مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

تأليه الحاكم في الشرق – إمام عبد الفتاح إمام

Cover of a book titled 'الطاوية' (The Taoism), featuring an illustration of a statue of a man with raised hand, an eye symbol, and figures in front of it, along with symbols of power.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي

(القصص: ٣٨)

«ما من مُستبدٍّ سياسي إلا ويتخذ له صفةً قدسيةً يشارك بها الله، أو تعطيه مقامًا ذا علاقة بالله …!»

(عبد الرحمن الكواكبي

«طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، ص٣٤٤)

أولًا: الحكم الثيوقراطي Theocracy١

من الأفضل أن نستخدم تعبير «الحكم الثيوقراطي» بدلًا من الحكم الديني؛ ذلك لأننا نظلم الدين كثيرًا عندما ننسبُ إليه مثل هذا الحكم المطلَق المتعسِّف، الذي يأخذ برقاب الناس باسم الإرادة الإلهية! فليس ثمَّة دينٌ من الديانات السماوية يذهب إليه أو يتمسك به، وإنما ظهرَت في كل عصرٍ مجموعةٌ من أتباع هذا الدين أو ذلك تلجأ إلى تأويل بعض النصوص الدينية، وتقدِّم اجتهاداتٍ شخصية وتفسيراتٍ ذاتية تمكِّنها من الوصول إلى السلطة، فتكون لها مقاليد الأمور، وهي تستخدم في الأعم الأغلب أحط السبل: كالدسائس، والقتل، والرشوة، واستمالة الأشخاص بالمال أو الإرهاب، والنفاق، والكذب على الله! وسوف نسوقُ نماذجَ كثيرةً من هذه القبيل طوال البحث.

والواقع أن الحكم الثيوقراطي ينشأ عندما ينقسم المجتمع السياسي — كما رأينا من قبل — إلى فئتَين متمايزتَين، حاكمة ومحكومة، ويظهر سؤال: من أين جاء هذا التمايز؟ وإذا كان الحكام بشرًا كالمحكومين، فكيف تكون إرادتهم حرة تحدِّد نفسها بنفسها، بينما إراداتُ المحكومين تخضع لهم وتتقيَّد وتتحدَّد وفقًا لمشيئتهم؟ … كيف نتصور إرادتَين من طبيعةٍ بشرية واحدة ليستا على درجةٍ واحدة، بل إحداهما تعلو على الأخرى؟٢

أبسط وأسرع إجابة هي: لا بد أن يكون الحكام من طبيعةٍ غير طبيعة البشر، هكذا تصوَّر القدماءُ الحاكمَ من طبيعةٍ إلهية؛ فهو إلهٌ على الأرض أو هو ابنُ الإله! ومن هنا جاء سُمو إرادته؛ فهي سامية لأنها إرادةٌ إلهيةٌ عليا، ثم تدرَّج الأمر بعد ذلك إلى أن الله يختار الحاكم اختيارًا مباشرًا ليمارس السلطة باسمه على الأرض.

وعلى ذلك، فإننا نستطيع أن نقول إن التفكير قد اتجه أولًا إلى تأسيس السلطة على أساسٍ إلهي؛ فقيل إن السلطة مصدرها الله يختار من يشاء لممارستها، وما دام الحاكم يستمد سلطته من مصدرٍ علوي فهو يسمو على الطبيعة البشرية؛ وبالتالي تسمو إرادته على إرادة المحكومين، إذ هو منفِّذ للمشيئة الإلهية.٣

ولقد لعبَت هذه الفكرة دورًا كبيرًا في التاريخ، وقامت عليها السلطة في معظم الحضارات القديمة، وأقرَّتها المسيحية في أول عهدها، وإن حاربَتْها فيما بعدُ، ثم استند إليها الملوك في أوروبا في القرنَين السادسَ عشر والسابعَ عشر، لتبرير سلطاتهم المطلَقة واختصاصاتهم غير المقيَّدة.٤

على أن هذه الفكرة قد تطوَّرَت واتخذَت ثلاثَ صورٍ متتابعة هي:

  • (١) في الأصل كان الحاكم يُعد من طبيعةٍ إلهية؛ فهو لم يكن مختارًا من الإله، بل كان الله نفسه. وقد قامت الحضاراتُ القديمة عمومًا في مصر، وفي فارس، وفي الهند، وفي الصين، على أساس هذه النظرية، وكان الملوك والأباطرة يُنظر إليهم باعتبارهم آلهة، وقد وُجدَت الفكرة كذلك عند الرومان الذين كانوا يقدِّسون الإمبراطور ويعدُّونه إلهًا،٥ وإن كان الشرق هو أصلها ومنبعها.
  • (٢) تطوَّرَت النظرية مع ظهور المسيحية، ولم يعُد الحاكم إلهًا أو من طبيعةٍ إلهية، ولكنه يستمدُّ سلطته من الله؛ فالحاكم إنسانٌ يصطفيه الله ويُودعه السلطة، وفي هذه المرحلة تُسمى النظرية «نظرية الحق الإلهي المباشر»؛ لأن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة، دون تدخُّل إرادةٍ أخرى في اختياره؛ ومن ثَم فهو يحكُم بمقتضى الحق الإلهي المباشر.٦
  • (٣) منذ العصور الوسطى، وأثناء الصراع بين الكنيسة والإمبراطور، قامت فكرةٌ جديدة مقتضاها أن الله لا يختار الحاكم بطريقةٍ مباشرة، وأن السلطة — وإن كان مصدرها الله — فإن اختيار الشخص الذي يمارسها يكون للشعب. وبعبارةٍ أخرى ظهر الفصل بين السلطة والحاكم الذي يمارسها؛ فالسلطة في ذاتها من عند الله، ولكن الله لا يتدخَّل مباشرة في اختيار الحاكم، وإن كان من الممكن أن يرشد الأفراد إلى الطريق الذي يؤدي بهم إلى اختيار حاكمٍ معين؛ ومن ثَم فالله يختار الحاكم بطريقةٍ غير مباشرة، ويكون الحاكم قد تولى السلطة عن طريق الشعب بتوجيهٍ من الإرادة الإلهية، أو بمقتضى الحق الإلهي غير المباشر (نظرية الحق الإلهي غير المباشر).٧

