الجماليات والحياة -بنس ناناي – ترجمة ياسمين العربي

تمثِّل الجمالياتُ لحظاتٍ خاصة. ولكن هل هذه اللحظاتُ جُزرٌ منعزلة في روتيننا اليومي الممل؟ لا أعتقد ذلك. فيمكنك على سبيلِ المثال المرورُ بما يصل إلى ثلاثِ خبراتٍ جمالية قبل تناول الإفطار إذا كنت محظوظًا.
على الرغم من ذلك، فقد يؤثِّر الفن وكذلك تجاربنا مع جميع الأشياء الجمالية في حياتنا على نحوٍ أكثرَ اعتيادية. فقد يتأثَّر ذوقك في اختيار الملابس بإحدى الشخصيات في فيلمك المفضَّل (ربما دون أن تدري)، وقد تستخدم عباراتٍ تتعلَّمها من مسلسلات كوميديا الموقف. وتشير المصوِّرة الطليعية برنيس أبوت (١٨٩٨–١٩٩١) إلى أن النظر إلى الصور الفوتوغرافية يساعد الناسَ على الرؤية. فالجماليات والحياة متضافرتان على جميع أنواع المستويات.
هل ننظر إلى الحياة باعتبارها عملًا فنيًّا؟
إنَّ أهميةَ الجماليات في حياتنا لا تعني أننا بحاجة إلى اللجوء إلى شعاراتِ المساعدة الذاتية الرخيصة. ومن مثل هذه الشعارات، فكرةٌ مؤثِّرة تحظى بشعبيةٍ مذهلة تقول إننا يجب أن نحوِّل حياتنا إلى عملٍ فني، أو أن نتعامل معها على أنها عملٌ فني. وأنا أريد أن أوضِّح مدى اختلافِ ما أقوله عن هذه الفكرة.
لقد أيَّد جميع أعلام الحداثة «الغربية» شكلًا من أشكال هذه الاستعارة، بدايةً من يوهان فولفجانج فون جوته (١٧٤٩–١٨٣٢)، وفريدريك نيتشه (١٨٤٤–١٩٠٠)، إلى مارسيل دوشامب (١٨٨٧–١٩٦٨). وقد استمتع روبرت موسيل (١٨٨٠–١٩٤٢)، الروائي النمساوي، مؤلِّف رواية «رجل عديم الصفات» بالسخريةِ من هذه الأشكال من نصائح المساعدة الذاتية، ونرى هذا في عبارته:
أيُّ نوع من الحياة يجب على المرء أن يظل يملؤها بثقوبٍ تُسمَّى ﺑ «الإجازات»؟ هل كنتَ ستَحفِر ثقوبًا في إحدى اللوحات لأنها تتطلَّب الكثير منَّا لتقدير جمالها؟
إذا أنعمتَ النظر، يمكنك أن ترى كيف كان من الممكن أن يكون لفكرةِ النظر إلى الحياة باعتبارها عملًا فنيًّا بعضُ الوجاهة في القرن التاسع عشر، عندما كان للأعمال الفنية بنيةٌ كُليةٌ متماسكة. يمكنني أن أرى أن البعض يسعَون جاهدين إلى تحويل حياتهم إلى رواية لجين أوستن (١٧٧٥–١٨١٧) لها بداية، ووسط، ونهاية، بهذا الترتيب، ولها إطارٌ متماسك غالبًا ما يكون في حالةِ حركةٍ دائمة، يربط بين هذه المراحل. غير أن تحويلَ حياتك إلى روايةٍ لمارجريت دوراس (١٩١٤–١٩٩٦)؛ حيث لا يحدُث شيء حرفيًّا، أو إلى رواية لروبرتو بولانو (١٩٥٣–٢٠٠٣)، حيث لا تحدُث سوى الأشياء المروِّعة، سيكون مغامرةً مريبة للغاية.
