًا لإنشاء مثيل له. أما تأثيره في إبراز قدرة اللغة على العرض أو الإشارة — بينما يكاد ألا يُعرَض أو يُكشَف أي شيء سوى عدم الخفاء نفسه — فلا يُعد شيئًا إن لم يكن إعادة وَسْم. ما من مظهر غير وسيط في اللغة، عدا الدرجة التي تتأثر فيها مرحلة الظهور نفسها بضرورة إعادة التقديم.
ولعله من المناسب، هنا، الرجوع إلى محاورة هيدجر «محادثة على طريق القرية بشأن الفكر»، وإعادة فتح مسألة طبيعة الحوار الهجينة. ما الذي يَحول دون استبعاد هذا الحوار بحجة أنه تفاعل خيالي بين شخصيات خيالية؟ من الواضح أن الحجة ليست سوى أن اللغة نفسها التي تكشف عن نفسها، في حركة التفاف الحوار على الحوار، موجهةٌ بالتساؤل عما يسميها. ومن ثَم، تشكل قيود هذا التوجيه تمييزًا دقيقًا، بل حاسمًا تمامًا، بين (مجرد) الخيال وتقدم اللغة المنضبط في الحوار بدرجة كبيرة. أما سلطة النص الكلية — بتجسيدها شكلًا جديدًا من التماسك — فهي تكمن هنا. ومع ذلك، وكما توحي قصيدة «قصيدة»، ينشغل السؤال الموجه ضد هيدجر بالضرورة التي بواسطتها تقتضي حركةُ اللغة نحو «ذلك الذي يأخذ نطاقًا» شكلًا من الخيال أو ضربًا من التمثيل لكي تصبح نافذة المفعول. يحتاج الحوار إلى سوء استعمال catachresis في عبارة من قبيل «ذلك الذي يأخذ نطاقًا» that which regions أو كلمة «الانتظار» the wait، حتى عندما تقدم نفسها بوصفها إعادة استملاك جوهر اللغة التي ستجعل التصورات المتعارف عليها للاستعارة غير ملائمة في العمل نفسه الذي تقوم به مثل هذه العبارات المنتشرة في بناء الحوار.
لذا، ليس من الدقيق تمامًا وصف الشعر — كما فعل هيدجر — بأنه القول الذي ستكون الاستجابة الصحيحة له إنصاتًا فينومينولوجيًّا سيحاول صيانة ما يعطي نفسَه قبل أي صياغة مفاهيمية. وإذا كان الشعر ينطوي في داخله على ضرورة كونه مسموعًا، فعندئذٍ سيكون «الإنصات» مصطلحًا أقل دقة من «القراءة» في وصف عنصر العلاقة ﺑ الشعر. ثم أَلَن يكون هذا أيضًا دلالة على «سمة الإكمال» التي حللها مقال «انسحاب الاستعارة»؟ والأكثر من هذا، من دون إعادة الوسم بوصفها احتمالًا أساسيًّا في اللغة، لا يمكن أن توجد أليثيا (= كشف)، كلا ولا تقديم:
«إعادة وسم الانتماء لا تنتمي؛ إنها تنتمي من دون انتماء، واﻟ «من دون» without (أو اللاحقة “-less”) التي تربط الانتماء بعدم الانتماء لا تظهر إلا في زمن طرفة العين اللازمني [Augenblick]. ولحظة انغلاق الجفن هي بالكاد لحظة بين لحظات، فما ينغلق حقًّا ويقينًا هو العين، والرؤية، وضوء النهار. ولكن من دون هذه المهلة، لن يظهر شيء» (The Law of Genre, p. 212).
ما لا يمكن تجنبه ليس في الأساس اللغة المتعارف عليها، عمومًا، بوصفها تمثيلًا يعكس عالم الأشياء عكسًا مرآويًّا، كلا ولا حتى اللغة بوصفها تقديمًا، بل الأحرى إذا جاز القول المرآةُ التي تواجه الداخل في إعادة الوسم قائلةً: «هذا هو نص من نوع كذا أو كذا». ذلكم هو الشرط السابق لتَرْك اللغة تُوجَد، بالمعنى الذي يطلبه هيدجر: «الترْك — الحقيقة التي ترفع الستارة الحاجبة — يُنظَّم بالفعل وفقًا لمرآة» (Dissemination, p. 314). وعلى نحو مشابه، بقدر ما تَتخلل إعادةُ الوسم النص كله أو أي ظاهرة — بوصفها قابليته للقراءة — تؤشر أيضًا على شيء تأسيسي (نقضي) (de)constitutive لا ينقاد لوظيفة إحالية أو فينومينولوجية.