سوف نعرض فيما يلي لنماذج من الحكم الثيوقراطي في الشرق القديم، لنرى كيف بدأ نظام الحكم عندنا بتأليه الحاكم، فارتدى الاستبداد منذ البداية زيًّا دينيًّا، ثم انتهى في العصر الحديث إلى تأليه الحاكم أيضًا، حتى لقد أصبح لدينا الاستعداد للركوع أمام الطاغية، على تنوُّع مجالات الركوع واختلاف أغراضها، دون أن نجدَ في السجود شيئًا غريبًا غيرَ مألوف على نحو ما وجد اليونانيون عندما طلب منهم الإسكندر تقليدَ الشرقيين، وانتهَوا معه إلى اتفاق «أن تقتصر هذه العادة الآسيوية على الآسيويين فقط!»

ثانيًا: تأليه الحاكم في مصر القديمة

كان الملك في مصر الفرعونية إلهًا منذ بداية النظام الملكي فيها، ولم تكن هذه الألوهية رمزيةً أو مجازيةً تشير فقط إلى سلطته المطلَقة، ومكانته السامية، بل هي تُعبِّر حرفيًّا عن عقيدةٍ كانت إحدى السمات التي تميَّزت بها مصر الفرعونية، وهي عقيدةٌ تطوَّرَت على مرِّ السنين، لكنها لم تفقد شيئًا من قدرتها وتأثيرها.

فالملك هو قبل كل شيء الإله حورس Horus أو الإله الصقر، وهو أحيانًا إله الشمس «رع»، ويصبح حورس تابعًا له، ويصبح الملك في هذه الحالة هو «حورس-رع» أو يصبح فيما بعدُ «ابن الإله رع» وهو في جميع الحالات إلهٌ بين الآلهة، ويمثِّل البلاد بين الآلهة وتتجسَّد فيه مصر، ويمثِّلها في مجمع الآلهة، وهو من ناحيةٍ أخرى الوسيط الرسمي الوحيد بين الشعب والآلهة، والكاهن الأوحد المعترَف به للآلهة كلها.٨

بل إننا نجد نصوصًا في تمجيد الملك تصفه بأنه في وقتٍ واحد مجموعة من الآلهة وليس مجرد إله بين الآلهة؛ فهو «سيا» إله الإدراك، وهو «رع» إله الشمس، وهو «خنوم» خالق البشر على دولاب الخزاف، وهو «باسنث» الآلهة الحامية و«سخمث» إلهة العقاب، ومعنى ذلك أن «الفهم» والإدراك، والحكم الأعلى، وإكثار السكان، والحماية والعقاب هل كلها من خواص الملك، والملك هو كل واحد منها، «فالملك هو كل هذه الآلهة!»٩

وكثيرًا ما يُقال إن الإله الأعلى «رع» هو الذي نصَّب ابنه ملكًا على أرض مصر؛ ولهذا اتخذ فرعون منذ المملكة القديمة لقبًا هو «ابن رع»؛ فهو الابن الجسدي الذي جاء من صُلب إله الشمس «رع»، ولم يكن أحدٌ يُنكِر ميلاده في هذه الدنيا من امرأةٍ معيَّنة، لكنَّ أباه، مع ذلك، إله؛ ذلك لأن من واجب «رع» الإله الأكبر أن يضمنَ لأرض مصر حكمًا إلهيًّا، ونظرًا لاهتمامه بمستقبل البلاد فإنه كان يتردَّد على الأرض لينسلَ لها حكامها! أما الأب الأرضي، فلم يكن مشكلةً عند المصريين؛ إذ يزعمون أن الإله الأكبر حين ينشُد النسل، فإنه يتخذ شكل الملك الحي، ويهَب له المنيَّ الذي سيصبح فيما بعدُ «ابن رع»، لقد كانت حتشبسوت ابنةَ تحتمس الأول، إلا أن قصةَ ميلادها الإلهي الذي أتاح لها أن تغدوَ فرعونًا لمصر، تدُل دلالةً واضحةً على حصول الاستبدال هنا، وعلى أن الإله الأكبر آمون رع هو أبوها الفعلي؛ فقد وقع اختيار الآلهة على الملكة أمها، وأوصَوا «آمون» بزيارتها وفرعون في أوج شبابه، فاتخذ آمون هيئة تحتمس الأول، وذهب إليها، وضاجعها، ثم أوصاها بأن: «اسم ابنتي التي وضعتُها في جسدك هو حتشبسوت، وهي التي ستقوم بوظيفة الملك!»١٠

وعندما يعتلي فرعونُ العرشَ كان على الناس أن يفرحوا ويبتهجوا؛ لأن أحد الأرباب أُقيم رئيسًا على كل البلاد؛ إذ سوف ترتفع المياه في النيل ولا يهبط منسوبها، ويرافق اسم الملك شارات ترمز إلى «الحياة والصحة والقوة».١١

وحتى بعد الوفاة يبقى فرعون يحدبُ على مصر ويعطفُ عليها؛ ولهذا حق له أكثر من أي إنسانٍ آخر، أن يخلد ذكره ويبقى حيًّا إلى الأبد.