المشكلة الأعم هي أن الفن أصبح مشابهًا للحياة إلى حدٍّ بعيد. لقد كان الشعار العام الذي اتخذَته الحركاتُ الفنية في نصف القرن الماضي أو نحو ذلك (على الأقل منذ ظهور حركة الفلوكسس وفن البوب) أن الفن ينبغي ألا يُفصَل عن الحياة. لذلك وإذا أصبح الفن مشابهًا للحياة، فتحويل حياتك إلى عملٍ فني سيصبح بلا معنًى، أو سيكون مفارقةً تاريخية لا تتلاءم مع المفاهيم الحالية عن الفن والواقع. لم يقتصر على ذلك، بل ظهر أيضًا نوعٌ فرعيٌّ من الفن المرئي يقطع فيه الفنان ثقوبًا فعلية في صوره، مما يجعل مقولةَ موسيل أكثرَ طرافة.
لكن ربما لست خيِّرًا بما يكفي. ربما لا تتمثَّل الفكرة الرئيسية في أن حياتنا يجب أن تتحوَّل إلى عملٍ فني، بل أن يكون موقفنا تجاه الحياة مشابهًا لموقفنا تجاه الأعمال الفنية.
هذا النهج لا يخلو من أبطاله المتبنِّين له أيضًا. يكتب ألبير كامو (١٩١٣–١٩٦٠) في روايته التي لا تحظى بشهرةٍ كبيرة، «موت سعيد» (١٩٣٨): «على غرار جميع الأعمال الفنية، تتطلب الحياة أيضًا أن نفكِّر فيها.» مقولةٌ جميلة من سطرٍ واحد، لكنَّ الإشارةَ إلى الأعمال الفنية هي في الواقع ذرٌّ للرماد في العيون. ثمَّة العديد من الأشياء التي تتطلب أن نفكِّر فيها، من كتبِ الفلسفة، وأخبار البيت الأبيض، واللغز وراء سقوط حذاء سندريلا عن قدمِها رغم أن مقاسه يناسبها تمامًا.
ليست الأعمال الفنية مفيدةً للغاية في هذا الصدد إذن لكي نُشبِّه الحياة بها. وفي حين أن بعض الأعمال الفنية تتطلب بالتأكيد التفكيرَ فيها، فما نوعُ التفكير الصريح الذي ينبغي أن نستجيب له ﻟ «كونشيرتو برادنبرج» (١٧٢١) أو لوحة لموندريان؟ لا تضيف ملاحظة كامو الطريفة أيَّ شيءٍ جديد حقًّا على الشعار القديم «الحياة من دون تجربة لا تستحق أن تُعاش».
يمكن للكثير من الأشياء أن تُوصَف بكونها فنًّا. وهناك الكثيرُ من الطُّرق للتفاعل مع الأعمال الفنية، وليست إحداها أفضلُ بطبيعتها من الطُّرق الأخرى. لذا فإنَّ حثَّنا على تحويل حياتنا إلى عملٍ فني — أو على التفاعل مع الحياة كما لو كانت عملًا فنيًّا — ليس بالأمر المفيد أو ذي المعنى الخاص.
هل نحن متفرِّجون في حياتنا الخاصة؟
ثمَّة طريقةٌ أخرى رائجةٌ من طُرق الربط بين الجماليات وحياتنا، لكني أريد أن أبقى على مسافةٍ آمنة منها. وهي تُعَد من بعض النواحي أحدَ أشكال فكرة النظر إلى حياتك باعتبارها عملًا فنيًّا، لكنها شكلٌ محدَّد جدًّا منها. تتلخَّص هذه الطريقة في أن الموقفَ الصحيحَ الواجبَ اتخاذه تجاه كلٍّ من الحياة والأعمال الفنية هو أن تكون متفرجًا منعزلًا. وقد عبَّر عن ذلك أوسكار وايلد بقوله، يجب أن نصبح المتفرِّجين في حياتنا الخاصة.
كان لهذه الفكرة العامة تأثيرٌ كبير لفتراتٍ طويلة خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ومن الجلي أنَّ العديد من الأعمال الفنية التي ظهرَت في «الغرب» في المائتَي سنةٍ الماضية كانت تسعى إلى هذا التأثير. العديدُ من عظماء الأدب الذين أقتبس منهم في هذا الكتاب (من بيسوا إلى بروست) يؤيدون هذه الفكرة عن التجربة الجمالية. وحتى سوزان سونتاج، التي كانت فيما دون ذلك شديدةَ التدقيق فيما يتعلق بالادعاءات الواسعة الانتشار حول الفن، تساير التيارَ عندما تقول إن «كل فنٍّ عظيم يحُث على التأمُّل؛ التأمُّل النشِط».