والعديد من حركات الإحالة المميزة المتداولة في مقال «جلسة مزدوجة» تعمل بالفعل في الأقسام الأولى من كتاب «في علم أنساق الكتابة»، لا سيما في القسم المخصص لمسألة الدلالة ومكانتها في أعقاب عمل هيدجر. يلخص دريدا في هذه الصفحات الطريقة التي لا يصير بها الوجودُ — بصفته هدية الحضور — ثيمة بسيطة في أي لغة، فيقول دريدا إنه لا بد من إزاحة مفهوم التمثيل:
«إن إخفاء معنى الوجود — وهو إخفاء ضروري وأصلي لا يقبل الاختزال — واحتجابه داخل تفتح الحضور وإشراقه … كل هذا يدل بوضوح على أنه ما من شيء في الأساس يفلت من حركة الدال وأن الاختلاف بين المدلول والدال هو لا شيء في النهاية» (Of Grammatology, p. 22-3).
ولكن عدم الاختلاف بين المدلول والدال لا يعني الحضور البسيط لشيء من الأشياء في حد ذاته. فالإخفاء هو الهم في كتاب دريدا «في علم أنساق الكتابة»، والمحاكاة الإيمائية في نص مالارمه «محاكاة». والأغرب أنه ليس حالةً لحضور أي شيء (بالمعنى الأول ﻟ المحاكاة) أو تمثيله (بالمعنى الثاني)، بل شيء بينهما، ليس أيًّا منهما ولا يحتويهما بعد: «ومن ثَم، فما يجري إظهاره ليس الاختلاف بل المختلف والخلافات وخارجية «الحدود» المختلفة القابلة للحسم» (Dissemination, p. 210). ويستعمل دريدا تعبير «غشاء البكارة» hymen لإبراز بعض المفارقات هنا؛ إذ بينما يدل هذا التعبير على التزاوج وما يصحبه من إيلاج، يدل على الغشاء الأنثوي الذي هو دليل العذرية.
وثمة نتيجتان مؤقتتان ها هنا؛ الأولى: أنه لا يوجد شعر بالمعنى الذي يطلبه هيدجر، فما يوجد إلا أثره أو الوَهْم به داخل آلة نصية. وثانيًا — وعلى نحو أكثر استفزازًا ربما: ما من شيء في قصيدة «قصيدة» سوى الشعر. ولا شيء يحدث سوى خشبة المسرح نفسها. والأكثر من هذا وذاك أن هذا (اللا) حدوث يظل عنصرًا ضروريًّا في أي نص أو في «التجربة» نفسها. فما من شيء يُقرَأ سوى المقروئية نفسها، التي تعادل عدم المقروئية. ولا يمكن للقراءة أن تشمل هذا «الأساس» «الذي يجعل من الممكن أن «يوجد» نص، أي قابلية القراءة من دون مدلول (التي سيُقدَّر لها أن تكون عدم قابلية قراءة من خلال انعكاسات الرعب)» (Dissemination, p. 253). إذ وحدها قابلية القراءة هي التي تجعل الأدبي نوعًا بلا نوعية (أو «ليس نوعًا بل كل الأنواع»)١٨ يقف في علاقة شِبْه متعالية مع الأنواع الأخرى رافضًا انغلاقها. ويصوغ دريدا ذلك من منظور اﻟ «كارت بوستال» postcard، مستفيدًا من أن كروت البوستال أو التلغرافات تظل منفتحة على القراءة دومًا بأقل محتوى ممكن:
«ما إن تنقسم الضربة الأولى لحرف على نفسها، في ثانية — ولا بد أن تدعم التقسيم لكي تتعرف على نفسها — حتى لا يوجد شيء سوى بطاقات بريدية، شذرات مجهولة بلا أماكن إقامة ثابتة، بلا مرسَل إليه محدد، حيث تنفتح الحروف كالسراديب».١٩