ولا يصبح الملك ملكًا إلا بعد حفلة التتويج، وهي حفلة تتم مراسمها عادة، في مدينة منف، بسلسلةٍ من الطقوس الرمزية والأدعية التقليدية، التي يتم فيها تذكير الناس بتوحيد المملكتَين في شخص الملك، فيدخل بين مصافِّ الآلهة ويصبح مساويًا لهم، ويتسلم خلال التتويج «الصولجان والسوط»، وبعد ذلك ينتصب ناهضًا وعلى هامته تاج الجنوب الأبيض والشمال الأحمر، ثم البشنت Peschent الذي يجمع بينهما، ويجلس على العرش فوق البردي واللوتس، ويدور حول الجدار الأبيض رمزًا لتولِّيه الدفاع عن مصر أُسوةً بالشمس التي تقوم بدورة حول الأرض.١٢

غير أن فرعونَ الذي هو الملك الإله طوالَ حياته، يتحول أيضًا إلى إلهٍ بعد وفاته، ومن هنا فإنه يستحق مناسك العبادة والتكريم الواجبة للملك المتوفَّى، إنه يصعد إلى السماء ليتحد بقرص الشمس ويندمج مع أبيه «رع»، ويصف «برستد» الملك وهو يسبح في السماء، بعد الموت، ليسكُن مع والده إلى الأبد في صفحاتٍ طويلةٍ رائعة وممتعة، حتى يستقرَّ في تلك المملكة العتيدة التي مقرُّها السماء.١٣

وهذا التأليه في الدارَين، الفانية والباقية، ليس من نزوات ملكٍ عاتٍ مستبدٍّ أوجب على رعاياه الخانعين الأخذ بها، وإنما هو عقيدةٌ تنبع عن إيمانٍ ثابت وأكيد بأنه إله، وإلهٌ عظيمٌ دائم الاتصال بالآلهة الكبار، وأن له القدرة على الطبيعة؛ فهو يستطيع السيطرة على ظواهرها ويسخِّرها لما فيه الخير العام والصالح لمصر؛ ولهذا يقول أحد الوزراء: «إن الملك إله تُساعدنا أعمالُه على الحياة»، أو يقول أحد الفراعنة المتوفَّين «كنتُ ملكًا أقوم بتأمين نمو الشعير!»

ولهذا فإن علينا ألا نعجبَ إذا عرفنا أن الملك بموجب ألقابه الرسمية «سيد المصريين» أو «ربهم»، وهو أيضًا «السيدتان»؛ أي ملتقى الإلهتَين الحاميتَين اللتَين تحميان الشمال والجنوب. أما اللقب الموازي فهو «السيدان» ويعبِّر عن هذه العقيدة بأن الإلهَين المتنافسين لمصر العليا والسفلى «حورس» و«ست» يقيمان جسديًّا ويصطلحان في شخص الملك.

ولهذا كله فإن الملك في مصر يتسم بالسمات الآتية:

  • (١) شخصية إلهية مقدسة؛ وبالتالي فهو أقدَس من أن يخاطبَه أحدٌ مباشرة؛ فمن كان بشرًا عاديًّا فهو لا يستطيع أن يتكلم «مع» الملك، وإنما هو يمكن أن يتحدثَ في حضرة الملك! بل إن كل ما هو جزءٌ من شخص الملك، كظله مثلًا، مُترَعٌ بالقداسة، فلا يقوى البشر على الدنو منه.
  • (٢) هذه الشخصية الإلهية تتمتع بعلمٍ إلهي أيضًا فلا تخفى عليه خافية، يقول أحد الوزراء إن جلالته عليم بكل شيء، بما حدث وبما يقع، وليس هناك في هذه الدنيا شيءٌ لا يعلمه، إنه توت إله الحكمة في كل شيء، وما من معرفةٍ إلا وقد أحاط بها.»
  • (٣) إن كل ما يتفوه به صاحب الجلالة يجب أن ينفَّذ، بل لا بد أن يتحقَّق فورًا؛ ذلك لأن مشيئة الملك وإرادته هي القانون، ولها ما للعقيدة الدينية من قوةٍ وشكيمة؛ فهو يعمل ما يجب أن يُعمل، ولا يرتكب قَط إثمًا أو ما يُثير بغضًا أو حقدًا، وهكذا لا يسع المواطنَ المصريَّ العادي إلا التسليمُ والخضوعُ لأوامره ونواهيه.
  • (٤) ترتَّب على شخصية الملك الأسطورية هذه نتيجة مهمة أيضًا، هي أنه لم تكن هناك قواعدُ قانونيةٌ مكتوبة أو مفصَّلة؛ إذ لم تكن هناك حاجةٌ إليها ما دامت كلها متمثلة في شخص الإله، الذي كان دائمًا على استعدادٍ لإصدار الأوامر اللازمة لما يجب أن تكون عليه نُظم الدولة وطُرق التعامل فيها، وربما كان من أسباب عدم وجود قواعد قانونية: الخوف من أن تُقيد سلطة الملك الشخصية.
  • (٥) كان القضاة يحكمون حسب العادات والتقاليد المحلية التي يرَون أنها توافق الإرادة الملكية التي يمكن أن تتغير إذا اقتضت رغبته ذلك.
  • (٦) كان الملك هو همزة الوصل الوحيدة بين الناس والآلهة — فهو الكاهن الأكبر وهو الذي يُعَيِّن الكهنة لمساعدته — ومن هنا فهو وحده الذي كان يستطيع تفسير ما تريده ماعت Maat إلهة العدالة، ويقوم بتطبيقه في مملكته؛ ولهذا كان من المفاهيم الأساسية التي يُسَلِّم بها الجميع، أن الإرادة الملكية لا يمكن أن تهدفُ إلا لسعادة مصر ورخائها.١٤
  • (٧) معنى ذلك كله أن فرعون في مصر هو المُشَرِّع والمنفِّذ، وهو الذي يحكُم القضاء باسمه، وهو الذي يعرفُ رغبات الآلهة ويحققها، وكثيرًا ما كان يقول في أوامره لابنه أو لوزيره: «إن الآلهة ترغب في إحقاق الحق، وهي تكره أشد الكراهية الأخذ بالوجوه والتحيز!» فها هنا الناموس! فرعون هو المرجع الأعلى، والموئل الأسمى، إليه وحده تُرفع طلبات الاسترحام ولا يُمنع منها أحدٌ من رعايا فرعون مهما اتضع قدره وانحط شأنه، وبذلك تُتاح له فرصة مراقبة أعمال عُماله المتصرِّفين في شئون مملكته الشاسعة، والضرب بشدة على أيدي العابثين بأمورها والخارجين على إرادته.١٥