من مزايا النظر بجِدية إلى دَور الانتباه في الخبرة الجمالية أنه يُمكِّنُنا من تفسيرِ ما جعل هذا النوع من الخبرة التأملية المنعزلة استعارةً مركزية وإن لم تكن سِمةً ضرورية لجميع التجارب الجمالية. يمكن وصفُ نوع التجربة الذي تتحدَّث عنه سونتاج، أو بروست، أو بيسوا بالانتباه غيرِ المُقيَّد الذي يهيم بحريةٍ مستكشفًا سِمات العمل الفني.
وكما رأينا، فإنَّ هذه الطريقةَ في توجيه انتباهك تُفسِّر شكلًا تاريخيًّا وجغرافيًّا محددًا للغاية من الخبرة الجمالية، والذي يتداخل بدرجةٍ لا بأس بها مع نوع الخبرات المصنَّفة على أنها عمليةٌ من التأمل. لكن هذا لا يزال نوعًا واحدًا من أنواعِ الخبرة الجمالية، بغَض النظر عن مدى تأثيره في أوروبا، في النصف الأول من القرن العشرين على سبيل المثال. فليس من الضروري أن تكون الخبرة الجمالية منفصلة، ولا تحتاج إلى أن تكون تأملية، ولا يلزم أن تنطويَ على انتباهٍ غير مُقيَّد.
أصبح العديدُ من المؤيدين لفكرةِ أن نكون متفرِّجين في حياتنا كثيري التشكُّك في هذا المفهوم لا سيما على ضوء الأحداث السياسية التي حدثَت في ثلاثينيات القرن العشرين. كتب الروائي الفرنسي أندريه جيد (١٨٦٩–١٩٥١) في مذكِّراته عام ١٩٣٤، بعد عام من صعود هتلر إلى السلطة، أن «مَن يبقى متأملًا اليوم لديه فلسفةٌ لا إنسانية أو عمًى وحشي».
يبدو بصورةٍ أعمَّ أن التركيزَ على التأمُّل يتعارض مع العناصر السياسية التي لا يمكن إنكارها في الفن. غالبًا ما يُنظر إلى التأمُّل على أنه أمرٌ لا سياسي، وغالبًا ما يُنظَر إلى تفضيله على النشاط السياسي، في الأوقات العصيبة، بعين الشك.
وبغَض النظر عن طريقةِ تفكيرنا في الجماليات، ينبغي ألا نزيلَ السياسة تلقائيًّا من مجال الجماليات، وألا نزيل الجماليات من مجال السياسة. صحيحٌ أنَّ التركيز على التأمل يؤدي بسهولةٍ إلى نوعٍ من المعارضة الحادة للسياسة والجماليات، لكنَّ أي معارضة من هذا القبيل ستكون غير دقيقة تاريخيًّا ونفسيًّا.
على العكس من ذلك، فإن الأفعال الجمالية كانت، ولا تزال، أداةً مهمة للأفكار السياسية. وهذا في الواقع جانبٌ مهم في البُعد الاجتماعي للجماليات. فمن الخبرات الجمالية التي لا تُنسى في شبابي مظاهرةٌ ضد الاحتلال الروسي للمجر في عام ١٩٨٨، وقد أنشدنا فيها بحريةٍ وعلى نحوٍ غير متوقَّع تمامًا «ليعُد الروس إلى بلادهم» وسطَ حشدٍ كبير دون خوف من أن تتخذ الشرطة إجراءاتٍ صارمة. وكم أحبُّ نظرةَ ستندال إلى هذه الصلة (التي تؤكِّد أيضًا على مفهوم الانتباه): «في الأعمال الأدبية، تكون السياسة أشبهَ بطلقٍ ناري خلال حفلٍ موسيقي. إنها أمرٌ سوقي بعض الشيء، لكنها تجذب انتباه الجميع على الفور.»
ماذا عن تأمُّل حياتك؟ ترتبط فكرة أن الحياة الجيدة تعني وجودَ علاقةٍ تأملية مع حياتنا ارتباطًا وثيقًا مع التركيز على الخبرات الجمالية التأملية. ومن السهل أن نرى إلى أي مدًى يمكن استغلالُ مثل هذا المنطلق بقوةٍ على يد بعض مدارس المساعدة الذاتية الحالية، مثل مدارس إحياء الرواقية/ البوذية أو مدارس اليقظة. لقد رأينا أن الفن المعاصر قد ابتعد عن التأمُّل. ورأينا أن تضاؤل دَور التأمُّل في عالم الفن هو ما جعل من السهل للغاية على مجالِ اليقظة أن يملأ هذا الفراغ.
إن الارتباطَ بين الحياة والجماليات أكثرُ أهميةً ونفعًا بكثير من مجرد فكرةٍ بسيطة عن التأمُّل. يمكن للخبرات الجمالية أن تساعدنا في تجنُّب الشعور بالملل. ويمكنها أن تعلِّمنا طُرقًا جديدة للنظر إلى العالم.
كيفية تجنُّب الملل
تحدَّثتُ عن الدروس الفلسفية التي تعلمتُها من عملي ناقدًا سينمائيًّا. غير أن للعمل في النقد السينمائي جانبًا محبطًا للغاية أيضًا. فالعمل يحتِّم عليك أن تقضيَ الكثيرَ من الوقت مع نقادٍ سينمائيين آخرين امتهَن الكثير منهم هذا العمل عدةَ عقود.
ربما لم أكن محظوظًا، لكني قضيتُ الكثيرَ من الوقت مع نقادٍ سينمائيِّين كانوا ضجرين على نحوٍ لا يُصدَّق. تحدَّثوا (كثيرًا وبصوتٍ عالٍ) عن مقدارِ حبِّهم الجمِّ للأفلام، لكني لم أرَ سوى أثرٍ ضئيلٍ جدًّا على هذا. لقد تذمَّروا بشأن كلِّ فيلم شاهدناه معًا، وحتى تلك الأفلام التي لم يكرهوها تمامًا لم يرَوْها سوى عَبْر زاويةٍ ما يمكن أن يقولوه عنها في مداولات الجائزة أو في مراجعاتهم.
السبب في أنني تخليتُ عن كوني ناقدًا سينمائيًّا وقرَّرتُ أن أعيشَ حياةَ الأكاديميِّين الأقل بريقًا هو أنني لم أرغب في أن أصبح مثلهم. لم أكن أريد أن يصيبني الملل. لم أكن أريد أن أنسى شعورَ أن يلمسني فيلمٌ ما أو غيره من الأعمال الفنية، ويحرِّكني، ويشرح صدري من الأعمال الفنية.
ففيمَ أخطأ هؤلاء الناس؟ كيف أصابتهم التُّخمة إلى هذا الحد؟ إليك مثالًا: روني (ربما يكون هذا هو اسمه الحقيقي وربما لا يكون كذلك). كان روني مثالًا للرجل الإنجليزي، كان معتزًّا للغاية بكونه إنجليزيًّا. كان يكتُب لأحد أهم الصحف البريطانية، وكان لديه أيضًا عملٌ جانبي في معظم وسائل الإعلام المطبوعة العالية الجودة في المملكة المتحدة. لم يكن صغيرًا في السن. كان قد أمضى شبابه في باريس، بين المكتبات والسينمات في ستينيات القرن العشرين بصحبةِ أمثال جين مورو وجان لوك جودار. هذا ما عمَّق كاملَ هُويته كناقدٍ سينمائي فيه؛ لقد كان هناك في هذه الفترة الحيوية والمثيرة في تاريخ السينما، يسكَر مع الممثلين في مواقع تصوير الأفلام التي تُعد الآن من الكلاسيكيات.