ثالثًا: الطاعة البابلية

كانت السلطة السياسية في بلاد ما بين النهرَين تستند باستمرار إلى مصدرٍ إلهي؛ فلقد هبط النظام الملكي من السماء، والملك هو «حاكم المدينة» وهو «الكاهن الأعظم» وهو نائب الآلهة ومندوبها.

ويُفاخِر الملوك بالأصل الملكي الذي ينتسبون إليه، لكنهم مع ذلك لا يفتَئون في الوقت ذاته، يذكِّرون الناس باختيار الآلهة لهم! وإذا ما اختار الملكُ ابنًا ليتولى الحكم بعده، حرَص على أن يعرضَ هذا الاختيار على الآلهة لتُقرَّه.

وبعد المصادقة على الاختيار يقسم الابنُ يمينَ الولاء والخضوع والاحترام لأبيه، ويدخل «المختار» إلى بيت الوراثة حيث يدرَّب على مهام منصبه المقبل، ويوم ارتقائه العرش تُجرى احتفالاتٌ دينية يُمنح أثناءها الابنُ المختار اسمَه الملكي، ويقلَّد الشعارات رمز السلطة الإلهية.١٦

ولم يكن ملك بابل من الوجهة القانونية إلا وكيلًا لإله المدينة، ومن أجل هذا كانت الضرائب تُفرض باسم الإله، وكان الملك أثناء تتويجه يُقام له حفلٌ كبير تخلع عليه الكهنة سلطته الملكية، ويأخذ بيد «بعل» ويخترق شوارعَ المدينة في موكبٍ مهيب مُمسكًا بصورة «مردوخ»، وكان الملكُ في هذه الاحتفالات يرتدي زِيَّ الكاهن، وكان هذا رمزًا لاتحاد الدين والدولة، ولعله كان أيضًا يرمز إلى الأصل الكهنوتي للسلطة الملكية، وكانت تُحيط بعرشه جميعُ مظاهر خوارق الطبيعة، ومن شأن هذه كلها أن تجعل الخروجَ عليه كفرًا ليس مثله كفر، لا يُجزى من يجرؤ عليه بضياع رقبته فحسب، بل يُجزى أيضًا بخسران روحه، وحتى حمورابي العظيم نفسه تلقَّى قوانينه من الإله.١٧

ولقد كانت الفضيلة الكبرى في بلاد ما بين النهرَين عمومًا، وبابل بصفةٍ خاصة، هي الطاعة التامة؛١٨ فالدولة تقوم أساسًا على الطاعة والخضوع للسلطة، فلا عجب أن نرى إذن أن «الحياة الفاضلة» في أرض الرافدَين كانت هي الحياة المطيعة؛ حيث كان الفرد يقف في مركز مجموعة من الدوائر المتلاحقة من السلطة تحدُّ من حرية عمله ونشاطه، وكان الأمر في الماضي السحيق على نحو ما هو عليه في يومنا الراهن، تبدأ دوائر السلطة، أو الطاعة لا فرق، من دائرة الأسرة حيث يُوصَى العراقي القديم بهذه العبارة: «اسمع كلمة أمك، كما تسمع كلمة إلهك، واسمع كلمة أخيك الأكبر كما تسمع كلمة أبيك.» وتنتهي هذه الدوائر بالدولة والمجتمع؛ فهناك المراقب والمحاسب، والمشرف في الزراعة وفي التجارة، ثم هناك الملك وهو فوقهم جميعًا، والكل يطلُب الطاعة من المواطن بل الاستسلام والخضوع المطلق، وكان العراقي القديم كالعراقي الحديث، ينظُر إلى الجمهور الذي لا قائد له نظرةَ الاستياء والشفقة والخوف أيضًا «الجنود بلا ملك غنمٌ بلا راعٍ!» (لاحظ تعبير الغنم، وهم حتى في حالة وجود الراعي لا بد أن يكونوا غنمًا! … إلخ)، و«العمال بلا مراقب كالمياه بلا مفتش ري»، و«الفلاحون بلا مشرف كحقلٍ بلا حارث».١٩

وهكذا نجد أنه يستحيلُ وجود عالمٍ منظَّم ما لم تفرض عليه سلطة عليا إرادتها. والفرد هنا يشعُر بأن السلطة دائمًا على حق — كما كان المصريون يعتقدون أن فرعون لا يمكن أن يرتكب خطأً أو يقترف إثمًا — أوامر القصر، كأوامر «آنو Anu» لا تتبدَّل، كلمة الملك حق، ونطقُه كنطق الإله لا يغيِّره شيء، والعصر الذهبي القادم هو «عصر الطاعة» كما تنبأ «الشعراء في نشيد يصف المستقبل».٢٠

وفي بلاد ما بين النهرَين عمومًا كان دَور الملك الرسمي أنه ممثل الآلهة على الأرض أو أنه ينوب عنها؛ فقد منحَته الآلهة السلطة لكي يتصرف نيابةً عنها، وهي تتوقع منه أن يعامل الناس بالعدل وبلا محاباة؛ بحيث يدافع عن الضعيف أمام القوي، وأن يكون نصيرًا لليتامى والأرامل، وقد كان يوجِّه الاعتبارات الأخلاقية لما تجلبه من رضا الآلهة وبركاتها وما يمنع لعناتها.