أصبحتُ أنا وروني صديقَين مُقرَّبَين على الرغم من فرْق العمر بيننا، وكان ذلك يعود من ناحيةٍ إلى تقارُب أذواقنا في الفن والأفلام بدرجةٍ مدهشة. لكن روني كان يقيس جميع الأفلام المعاصرة على الكلاسيكيات التي كان يعشقها، وهو ليس موقفًا مفيدًا للغاية إذا كنتَ تقضي نصفَ حياتك في دائرة المهرجانات، حيث وظيفتُك هي مشاهدة الأفلام المعاصرة. ولم يكن موقف روني غيرَ معتادٍ على الإطلاق بين نقاد السينما؛ فقد رأيتُ الكثيرَ من التشاؤم الثقافي وتمجيد الماضي في هذه الدوائر. إذا لم يكن بوسع هؤلاء النقَّاد الحصولُ على متعتهم إلا من مشاهدة الأفلام القديمة دونًا عن الجديدة، فربما هم يضيِّعون وقتهم في دوائر المهرجانات. لكن ربما لم يُصابوا بالملل على الإطلاق. ربما هم شاهدوا الأفلام الخاطئة. أو هكذا اعتقدتُ في البداية.
في إحدى الليالي أثناء مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي، وبعد إصدار قرار لجنة التحكيم الذي كان صعبًا للغاية، وتناوُل الكثيرِ من شراب الأماريتو، اعترف روني بأنه لم يعُد يستمتع على الإطلاقِ بمشاهدة أفلامه المفضَّلة القديمة. قال إنه أحيانًا يفهم بعضَ الصلات المثيرة للاهتمام بأفلام أخرى، أو يلاحظ بعضَ الفروق الدقيقة التي يمكنه الكتابةُ عنها بعد ذلك في بعض المراجعات أو المقالات. لكنه لم يعُد يشعر بأي شيء. كان روني شديدَ الاستياء من هذا بالطبع. وأنا أيضًا شعَرتُ بالاستياء.
أدركتُ منذ ذلك الحين أن ما تحدَّث عنه روني ظاهرةٌ واسعة الانتشار إلى حدٍّ ما بين نقادِ الفن المحترفين وحتى بين مؤرخي الفن. فقد عايش إرنست جومبريتش (١٩٠٩–٢٠٠١)، مؤرخ الفن الأكثرُ شهرةً في القرن العشرين على الأرجح، المأزقَ نفسَه. كان يستطيع أن يقدِّم تحليلًا فنيًّا وتاريخيًّا بتناول أدقِّ التفاصيل لأي لوحة ينظر إليها تقريبًا، غير أن الخبرة بأكملها استنفدَت مشاعره تمامًا.
بدأتُ ملاحظةَ أعراض هذه الظاهرة على نفسي بالفعل، وأصابني الرعب. فقد أصبح استمتاعي بمشاهدةِ الأفلام يقلُّ أكثرَ فأكثر، خاصةً عندما كنت أعرف أنني يجب أن أكتبَ المراجعات عنها. ويجب أن أعترفَ أن روني كان رائعًا للغاية في القيام بذلك بعد مشاهدته لفيلمٍ ما؛ فقد كان يمكنه أن يجلس ويكتب عن الفيلم مراجعةً متقنةً رفيعةَ المستوى تتسم بحُسن الاطلاع من صفحتَين في عشر دقائق. لذا، فكَّرتُ أنه ربما يكون الثمن الذي يجب دفعه لكي تصبح ناقدًا سينمائيًّا محترفًا حقيقيًّا هو أن تتوقَّف عن الاستمتاع بالأفلام؟ أرعبني هذا الاحتمال. أيمكن أن يكون ما يُعرف بمتعة الفن أمرًا للهواة فقط؟ هل المحترفون الحقيقيون لا يضيِّعون الوقت في ذلك؟
لا أعتقد أن لديَّ إجابةً جيدةً عن هذه الأسئلة. لكن نصيبي من العمل في النقد السينمائي علَّمني أن أرى ما كان يفعله روني وزملاؤه (وأنا أيضًا، على الأقل لبعض الوقت)؛ كانت لديهم توقعاتٌ شديدة الوضوح والثبات عما كانوا سيشاهدونه عندما يجلسون في دُور السينما.