ولقد تداولَت الأجيالُ طرائقَ الحياة والحكم السليمة، وأيدَتها بالنصوص التي تقدِّم التعليمات والنصائح، لقد كانوا يعتقدون أن سلامة الملك تقوم عليها سلامة الجماعة؛ ولهذا تتخذ إجراءات صارمة لضمان ذلك،٢١ وما زالت تتخذ هذه الإجراءات الصارمة لضمان سلامة «ولي النعم».٢٢

رابعًا: فارس

كان الفرس يطلقون على الإمبراطور لقب «ملك الملوك»، وهو صاحب السلطة المطلَقة في طول البلاد وعرضها، فكانت الكلمة التي تصدُر من فيه كافيةً لإعدام من يشاء من غير محاكمة ولا بيان للأسباب، تمامًا كما يحدث عند الطغاة اليوم! وكان في بعض الأحيان يمنح أمه أو كبيرة زوجاته حق القتل القائم على النزوات والأهواء، وقلما كان أحدٌ من الأهالي — ومنهم كبار وأعيان — يجرؤ على انتقاد الملك أو لومه، كما كان الرأي العام ضعيفًا عاجزًا عجزًا مصدره الحَيْطة والحذَر، لدرجة أنْ كان كلُّ ما يفعله مَن يرى الملك يقتل ابنه البريء أمام عينَيه رميًا بالسهام أن يُثنيَ على مهارة الملك العظيمة في الرماية، وكان المذنبون الذين تُلهِب السياطُ أجسادَهم بأمر الملك يشكرون له تفضُّله بأنه لم يغفُل عن ذكرهم.٢٣

وعندما غزا الإسكندر فارس وجد القومَ يسجدون للإمبراطور ويؤلهونه، فابتدع سياسته الخاصة بالمزج وإدماج العناصر المقدونية بالفارسية في إمبراطوريته، واتخذ في المناسبات العامة الزيَّ الفارسي، ومراسمَ البلاط الفارسي، وإذ ذاك أزمع على اقتباس تلك العادة الفارسية؛ عادة السجود للملك، وهي التي كان يتعيَّن بمقتضاها على جميع مَنْ يقتربون من الملك السجود له، وهو إجراء تقتضيه بالنسبة للفرس الشعائرُ الرسمية! ولكنه كان في نظر اليونانيين المقدونيين، ينطوي على عبادةٍ حقيقية للحاكم، وما كان الإنسان ليسجد إلا للآلهة، وكان الإسكندر على بيِّنة من موقف اليونان، ومعنى ذلك أنه كان ينوي محاكاة الشرقيين في تأليه الحاكم، أعني أنه كان يريد أن يصبح بصفةٍ رسمية الإله في إمبراطوريته على نحو ما سنبيِّن بعد قليل.

خامسًا: الصين

كان التنظيم السياسي في الصين القديمة يقوم على أساس أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء، هو يحكُم وَفقًا للحق الإلهي الذي يخوِّله سلطةً مطلقة، وكانت عبارة «مقبول من السماء» عن طريق الشعائر «هي رخصة الملك والسيادة، وهي التي تزوِّده بالنفوذ السياسي القوي الذي يُلزِم رعاياه بالولاء له»؛ فهو «ابن السماء وممثل الكائن الأعلى، ومن أجل ذلك فإن مملكته كانت تُسمى أحيانًا تيان-شان؛ أي التي تحكُمها السماء، وقد ترجَم الأوروبيون هذه العبارة بالمملكة السماوية.

وبفضل سلطات الإمبراطور الإلهي كانت له السيطرة على الفصول — كما هي العادة في الحاكم الإلهي! وكان يأمر الناس أن يوفِّقوا بين أعمالهم وبين النظام السماوي المسيطر على العالم، وكانت حكمتُه هي القانون وأحكامُه هي القضاء الذي لا مرد له؛ فهو المدبر لشئون الدولة، ورئيس ديانتها يُعيِّن جميع موظفيها، ويمتحن المتسابقين لأعلى المناصب، ويختار مَن يخلُفه على العرش.

ويُعاون الإمبراطور في تصريف وإدارة شئون الإمبراطورية مجلسان؛ أحدهما مجلس الأعيان، ويُختار أعضاؤه من الأفراد الأرستقراطيين، وثانيهما مجلس الوزراء وأعضاؤه ستة يُختارون من خيرة رجال الدولة.

كما كان محاطًا بحلقةٍ قوية من المستشارين والمبعوثين من مصلحته أن يعمل بمشورتهم، وإذا ظلَم أو فسَد حكمه خسر بحكم العادات المرعيَّة، وباتفاق أهل الدولة، «تفويض السماء» وأمكن خلعُه دون أن يُعد ذلك خروجًا على العادات والدين أو الأخلاق! فقد كانت السماء تُبدي غضبها بأن تقلبَ الجو في علاماتٍ أخرى كالصواعق، وهي اضطراباتٌ في ظواهر الطبيعة.٢٤

وينبغي علينا ألا نخلط فنظن أن وجود المجالس الاستشارية يعني أن هناك لونًا من الرقابة الشعبية على الملك؛ فهذا أمرٌ لا أثر له: إن الملك يستشير إذا شاءت إرادته الملكية، ومن حقه ألا يستشير فلا شيء يُلزِمه بقبول المشورة، أو الالتزام برأي الآخرين؛ فليس ثمَّة سوى الإرادة الملكية التي هي إرادة السماء، أما الشعب فلا وجود له، وإذا كان الإمبراطور يتحدث إلى الشعب باستمرارٍ بجلالٍ وبرقةٍ وعطفٍ أبوي، فإن الشعب ليس لديه عن نفسه إلا أسوأ مشاعر الذاتية؛ فهو يعتقد أنه لم يُولَد إلا ليجُرَّ مركبة الإمبراطور؛ فذلك هو قدَره المحتوم، ولا يبدو لهم أمرًا مزعجًا أن يبيعوا أنفسهم كعبيد، وأن يأكلوا خبز العبودية المُر! على ما يقوله هيجل.٢٥

سادسًا: الإسكندر يؤلِّه نفسه في الشرق!

وقعَت المدن اليونانية، لما يقرب من قرنٍ ونصف، تحت سيطرة الطغاة فيما يُسمى عادةً عصرَ طغاة الإغريق، ابتداءً من طاغية كورنثة وانتهاءً بطاغية أثينا وأبنائه — وهي حقبةٌ ذاق فيها المواطنُ الكثيرَ من الظلم والاضطهاد والمعاناة — لكن لم يحدث أن طلب أحدُ الطغاة من الشعب أن يسجدَ له عندما يشرف واحدٌ منهم بالمثول بين يديه، صحيحٌ أن المدن اليونانية تقلَّبت عليها الأنظمة وعرفَت — من بين ما عرفَت — النظام الملكي، لكنه لم يكن بقسوة النظام الشرقي، وتبعًا لذلك يظلُّ من الصواب أن نقولَ إن المدينة اليونانية كانت جمهوريةً في مقابل النظام الملكي في الشرق؛ ولهذا فإنه يُقال عادةً إنه بعد غزو الإسكندر للشرق انهزمَت المدينة اليونانية الجمهورية وانتصر النظام الملكي؛ فقد قامت دولةٌ واسعةُ الأرجاء كثيرةُ السكان على أنقاض مقاطعاتٍ صغيرة، وانتقل مركز الثقل في العالم اليوناني نحو الشرق، وأصبح تطوُّر النظام اليوناني أمرًا محتومًا، لكن في أي اتجاهٍ يسير هذا التطور؟ لقد ظل الرجل اليوناني يخضع للقانون الذي يصنعه البشر، ولم يخطُر بباله أن يكون الحاكم إلهًا، أو أنه يمثِّل الإله على الأرض؛ ففكرة تأليه Deification الملك أو الإمبراطور صناعةٌ شرقية محلية فحسب! ولهذا شهد الشرق أسوأ أنواع الطغيان، وكان النموذجَ الأعلى للطغيان إن صَحَّ التعبير.

كيف سار التطور بعد أن التحم الشرقُ بالغرب بعد غزو الإسكندر؟ إن النظام الملكي الشرقي لا يقبل بمبدأ الحرية السياسية الذي كان سائدًا في المدن اليونانية، لا سيما في أثينا؛ فقد أصبح المواطنُ الآن تابعًا، وحل القصر محل الجمعية الشعبية أو «الجمعية الوطنية»، وكانت النتيجة أن أصبحَت السلطة الملكية مطلَقة، وأصبح الملك هو الشريعة الحية لا يقيِّده شيء، ولا يخضع لأية رقابة؛ فإرادتُه إرادةٌ مطلَقة، وظهرَت عباراتٌ تؤيد ذلك مثل «إن ما يقرُّه الملك هو عادلٌ أبدًا.»٢٦

ونقل الإسكندر فكرة «التاج» من فارس حتى أصبحَت مرادفة للملك، وكذلك لفظ العرش، واستخدمه كل خلفائه من بعده. والمقصود بالتاج عُصبة بيضاء — وأحيانًا يضاف اللون الأرجواني — تحيط بالرأس وتجمع الشعر وتُعقد إلى الوراء.٢٧

أصبح الملك، في المرحلة الهلنستية، غير مقيَّد؛ فهو المشرِّع الوحيد للبلاد، وهو القائد الأعلى للجيش، وهو الذي يعلم كل شيء ويُصدر أوامره في شتى الموضوعات، ويوجِّه الكتب الدورية إلى الموظفين، ويُجيب عن أسئلتهم، وهو أعلى سلطةٍ قضائية.٢٨

وبعد غزو الإسكندر لفارس أطلق على نفسه «سيد آسيا»، وكانت آسيا تعني الإمبراطورية الفارسية، وكان قبل ذلك قد أطلَق على نفسه «ليث فارس الهصور»، ثم تَسَمَّى باسم الملك، وهو لقب لم يستعمل إطلاقًا على العملة التي سكَّها في مقدونيا، وقد أخذَت هذه الألقاب في الظهور على بعض العُملات الآسيوية التي كان يُصدرها.٢٩

وبدأ الإسكندر يأخذ بعادات الشرق وثيابهم، ويتزوج منهم، إلى أن وصل إلى أعلى عادة وهي تأليه الحاكم، فأراد أن يعترف به الشعب الآسيوي — بل واليوناني أيضًا — ابنًا «لزيوس – آمون»! ويرى ديورانت أن الإسكندر لو أنه تخلى عن فكرة أنه «ابن الإله آمون» لكان من المحتمل أن يغضبَ المصريون لخروجه هذا الخروجَ العنيفَ عن السوابق المقرَّرة عندهم.٣٠ ولقد أكد الكهنة في سيوة وبابل٣١ — وهم الذين يعتقد الناسُ فيهم أن لديهم مصادرَ خاصة — أنه من نسل الآلهة! وبدأَت القصص الأسطورية تُروى عن ارتباط هذه الشخصية المقدَّسة بظواهر الطبيعة؛ فلقد تعرَّفَت الأمواج نفسها على الإسكندر، وهو يسير بمحاذاة الشاطئ، فتأكَّدَت أنه سيدها … وراحت تسبِّح بحمده، وقدَّمَت له الولاء بوصفه إلهًا! فيما يروي و. و. تارن W. W. Tarn.٣٢

وشيئًا فشيئًا بدأ الإسكندر يعتقد أنه إلهٌ حقًّا وبأكثر من المعنى المجازي لهذا اللفظ! وهكذا ابتداءً من ربيع عام ٣٢٧ (ق.م.) بدأَت سياسته الخاصة بالمزج وإدماج العناصر المقدونية بالفارسية تأخذ منحًى جديدًا، عندما أزمع على اقتباس عادةٍ فارسيةٍ هي السجود — التي كان يتعين بمقتضاها على جميع من يقتربون من الملك أن يؤدوها! غير أن هذا الأمر كان يعني في نظر اليونانيين والمقدونيين عبادةً حقةً للإمبراطور، وهو أمرٌ لم يألفوه من قبلُ، ولقد كان الإسكندر على بيِّنةٍ من الموقف، وذلك لا يعني سوى شيءٍ واحدٍ هو أنه أراد تأليه نفسه، أراد أن يصبح إلهًا بالفعل.٣٣

وعندما ابتدع الإسكندر عادة السجود هذه، تطوَّرَت الأمور على نحوٍ غيرِ منتظَر؛ فقد عارضها المقدونيون بشدة، وأظهر البعض استياءه وغضبه، بل إن أحد قُواده فعل ما هو أسوأ من المعارضة؛ فعندما سمع بمطلب الإسكندر استولَت عليه نوبةٌ من الضحك! وأخيرًا اتفقوا معه على أن يقصرَ هذه العادة الآسيوية على الآسيويين فقط! وكان الإسكندر قد أُوتي قدرةً فائقة على الإحساس بما هو ممكنٌ من الأمور، فأسقط السجود من حسابه نهائيًّا! Fons et Origo.٣٤

وهكذا نجد أن الإسكندر لم يفكِّر في تأليه نفسه إلا في الشرق، موطن تأليه الحكام؛ ولهذا كانت آسيا هي الأصل والمنبع Fons et Origo للاستبداد في كل الفلسفة السياسية في أوروبا، وكان الطغيان الشرقي هو النموذج الذي تحدَّث عنه المفكِّرون في عصر التنوير.٣٥

فلقد كان تقديس الشرقيين للملك أمرًا مألوفًا عندهم. وقد نظر الرومان — فيما بعدُ — إلى هذه الفكرة في افتتانٍ ورهبة! فقلَّد بومبي الإسكندر الذي وافق على الألوهية لأغراضٍ سياسية، وكان قيصر يلهو بالتأليه، وأصبح مارك أنطونيو، بغير خجل، هو ديونسيوس — أوزريس زوج كليوبطرة — إيزيس ملكة مصر، وأطلَقا على طفلَيهما اسم الشمس والقمر.٣٦

وأقام أغسطس بحاسَّته السياسية البارعة نموذجًا للمستقبل، فكان عليه أن يصبح في مصر الملك المقدَّس، لكنه كان حَذِرًا في أماكنَ أخرى، ولا نجد سوى المُصابين بجنون العظمة من أمثال «كاليجولا»، ونيرون، ودميتيان؛ فهم وحدهم الذين طالبوا أن يُعبدوا في حياتهم، وأن يُنظر إلى كلٍّ منهم بوصفه سيدًا وإلهًا Dominus & Deus؛ أي مالكًا للعبيد وإلهًا للفانين.٣٧

لكن هذه كلها محاولاتٌ باهتة تُحاكي الأصل؛ النموذج الشرقي الذي هو تأليهٌ حقيقيٌّ للحاكم.

١  مصطلح Theocracy مؤلف من مقطعَين يونانيَّين Theos ويعني إلهًا، وKratia بمعنى حكم؛ فهي تعني حرفيًّا «حكم الله» أو الحكم لله إما مباشرة أو من خلال رجال الدين، والدولة التي ينطبق عليها الحكم الثيوقراطي على هذا النحو هي الدولة اليهودية من موسى إلى القضاة. ومن أمثلة حكم رجال الدين «سافونارولا» في إيطاليا، وجون كالفن في سويسرا، ولقد صاغ هذا المصطلح لأول مرة المؤرخ اليهودي يوسفوس Josephus ليعني به التصور اليهودي للحكومة على نحو ما جاء في التوراة، التي تذهب إلى أن القوانين الإلهية هي مصدر الالتزامات السياسية والدينية معًا. انظر: R. Scruton, A Dictionary of Political Thought, p. 461.

٢  قارن: ثروت بدوي، «النظم السياسية»، ص١٢٤، وأيضًا يحيى الجمل، «الأنظمة السياسية المعاصرة»، ٧٠-٧١.

٣  د. ثروت بدوي، «النظم السياسية»، ص١٢٤.

٤  المرجع نفسه، ص١٢٥.

٥  ظلت فكرة تقديس الإمبراطور موجودة في العصور الحديثة عند اليابانيين حتى عام ١٩٤٧م.

٦  د. ثروت بدوي، ص١٢٦.

٧  كان القديس توما الأكويني من أكبر دعاة الحق الإلهي غير المباشر؛ إذ فرَّق بين السلطة في ذاتها التي تصدُر عن الله، والسلطة الواقعية؛ أي طريقة ممارستها، وهذه تكون للشعب، الشعب هو الذي يختار الوسيلة التي تمارس بها السلطة؛ وبالتالي فهو الذي يعيِّن الأشخاص الذين يتولَّون السلطة، ثم نجد الأفكار نفسها على لسان كلٍّ من سلومات وسوارز في نهاية القرنِ السادسَ عشر وأوائل السابعَ عشر. د. ثروت بدوي، «النظم السياسية»، ص١٢٧.

٨  «تاريخ الحضارات العام»، بإشراف موريس كروزيه، ترجمة فريد داخر وفؤاد أبو ريحان، ص٤٦، منشورات عويدات، بيروت، ط٢، عام ١٩٨٦م.

٩  ﻫ. فرانكفورت، «ما قبل الفلسفة»، ص٨٢، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، مكتبة الحياة، ١٩٦٠م.

١٠  ﻫ. فرانكفورت، «ما قبل الفلسفة»، ص٩٠.

١١  ترتبط سيطرة الحاكم على ظواهر الطبيعة وصلته بها عمومًا، بإضفاء القدسية على شخصيته؛ فكلما كان مقدسًا كانت له علاقةٌ وطيدة بالطبيعة وظواهرها؛ ولهذا اعتقد الناس في العصر العباسي — على نحو ما سنرى في الفصل الثاني من الباب الثالث — أن موتَ الخليفة أو اغتيالَه يؤدي إلى اضطرابٍ في ظواهر الطبيعة، واختلال في نظام الكون، فتحتجب الشمس ويمتنع المطر … إلخ!

١٢  تاريخ الحضارات العام، المجلد الأول، ص٤٨.

١٣  ﻫ. برستد، «فجر الضمير»، ص٥٧ وما بعدها.

١٤  د. بطرس غالي، المدخل في علم السياسة، ص١٨، ط٩، عام ١٩٩٠م، مكتبة الأنجلو المصرية.

١٥  تاريخ الحضارات العام، بإشراف موريس كروزيه، ترجمة فريد داخر وفؤاد أبو ريحان، المجلد الأول، ص٥٢-٥٣.

١٦  تاريخ الحضارات العام، المجلد الأول، ص١٣٩.

١٧  ول ديورانت، قصة الحضارة، مجلد ٤، ص٢٨٠-٢٨١، ترجمة محمد بدران، وكذلك ثروت بدوي، «أصول الفكر السياسي»، ص٣٦، دار النهضة العربية، عام ١٩٧٦م.

١٨  ما زالت هي الفضيلة الكبرى في كل بلدان الشرق!

١٩  راجع في ذلك كله ﻫ. فرانكفورت، «ما قبل الفلسفة»، ص٢٤٠.

٢٠  المرجع نفسه، ص٢٣٩.

٢١  المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص٢٨، سلسلة عالم المعرفة، عدد ١٧٣، مايو ١٩٩٣م.

٢٢  «في سبيل تأمين سلامة صدام حسين قامت الشرطة السرية بتعذيب آلاف المواطنين، وقتل عدد لا يُعرف على وجه التحديد، وأنشأَت أجهزة استخبارات للتجسس على الشرطة والجيش، ثم قامت بتكوين «ست مجموعات» خاصة لقتل اللاجئين السياسيين العراقيين في مصر وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية … إلخ»، جمهورية الخوف، ص٤٨–٥٣.

٢٣  قارن في ذلك «المعتقدات الدينية لدى الشعوب»، ص٢٧٣، وول ديورانت، قصة الحضارة، مجلد ٤، ص٢٨٠-٢٨١؛ وثروت بدوي، «أصول الفكر السياسي»، ص٣٦.

٢٤  لاحظ باستمرار الارتباط بين الحاكم الإلهي وظواهر الطبيعة، سواء في حالة تعيينه فتنتظم أو في حالة اغتياله فتضطرب.

٢٥  هيجل، «محاضرات في فلسفة التاريخ»، الجزء الثاني: العالم الشرقي، ص٩٥-٩٦.

٢٦  تاريخ الحضارات العام، المجلد الأول، ص٤٠٢.

٢٧  المرجع نفسه، ص٤١٦.

٢٨  المرجع نفسه، ص٤١٧.

٢٩  و. و. تارن، «الإسكندر الأكبر»، ص١٠٣، ترجمة زكي علي، مركز كتب الشرق الأوسط، ١٩٦٣م.

٣٠  ول ديورانت، «قصة الحضارة»، المجلد السابع، ترجمة محمد بدران، ص٥٣٤-٥٣٥.

٣١  «عندما دخل الإسكندر بابل قيل له إن الناس سوف تركع أمامك؛ لأن البابليين يعتقدون أنك نِلتَ العُلا بفضل مردوخ!»، هارولد لامب، «الإسكندر المقدوني»، ص٢٤٧، ترجمة عبد الجبار المطلبي ومحمد ناصر الصانع، ومراجعة د. محمود الأمين، المكتبة الأهلية، بغداد، عام ١٩٦٥م.

٣٢  و. و. تارن، «الإسكندر الأكبر»، ص١٢٨، ترجمة زكي علي، ومراجعة د. محمد سليم سالم، الناشر: مركز كتب الشرق الأوسط، ١٩٦٣م (الألف كتاب، رقم ٤١١).

٣٣  المرجع نفسه، ص١٣٠.

٣٤  المرجع نفسه، ص١٣٢.

٣٥  Perry Anderson, Lineages of the Absolutist State, p. 463, Verso, London 1989.

٣٦  جفري بارندر، «المعتقدات الدينية لدى الشعوب»، ص١٠٣، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام، ومراجعة د. عبد الغفار مكاوي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مايو ١٩٩٣م.

٣٧  المرجع السابق، ص١٠٤.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading